رواية ياقاتلى اين المفر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رواية ياقاتلى اين المفر

مُساهمة من طرف شموس في الجمعة أبريل 28, 2017 6:24 pm

الجــــــــــزء الأول







رفع نبيل القاسمي سماعة الهاتف، و بدا على وجهه الارتياح و هو يستمع إلى صوت مخاطبه :
ـ أهلا نجيب... نعم... نعم... لقد جهزت كل شيء لاستقبال ليلى... اطمئن... فراس؟... أعلم أنه شديد الحساسية... ربما لن يتقبل الأمر بسهولة في البداية، لكنني سأكون إلى جانبها... لا داعي للقلق... دعني أتصرف...

في تلك اللحظة ترامى إلى مسامعه صوت منبه سيارة في الحديقة الخارجية للقصر... فتطلع من النافذة قبل أن يستطرد :
ـ لقد وصلت السيارة... سأحدثك لاحقا...

وضع السماعة و عدل سترته ثم خطا بثقة نحو البهو...

توقفت سيارة رياضية فاخرة أمام الباب الرئيسي للقصر، بعد أن عبرت الممر الطويل الممهد، المؤدي إلى البوابة الخارجية... نزلت الراكبة الوحيدة ليلى كامل في حركة رشيقة... تناولت حقيبة يدها ثم سلمت الخادم الذي تقدم إليها مفاتيح السيارة... ألقت نظرة فاحصة على الحديقة الخلابة فاسترعت انتباهها ورود حمراء آسرة جعلت ابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيها، ثم استدارت لتتأمل واجهة المبنى الشامخ المنتصب أمامها، و قد لاحت في عينيها علامات الدهشة و الإعجاب... لكنها ما لبثت أن ابتسمت في ثقة و هي تسوي حجابها و تقدمت بخطى ثابتة لتصعد درجات السلم الحجري المؤدي إلى المدخل... انحنى أمامها الخادم العجوز ثم سبقها إلى الداخل...

كان بهو الاستقبال عبارة عن صالة فخمة ذات أثاث كلاسيكي قديم، وزعت قطعه بذوق و براعة في نظام جذاب... تتوسط القاعة زربية فارسية ذات رسوم و زخارف متناسقة، ألوانها شاحبة تحاكي ألوان الخريف... و في صدر المجلس تربعت أريكة ضخمة من خشب الأبنوس، خمنت على الفور أنها من طراز لويس الرابع عشر، تحيط بها مقاعد من نفس النوع، بنفس الزخرفة الثقيلة... و في المقابل كانت هنالك منضدة زجاجية متوسطة الحجم من الإبداع الصيني، لا تخطئ العين ألوانها المميزة... انجذبت عيناها تجاه مزهرية بلورية تراصت فيها نفس الورود الحمراء التي لمحتها منذ قليل في الحديقة، تضفي على جو القاعة رونقا فريدا... و على مساحة الحائط، امتدت لوحة فنية تمثل غابة كثيفة مظلمة في شتاء قارس... و على قدر ما أعجبت بالمهارة الفنية الواضحة في ثنايا اللوحة، على قدر ما أصابت قلبها بالوحشة و الوحدة و ذكرتها بوضعها... و بالأيام القليلة الماضية من حياتها...

تنهدت في أسى و هي تستدير لتقع نظراتها على الجزء الثاني من البهو الذي كان مناقضا تماما للأول... أثاث عصري بسيط، ذو ألوان زاهية... بساط صغير بديع، و منضدة طويلة نسقت فوقها أعداد من التحف الصغيرة الظريفة، استقرت خلفها مرآة عاجية، طالعت فيها صورتها ثم ابتسمت في رضا و تألقت عيناها الكستنائيتان ببعض الغرور... على عرض الحائط المقابل توزعت لوحات صغيرة متناثرة تمثل مشاهد طبيعية مشرقة...

ابتسمت ليلى و هي تلقي نظرة أخيرة على الجانبين و تلحظ في صمت المفارقات العجيبة التي اجتمعت في فضاء واحد... زوجان مختلفا المزاج؟ ربما... انتبهت إلى السيد نبيل الذي نزل للتو و وقف على بعد بضع خطوات منها يتأملها في صمت و على شفتيه ابتسامة ودودة... تقدمت منه، عانقته في حرارة متكلفة و تبادلا عبارات الترحيب...

و ماهي إلا لحظات حتى سمعت ضوضاء قادمة من الطابق الأول، ثم ظهر شابان ينزلان الدرج في بعض الهرج... انضما إلى السيد نبيل و ليلى التي غضت بصرها في حياء... وقفا غير بعيد عنهما، و بادر السيد نبيل معرفا :
ـ هذه ليلى... ابنة عمتكما نجاة... رحمها الله... و صديقي العزيز نجيب... تعلمان أنها ستقيم بيننا ـ طيلة فترة سفر والدها للإشراف على مشروعه الجديد ـ أرجو أن ترحبا بها جيدا... و تعتبراها مثل شقيقة لكما...

ثم التفت إلى ليلى متابعا :
ـ أرجو يا ابنتي أن تجدي راحتك بيننا...

طالعها الشابان بنظرات متفحصة... كانت فتاة قد تجاوزت العشرين من عمرها بسنتين اثنتين، مليئة بالحيوية و متقدة الذكاء... تلمحه في نظراتها الهادئة، المتحدية، و ابتسامتها الرقيقة التي لا تفارق شفتيها... و لم يكن الجمال ليبخل عليها بقدر وافر منه...

ـ هذا ابني الأكبر... ياسين...

كان ياسين رجلا ضخم الجثة، فارع الطول متين البنيان، تظنه أحد المصارعين المحترفين. و بدا أنه قد تجاوز الثلاثين من عمره ببضع سنوات، تدل هيأته على حياة الرفاهية التي يعيشها دون عناء أو تكلف.

انتبه ياسين، الذي كان يطالع ليلى بنظرات فاحصة، على صوت والده و هو يسأله :
ـ أين زوجتك؟

أجاب في امتعاض :
ـ منال؟... أخذت رانيا و ذهبت في زيارة إلى بيت أهلها...

هز السيد نبيل رأسه متفهما، في حين تقدم ياسين من ليلى و هو يمد يده مصافحا، دون أن تفارق عينيه تلك النظرة الجريئة :
ـ أهلا ليلى... تشرفت بمعرفتك...

لم تكن ليلى ترغب في المصافحة... لكنها بعد تردد قصير مدت يدها لتصافحه في خجل... ابن خالها الذي تراه للمرة الأولى... ليس من اللائق أن تستفزه منذ اللحظات الأولى. هكذا أقنعت نفسها!

ـ و هذا أمين... ابني الأصغر...

قاطعه أمين بحركة مفاجئة و هو يتقدم نحو ليلى و ينحني أمامها انحناءة عريضة، ثم يهم بالتقاط يدها على طريقة الجنتلمان في القرن التاسع عشر! لكن ردة فعل ليلى كانت أسرع من حركته، فسحبت يدها في حدة و ألقت عليه نظرة صارمة... لكن أمين ابتسم في لباقة، رغم الإحراج الذي تعرض إليه للتو، و تابع في غير اهتمام :
ـ أعرفك بنفسي... أنا أمين... الابن الأصغر لعائلة القاسمي... و أنا الأكثر انطلاقا و مرحا في العائلة... يعرفني الجميع بلباقتي مع الجميلات و خبرتي في العلاقات الاجتماعية... طالب هندسة في الصف الثالث... أظن لا يهمك أن تعرفي إن كنت قد رسبت سنتين أو ثلاثا... على أية حال، يسرني وجودك بيننا... لا شك أنك لاحظت المحيط الرجالي الذي يسكن هذا البيت... و أرجو أن تضيفي إلى حياتنا نوعا من التغيير بعد أن أصابنا الروتين و الملل...

كان أمين فتى جذابا بأتم معنى الكلمة، و كان من الواضح أنه يدرك مدى وسامته خاصة حين يقف جنبا إلى جنب مع ياسين الذي كانت ملامحه عادية و خالية مما يثير انتباه الجنس الآخر... كما أن أمين كان لا يزال في بداية شبابه، لا يتجاوز عمره الأربع و العشرين سنة، و في نظراته الكثير من الثقة... و الغرور!

رمقه ياسين بازدراء في حين رماه نبيل بنظرة غاضبة أوقفته... أما ليلى فإنها اكتفت بإشاحة وجهها عنه و في عينيها الكثير من الاستغراب و الامتعاض. أما أمين فابتسم و هو يلوح بيده استهانة :
ـ هل قمت بشيء غريب؟ لقد رحبت بابنة عمتي على طريقتي!

ثم أضاف في صوت خافت، لكنه تناهى إلى مسامع ليلى :
ـ لو كان فراس هنا... لكان الموقف أكثر إثارة...

تسارعت دقات قلب ليلى و هي تسترجع ما ذكره لها والدها من معلومات عن العائلة... و من دون كل أفراد عائلة القاسمي، كانت متشوقة للقاء فراس...

نظر أمين إلى الخادم العجوز بعد أن انصرف والده و قال متسائلا :
ـ هل أخطأت يا عم صابر؟

ابتسم العم صابر و هي يخفض رأسه في ارتباك و لم يجب

قطع نبيل الصمت و هو ينادي الخادم من الغرفة الداخلية، حيث اختفى منذ لحظات :
ـ صابر... احمل حقائب الآنسة إلى الغرفة المعدة لها... و اتركها لتستريح قليلا...

خرج الخادم ليحضر الحقائب التي كانت عند أسفل الدرج الحجري، و ما لبث أن عاد مسرعا و تقدم ليلى إلى السلم المؤدي إلى الطابق الأول، من حيث نزل ياسين و أمين قبل بضعة دقائق... تبعته ليلى في خطوات رزينة، تتبعها النظرات بانطباعاتها المختلفة...


********


تقدمت ليلى في الممر المفروش بالزرابي و المزدان بالثريات متدلية من السقف. كانت الفوانيس الصغيرة و المتلاصقة تضفي على المكان ضوءا خافتا ذا لون أصفر ساحر...
على الجانبين علقت صور لأفراد العائلة و رسومات حائطية...

راحت تتأملها و هي تتبع العم صابر بخطوات هادئة... فجأة توقفت أمام صورة فتاة في مثل سنها تقريبا، أو تصغرها بسنوات قليلة... و بدا لها أنها تطالع صورتها هي، ليلى، منذ بضع سنين مضت! نعم، فالشبه بينهما مما لا يختلف فيه اثنان!

تسارعت دقات قلبها و كست ملامحها تعابير غريبة، لم تدرك هي نفسها كنهها... لكنها سرعان ما تمالكت نفسها و سارعت الخطو لتلحق بالعم صابر الذي توقف أمام غرفة في نفس الممر...

حين خطت إلى داخل الغرفة المعدة لها وجدت نفسها في عالم جديد غاية في الروعة... كان أول ما لفت نظرها هو ورق الجدران الأزرق السماوي المحلى برسوم رقيقة بيضاء. لون هادئ و مريح جعلها تبتسم في رضا و هي تتقدم لتضع حقيبتها على البساط. كان أثاث الغرفة في غاية الأناقة و البساطة... شديدة الاختلاف عن غرفتها السابقة، في منزلها... فراش كبير على الطراز الأمريكي الحديث، منضدة تحمل مختلف أنواع العطور و أدوات الزينة، مرآة عاجية، و مصابيح صغيرة ترسل نورا أزرق سماويا... و في الجهة المقابلة، صوان ملابس مصنوع من خشب الأرز الأبيض و مكتب صغير... و مع كل هذا، شرفة تطل على الحديقة! تأمات غرفتها "الخاصة" في انبهار، ثم ألقت بنفسها على السرير الوثير الناعم و تنفست الصعداء... أغلقت عينيها و غرقت في لجة أفكارها... كم ستبقى هنا يا ترى؟ أملها أن تنتهي رحلة والدها بأسرع ما يمكن و تعود لتسكن معه في بيتهما الصغير في فرنسا...

لم تدرك كم مضى عليها من الوقت و هي مستلقية في تلك الوضعية المريحة و مستسلمة لأفكارها... لكنها انتبهت على صوت طرق خفيف على الباب... فتحت عينيها و استقامت في مجلسها. تناهى إليها صوت رجالي يقول :
ـ ليلى... هل يمكنني الدخول؟

فزعت و قامت لتسوي حجابها أمام المرآة و هي تتساءل : من؟

ـ أنا أمين... هل أنت نائمة؟

توجهت نحو الباب و فتحته ليطالعها وجه أمين المبتسم... كان قد ورث عن والده عينيه السوداوين العميقتين و شعره الأسود الناعم... و عن والدته المتوفاة البشرة البيضاء الصافية و الغمازة في الذقن، مع أنف مستقيم حاد... ملامحه تشي بالحدة و التحفز، لكنه بدا ودودا إلى أبعد الحدود... خطا إلى الداخل دون كلفة، في حين اتسعت عينا ليلى في دهشة و استهجان، لكنها لم تنطق بكلمة...

نظر إلى الحقيبة التي كانت لا تزال في موضعها. جلس ببساطة على المقعد المواجه للمكتب واضعا ساقا على أخرى، و تكلم كمن يخاطب صديقا حميما :
ـ أرى أنك لم تستقري في غرفتك بعد‍! فالحقيبة لم تفرغ... و أنت لم تغيري ثيابك...

وقف برشاقة فارعا طوله ثم أجال بصره في الغرفة مضيفا :
ـ أنت محظوظة لحصولك على هاته الغرفة... فهي كانت غرفة المالكة الأولى للقصر... زوجة أبي الأولى... والدة ياسين... صحيح أنه تم تجديد الأثاث، بالكامل تقريبا... لكن الغرفة تحافظ على طابعها الخاص و الغامض...

كانت تجيل نظراتها في أرجاء الغرفة و هي توافقه في قرارة نفسها على غموض طابعها و رونقها الفريد من نوعه... نظرت إليه فجأة حين أحست بعينيه تستقران على وجهها في إصرار
ـ لا أظنني سأقول شيئا جديدا عنك... لكنك يا ابنة عمتي في غاية الجمال!

تراجعت مبغوتة من هذا الغزل الصريح فاستدرك متابعا :
ـ أرجو أن لا تتضايقي من صراحتي... فقد اعتدت التعبير المباشر عما يجول في خاطري...

اتسعت ابتسامته، أمام احمرار وجهها، و همس :
ـ لا تتأخري عن موعد العشاء بعد نصف ساعة... أراك لاحقا!

تقدم نحو الباب بمثل البساطة التي دخل بها... و قبل أن يتوارى عن ناظريها، أطل برأسه من فتحة الباب و همس :
ـ فراس سيكون معنا على العشاء... كوني حذرة!

وقفت للحظات مبهوتة... كانت تحس بالضيق... فمن الواضح أنها ستواجه الكثير من المتاعب حتى توقف أمين عند حده و تفرض عليه احترامها... ثم تاهت أفكارها في ملاحظته الأخيرة... لكنها ما لبثت أن هزت كتفيها في لامبالاة و شرعت في توضيب ملابسها في الصوان بتأن. غيرت ملابسها و غادرت الغرفة... و لم تستطع مقاومة رغبة ملحة في النظر ثانية لصورة الفتاة التي تشبهها المعلقة في الممر...

نزلت درجات السلم في هدوء و هي تنظر إلى البهو من عل... فجأة توقفت حين طرق سمعها صوت نبيل و كان من الواضح أنه يخاطب أحد أبنائه :
ـ أرجوك... انس الموضوع تماما... لا داعي لتعقيد الأمور أكثر من اللازم... فراس... كن واقعيا... كل شيء انتهى منذ 3 سنوات... و الغرفة منذ تلك الآونة شاغرة... فلماذا لا تسكنها ليلى؟

جاء صوت فراس حادا، رغم محاولة صاحبه الجاهدة لتهذيبه :
ـ لكنك تعلم أنني لا أريد ذلك... لا أريد ذلك! و مع هذا سمحت به!!

ـ لقد أنهينا الموضوع سابقا... أليست 3 سنوات بكافية لتنسى تلك الحادثة؟

بدا أن فراس يكاد ينفجر غاضبا... أو باكيا... أو كليهما معا :
ـ أنسى؟؟!! و كيف يمكنني أن أنسى؟!! هل ما حدث شيء ينسى؟؟!! أنت تطلب المستحيل...

تنهد نبيل في ضيق و هو يقول :
ـ فلتعلم إذن بأنني تعمدت أن أفتح الغرفة من جديد لتقيم بها ليلى... لأجبرك على النسيان! آن الأوان لتعود إلى حياتك الطبيعية...

ران صمت ثقيل لبعض لحظات قبل أن يقول فراس :
ـ و لكنها ليست أي شخص... إنها أختها التوأم...

قاطعه نبيل بصوت هادئ حمله شحنة من الحنان الأبوي :
ـ من الأفضل أن تهدأ الآن... قد تصل ليلى في أية لحظة...

أحست ليلى بالحرج حين سمعت اسمها و أدركت أن عليها الظهور فورا، لتضع حدا لهذا الحوار المتشنج... أخذت نفسا عميقا ثم واصلت طريقها محاولة التصرف بصفة طبيعية... و دلفت إلى غرفة الطعام المحاذية للبهو...

توجهت إليها الأنظار حال وصولها. رمقها ياسين بنظرة جانبية، في حين أطلق أمين صفيرا طويلا معلنا عن إعجابه... أما فراس فقد رفع إليها عينيه في بطء، و ما أن توقف بصره على وجهها حتى تراجع في حدة... كأن شحنة كهربائية أصابته... ربت نبيل الذي كان يجلس قريبا منه على كتفه مشجعا، فوقف و توجه نحوها. وقف قبالتها و مد كفا مختلجة لمصافحتها... لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة و خبأ كفيه و راء ظهره و هو يهمس بصوت مبحوح جاد به حلقه في عناء شديد : مرحبا!

و بسرعة عاد إلى مجلسه و لبث مطرقا و قد ازداد وجهه شحوبا.
وقف نبيل و دعا ليلى إلى الجلوس قربه... قبالة فراس...

بدت نظرات ياسين إليها بلهاء... أو أن ليلى وجدتها كذلك... فقد ظل يحدق فيها طوال فترة العشاء بصورة فظيعة! فتحاشت قدر الإمكان النظر إليه، و كان من حسن حظها أنه يجلس في طرف المائدة، إلى جانب فراس... في حين لم يتوقف أمين الذي كان يجلس إلى جانبها، قبالة ياسين، عن الثرثرة... فملأ الفراغ بصوته الجهوري :

ـ أوه... ليلى! إنها مناسبة تستحق الاحتفال بالفعل، أليس كذلك؟ لكن ماذا... صحنك لم يلمس بعد! يبدو أن طعام العم هاشم لا يعجبك... كلي أرجوك... فقد لا تتمتعين معنا كثيرا بعشاء هادئ، قبل أن يقرر أخي العزيز ياسين إقامة زوبعة بمشاكله التافهة التي لا تنتهي... تناولي قطعة السجق هذه... تبدو محمرة بصفة جيدة... بالمناسبة، تبدين أنيقة دائمة دون ماكياج... و من ذا الذي يفضل لوحة زيتية تحتوي على كل الألوان و الأصباغ! الطبيعة دائما أفضل من الأقنعة المزيفة، و أنا شخصيا أفضل الفتيات الفخورات بجمالهن الطبيعي دون غش... ألست محقا؟... فراس... فيم كنا نتحدث قبل قدوم ليلى؟ آه... نعم... أبي يعتزم أخذنا في عطلة نهاية الأسبوع لقضاء اليوم بأكمله في المزرعة... المكان رائع هناك و شديد الرومانسية... أراهن على أنك من محبي الطبيعة!

كانت ليلى تحس بالغيظ الشديد من ملاحظاته الوقحة. ابتلعت قطعة أخرى من اللحم في صعوبة، و هي تلحظ الوجوم المخيم على الوجوه، عدا وجه أمين طبعا... الذي واصل قائلا :
ـ ستستمتعين كثيرا... العم صابر أيضا يحب المزرعة... فقد غرس في المرة الماضية حوضا من الورود البرية الحمراء... حنان أيضا كانت تحب الورود الحمراء...

أحست بأن الزمن توقف في تلك اللحظة، فقد توجهت الأنظار كلها إلى أمين الذي بدا عليه الارتباك، بما فيها عيني ليلى... توقفت حركة الأكل و لم يعد صوت الملاعق و الأشواك التي ترتطم بالصحون يسمع لمدة بضع ثوان... و أخيرا نطق أمين :
ـ ألم يحدثك أحد عن حنان؟

كان فراس إلى تلك اللحظة يحاول الحفاظ على هدوئه و نظراته المهذبة، مسيطرا قدر الإمكان على انفعالاته... و لكن ما إن نطق أمين بتلك الجملة حتى سقطت الشوكة من يده محدثة رنينا على الأرضية المجلزة... ثم انتصب واقفا و هو يمسح يديه في عصبية و غادر القاعة بخطى متوترة... نظر أمين حوله كالمتهم الذي يحاول دفع الشكوك عنه، ثم التفت إلى ليلى و استطرد مغيرا الموضوع :

ـ هل تريدين شيئا من البيض؟ سيستاء العم هاشم إن لم تنهي طبقك... لم توقفت عن الأكل؟ خذي كأس العصير هذا... سينعشك...
الجــــــــــزء الثاني



إنها ليلتها الأولى في القصر الكبير... مقر إقامة آل القاسمي... هكذا كانت تفكر بينها و بين نفسها و هي تقف في الشرفة المظلمة المطلة على الحديقة المترامية الأطراف... ترى هل ستمر على خير؟

كانت قد أوصدت باب الغرفة و أطفأت الأنوار حتى لا يزعجها أحد... و خاصة أمين الفضولي! أوهمت الجميع بأنها نامت... و ظلت في الشرفة مستندة إلى الحائط في ركن حالك الظلمة... كان الهواء عليلا يلفح وجهها بنسماته الصيفية المنعشة...

عادت بأفكارها إلى الأيام القليلة الماضية، حين فاتحها والدها في موضوع سفره العاجل من أجل مشروعه الجديد و إقامته التي قد تطول في أمريكا... عارضت و تمسكت و أصرت... لكن إصرارها لم يمنع والدها من تنفيذ الخطة التي قد قررها... و أعلن أنها ستسافر للإقامة عند خالها في الفترة المقبلة...

حينها تساءلت في حيرة... خالها؟ أي خال هذا؟ كانت قد نشأت و شبت في هذه الدنيا و هي لا تعرف من أقاربها غير والدها و جدتها التي فارقت الحياة منذ بضع سنوات... و منذ ذاك الوقت و حياتها مرتبطة بوالدها ارتباطا وثيقا، فهو كل عائلتها... و مجرد التفكير في إمكانية العيش بعيدا عنه كانت تشعرها بالألم و الصداع!

أما و هو يقول بأن لها خالا في مكان ما من هذا العالم، فهو ما لم تكن تتوقعه في يوم من الأيام... و كان لا بد حينها أن يحدثها عن والدتها و عائلة والدتها...

لم تستطع النوم في تلك الليلة... تماما كما لم تستطع أن تستسلم للنعاس في هاته الليلة... كانت تعلم أن والدتها توفيت منذ سنين... و اختفت من حياتها و سنها لم يتجاوز السنوات الخمس... و هاهي تكتشف حقيقة ستغير تاريخ حياتها إلى الأبد... حقيقة أن والدتها لم تفترق عنها بسبب الموت، بل بسبب انفصالها عن والدها! ثم توفيت بعيدا عنها بعد سنوات من الانفصال، دون أن يسمح لهما القدر بالالتقاء ثانية، و دون أن تستشعر بقربها حنان الأمومة... و دون تفاصيل أكثر عن ظروف حياتها و أسباب اختفائها ثم وفاتها...

و كانت المفاجأة الأكبر هي شقيقتها... لم تكن تعلم أو تتصور أن تكون لها شقيقة... فضلا على أن يكون لها توأم!! نعم... حنان... أختها التوأم التي افترقت عنها في سن الخامسة... فبعد انفصال الوالدين، اتفقا على أن يحتفظ كل منهما بإحدى البنتين! صفقة عادلة... أن لا يطالب أحد منهما الآخر بالحضانة و لا يطول الخلاف بينهما في المحاكم... فتتشوه سمعة سعادة السفير، و سليلة العائلة العريقة...

عاشت ليلى مع والدها... و حنان مع والدتها... و لم تعلم إحداهما عن الأخرى شيئا...
أقامت والدتها مع أخيها الأكبر، السيد نبيل... و نشأت حنان بين أبناء خالها... ياسين و فراس و أمين... و بعد وفاة والدتها بفترة وجيزة، تزوجت حنان من فراس في سن لم تتجاوز الثامنة عشرة... لكن الموت كان ينتظرها هي الأخرى بعد أقل من سنة من الزواج... حيث توفيت في حادثة، لم يخبرها والدها عن تفاصيلها الشيء الكثير...

و هكذا رحل أفراد عائلتها الصغيرة عن الحياة الواحد تلو الآخر قبل أن تعرفهم، قبل أن تستمتع بكلمة أمي أو كلمة أختي... و جثم على صدرها كابوس الموت... فسألت الله في حرقة أن يعيد إليها والدها من سفره سالما، فهو كان ولا يزال كل عائلتها...

كانت قد سافرت كثيرا في حياتها مع والدها و زارت العديد من البلدان الأوروبية و العربية، فوالدها كان كثير الترحال بحكم عمله كسفير... لكنه استقر مؤخرا في فرنسا، حيث تخلى عن مهامه الدبلوماسية و دخل عالم الأعمال من بابه الواسع فأقام شركة خدمات تدر عليه أرباحا هائلة، حيث استفاد من علاقاته و معارفه السابقة، و بدأت ليلى دراستها الجامعية هناك... أتمت السنوات الأربع في كلية الحقوق... و بينما هي تستعد للتسجيل في الدراسات المعمقة، فاجأها والدها بقرار السفر! و هاهي دون تأخير، تجد نفسها مع عائلة خالها التي كانت تجهل عنها كل شيء تقريبا...

كانت تعلم أن توأمها، حنان، كانت زوجة فراس منذ سنوات ثلاث... و هاهي تكتشف أنها كانت تقيم في هاته الغرفة نفسها قبل زواجها، و التي ظلت مقفلة طوال السنين الماضية استجابة لرغبة فراس، فقد كان يجد صعوبة في نسيان ذكرياته مع زوجته الراحلة التي تركته سريعا...

راودها إحساس بالعطف تجاه فراس، و تساءلت في نفس الوقت... كيف كانت حنان يا ترى؟ يبدو أنها تشبهها في شكلها، فذلك واضح من الصورة المعلقة في الممر، و من ردة فعل فراس العصبية حين وقعت عيناه على وجهها ساعة العشاء... لكن كيف كانت طباعها؟ كيف هي شخصيتها؟ كانت في حاجة إلى معرفة المزيد عن ذاك الشخص القريب البعيد... توأمها التي لم تلتق بها أبدا مذ رحلت مع والدتها... و تأسفت لأنها لم تحمل عنها أية ذكريات... لا تذكر أنها شاركتها اللعب، أو أنها كانت معها في أي مكان من هذا العالم... و ربما كان سفرها المتواصل سببا في عدم وضوح ذكرياتها... إذ أنها لم ترتبط معنويا بأي مكان، عدا منزل جدتها الصغير...

تنهدت في أسى و هي تصل إلى هاته النقطة من التفكير و سرحت في الحديقة شبه المظلمة و خيالات الأشجار المتمايلة... فجأة لفت انتباهها شيء يتحرك في طرف الحديقة. كانت ممرات الحديقة مضاءة، لكن الجوانب المعشوشبة كانت تفتقر إلى الإنارة في تلك الآونة من الليل، حيث من غير المتوقع أن يخرج أحد ما للنزهة... دققت النظر و بدا لها أن شبحا ما يتقدم في خفة و سرعة... شبح إنسان... محدثا حفيفا مكتوما أثناء مشيه على العشب الندي. تابعته في تحفز و قلق... و في لمح البصر كان قد وصل إلى أسفل البناية!

لم يكن بإمكان ليلى أن تتابع حركاته من زاويتها تلك، لكنها كانت واثقة من أنه أخذ يتسلق الجدار!

تسارعت دقات قلبها و تملكها الهلع... تسمرت في مكانها و قطعت أنفاسها محاذرة الإتيان بأية حركة تنبئ عن وجودها هناك في تلك اللحظة... مرت لحظات عصيبة على ليلى، قبل أن تسمع حركة آتية من الشرفة المحاذية... كان من الواضح أن الشبح نجح في القفز داخل الشرفة، و تمكن من فتح الباب المؤدي إليها، و غاب في الداخل في هدوء تام، بعد أن أعاد غلق الباب!!!

لبثت ليلى في موقعها مدة ليست بالقصيرة، و هي لا تعي ما الذي يجب عليها فعله، كأنها جزء من الجدار... لم تكن قادرة على الحركة، فقد تجمدت أوصالها من الرعب... و تجمعت الدموع في مقلتيها... و لكن... أين المفر؟

استولى عليها القلق حين مرت فترة من الزمن دون أن يعاود الشبح الظهور، مع غياب أي مظهر من مظاهر الحياة... كاد الدم أن يتجمد في عروقها من الهلع. إنها ليلتها الأولى هنا... فهل ستمر على خير؟

فجأة دوت صرخة اخترقت سكون الليل و اقتلعتها من مكانها اقتلاعا... هرولت إلى الداخل و ارتدت سترتها على عجل... لم تكن قد نزعت حجابها... ترددت للحظات، و لكنها سمعت حركة في الرواق فهبت لتفتح باب غرفتها، و في ثوان معدودة كانت تقف في الممر... كان باب الغرفة المجاورة مفتوحا و الأنوار مضاءة... لمحت ظلا طويلا في الداخل، أطلت في حذر... إنه أمين! و على الفراش كان فراس ممددا بلا حراك... نائم، أو فاقد للوعي... نظرت ليلى في ذهول و ظلت فاغرة فاها لوهلة... بادرها أمين مهدئا :
ـ لا تقلقي... كان مجرد كابوس...

همست ليلى في غير تصديق :
ـ كابوس؟!

تمتم أمين و قد ظهر على ملامحه التفكير :
ـ ظننت أنه تخلص من تلك الكوابيس التي لازمته بعد وفاة حنان...

همست ليلى من جديد :
ـ هل هو بخير؟

هز أمين رأسه و هو يتبعها إلى خارج الغرفة :
ـ لا داعي للقلق، قلت لك، هو مجرد كابوس... لكنه كان يصرخ فاضطررت إلى إيقاظه... باستعمال بعض العنف... إنه هادئ الآن... سيكون أفضل في الصباح...

في تلك اللحظة تذكرت ليلى الشبح! التفتت إلى أمين الذي أغلق الباب خلفه :
ـ لكنني رأيت شبحا يتسلل إلى الشرفة... و يدخل هاته الغرفة!

نظر إليها أمين و الشك يملأ نظراته :
ـ شبح؟! لا شك أنك كنت تحلمين!

هتفت ليلى في إصرار :
ـ لم أنم بعد حتى أحلم! كنت واقفة في الشرفة و رأيت شبحا يعبر الحديقة و يتسلق الجدار و...

قاطعها أمين و هو يقول مبتسما :
ـ مجرد تهيؤات يا عزيزتي... أنت متعبة... و يلزمك قسط من الراحة بعد سفرك الطويل إلى هنا... هيا عودي إلى غرفتك... لقد تأخر الوقت...

قاومت في البداية... لكنها انقادت أخيرا و عادت إلى غرفتها و قد سيطر عليها الذهول...

ما الذي يحصل هنا؟
أي كابوس هذا الذي جعل فراس يصرخ مثل تلك الصرخة؟
و الشبح الذي رأته يتسلل إلى الشرفة... هل يكون مجرد أوهام؟
تملكها الفضول و الحيرة في آن... لم تستطع الخلود إلى النوم... النوم؟! من ذا الذي يستطيع النوم في ظروف كهذه؟

عادت إلى الشرفة و قد قررت أن لا تبرحها... إنها متأكدة من رؤيتها للمتسلل منذ أقل من ساعة...
حين ظهرت خيوط الفجر الأولى، انسحبت إلى الداخل و استلقت على فراشها في إرهاق... لكنها ما لبثت أن قامت في تكاسل لتأدية الصلاة... ثم ارتمت من جديد على الفراش، و نامت حتى الصباح...


حين استيقظت، كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة... كانت لا تزال تحس بالتعب و بحاجة ملحة إلى النوم. تقلبت في مكانها و لفت الملاءة على جسمها من جديد... تذكرت أحداث الليلة الماضية ففر النوم من عينيها مباشرة... قفزت من مكانها و سارعت بتغيير ملابسها... كان يجب أن تتحدث إلى فراس!

وقفت أمام الباب مترددة... هل تراه استيقظ؟ تشجعت أخيرا و رفعت يدها لتطرق الباب في لطف... جاءها الإذن بالدخول... لكنها أدارت المقبض و دفعت دفة الباب دون أن تخطو إلى الداخل... أطلت من الفتحة في حياء... كان فراس يجلس على طرف الفراش و هو لا يزال في ملابس النوم... نظر إليها في دهشة... فمجيئها إلى غرفته لم يكن متوقعا بالمرة! لكنه رسم على شفتيه ابتسامة مغتصبة، بدا فيها التعب و الضيق و وقف لاستقبالها. لم يكونا قد تبادلا غير كلمة واحدة مذ جاءت إلى هنا، و بدا على وجهه الإعياء و هو ينظر إلى وجهها... ذاك الوجه الذي يثير لديه ذكريات بعيدة...

تعثرت كلماتها و هي تتمتم في خفوت :
ـ كنت أود... الاطمئنان على حالتك... الصحية... بعد... حادثة البارحة...

رفع حاجبيه في دهشة :
ـ حالتي الصحية؟ حادثة البارحة؟

لبث متفكرا للحظة ثم هتف و هو يبتسم :
ـ آه... شكرا لمجيئك... و آسف على الازعاج... يبدو أنني تسببت في إيقاظك...

كان يبتسم، ابتسامة هادئة، مختلفة عن ابتسامته الأولى المتكلفة، و إن لم تخل من مرارة... يحاول أن ينسى أو يتناسى أنها شقيقتها... توأمها. ابتسمت بدورها، و همت بأن تسأله عن الشبح... لكن تناهى إلى مسامعهما لغط و وقع أقدام قادمين من طرف الممر... و ما لبث أمين أن ظهر رفقة فتاة شابة، في مثل عمر ليلى تقريبا أو تكبرها ببضع سنوات... ذات جمال و أناقة ملحوظين إضافة إلى زينة متبرجة و شعر طويل مصبوغ منسدل على كتفيها...

فجأة توقفت الفتاة عن السير و تسمرت مكانها و هي تطالع ليلى في ذهول. سحبها أمين من ذراعها على الفور و هو يقول متضاحكا :
ـ إنها ليلى التي كنت أحدثك عنها منذ لحظات... شقيقة حنان...

لكن الفتاة همست في صوت غير مسموع :
ـ لكنك لم تقل أنها نسخة منها!

ضحك أمين من جديد و هو يضيف :
ـ نعم... شقيقتها التوأم...

ثم التفت إلى ليلى و قال و هو يقدم الفتاة التي تصاحبه :
ـ ليلى... هذه رجاء... ابنة خالتي...

مدت ليلى كفها لتصافح رجاء التي تلقت كفها في برود ظاهر ثم تجاوزتها مندفعة نحو فراس الذي كان لا يزال واقفا عند الباب... سارعت إليه و أمسكت بكفه بين يديها و هي تقول في نعومة :
ـ فراس... عزيزي... كيف حالك؟ هل أنت على ما يرام؟... أخبرني أمين أن الكابوس عاودك الليلة الماضية...

سحب فراس يده في هدوء و أخفاها خلف ظهره و هو يقول :
ـ أنا بخير... أنا بخير...

و استدار ليغيب داخل غرفته. لكن رجاء طاردته في إصرار، و همست و هي تقفز أمامه و تتحسس وجهه بأطراف أصابعها :
ـ فراس عزيزي... أعلم أنك متضايق... و كل هذا بسبب شبيهة حنان... أعلم أن وجودها يسبب لك المتاعب...

أبعد يديها عن وجهه في صرامة أكبر و هو يقول في حزم :
ـ رجاء قلت لك أنني بخير... لا داعي إلى مثل هاته التعليقات...

لم يكن الموقف يسمح بوقوف ليلى أكثر مما فعلت فاندفعت في اتجاه الدرج... لحقها أمين في سرعة و هي لا تزال في الممر.
ـ ليلى...

وقفت دون أن تلتفت و هي تقاوم العبرات التي تجمعت في مقلتيها دون سابق إنذار. واجهها أمين و هو يبتسم في ود و قال :
ـ اعذريها... إنها لا تعي ما تقول... فحنان كانت غالية علينا جميعا. و فقدانها كان صدمة كبيرة، و خاصة بالنسبة لفراس... فليس من الهين على المرء أن يفقد زوجته و هي في عمر الزهور...

ابتسمت ليلى في عناء ثم هزت رأسها في تفهم :
ـ نعم... أكيد...
تااااااااااااااااااابع emoji9

avatar
شموس
Admin

الجنس : انثى
الابراج : العقرب
عدد المساهمات عدد المساهمات : 17804
العمر العمر : 34
الموقع الموقع : egypt
المزاج المزاج : تمام :D
نبذة مختصرة نبذة مختصرة : الضمير صوت هادئ..يخبرك بأن هناك من يراك دائما

https://www.shmos.net https://www.facebook.com/ShmosNet https://twitter.com/ShmosNet

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية ياقاتلى اين المفر

مُساهمة من طرف شموس في الجمعة أبريل 28, 2017 6:26 pm

الجزء الثــــــــــــالث





أمضت بقية الفترة الصباحية في عملية التعرف على أرجاء القصر... فعرفت أن غرفة فراس هي الغرفة الملاصقة لغرفتها في حين كانت قبالتها غرفة أمين. أما ياسين و السيد نبيل فيقيمان في الطابق العلوي. في الأثناء كانت رجاء تلازم فراس. و لم تجازف ليلى بالاقتراب منهما حين لمحتهما يجلسان في الصالة العلوية. أمضت الكثير من الوقت في الحديقة، خاصة بعد أن انصرف كل من ياسين و خالها إلى أعمالهما... و بعد الغداء، جاء سائق رجاء لأخذها، فتنفست ليلى الصعداء!

لكنها في نفس الوقت كانت تشعر بالملل... فليس هنالك فتاة أو امرأة تحادثها... ليس هنالك غير أمين، الذي لم يتوقف عن عرض خدماته! أما فراس، فما إن تخلص من صحبة رجاء حتى عاد إلى غرفته و لم يظهر طيلة فترة ما بعد الظهر. ياسين و السيد نبيل يغيبان طوال اليوم في الشركة... و فراس الذي يستعد للانتقال إلى عيادته الخاصة لم يذهب اليوم إلى المستشفى لإحساسه بالتعب بعد ليلة البارحة المضطربة...

صعدت أخيرا إلى غرفتها و إحساسها بالملل يقتلها... تناولت مصحفها و جلست تقرأ بصوت خافت... شعرت براحة كبيرة... دعت بخشوع من أجل سرعة عودة والدها و نجاحه في صفقته. لم يتصل بها اليوم... كان قلقها يتزايد لأنه ليس من عادته أن يغيب عن ناظريها كل هذه المدة...

أزاحت الستار و هي تتنهد في قوة. فتحت باب الشرفة و استقبلت النسيم و هي تغمض عينيها في انشراح. تقدم بضع خطوات و استندت بمرفقيها على جدار الشرفة و سرحت بعيدا... كم تحتاج إلى الاتصال بالعالم الخارجي. لا أحد يفهمها مثل صديقتها المقربة سحر التي تركتها في فرنسا. لم تحصل على اشتراك هاتفي بعد، كما أنها تفتقد كثيرا الشبكة العنكبوتية منذ وصولها... يجب أن تطلب من خالها إمدادها بكل هاته الاشتراكات... خاصة إن كانت فترة إقامتها ستطول!

كان فراس يجلس في شرفته ذاك العصر و قد احتضن مجلدا ضخما، من كتبه الطبية بالتأكيد! كان يريد أن يتجاهل ذاك الكم الهائل من الذكريات التي هاجمت عقله فجأة... حاول أن يشغل نفسه بالقراءة، لكنه كان يفقد تركيزه بسرعة و تأخذه أفكاره بعيدا... إلى حنان! اجتاحه إحساس بالضيق و الألم... ثلاث سنوات مرت و هو غير قادر على تجاوز الذكرى، غير قادر على استعادة التوازن في حياته... تلك الحادثة غيرت الكثير في نفسه، غيرته بلا رجعة... الكل لاحظ عصبيته الزائدة، بروده و انطواءه...

فجأة، انتبه حين طرق مسامعه تنهيدة عميقة، و ما لبث أن رأى خيالها يظهر في الشرفة المجاورة... تقدمت أمام عينيه و هي تستقبل النسيم البارد دون أن تنتبه إلى وجوده... تعلقت عيناه بجانب وجهها الذي يظهر من زاويته، و تداخلت المشاعر في نفسه... حنان؟ لا... إنها ليلى! تمالك نفسه بصعوبة و سيطر على دمعة أوشكت أن تتسلل إلى طرف عينه... لشد ما تعذبت روحه في كل مرة يقع نظره على صورة لها، لكن أن يراها أمامه بهذا الشكل "الحقيقي" فهو ما لا يقدر على تحمله... لماذا يا حنان؟ لماذا؟ أغمض عينيه في قوة ليطرد طيفها، وضع رأسه بين يديه و تنهد في ألم...

في تلك اللحظة انتبهت ليلى إلى أنفاسه التي تتردد بقوة غير بعيد عنها، التفتت في سرعة و لمحته على تلك الحالة، يضغط على رأسه بكلتا يديه في ألم واضح و قد تغيرت ملامحه :
ـ فراس... هل أنت بخير؟

رفع رأسه في اضطراب... كان قد نسي وجودها للحظات... بدا عليه أنه لم يستوعب الموقف بعد... جاءه صوت ليلى ثانية :
ـ هل أنت بخير؟

إنه متأكد من أن الصوت لم يكن صوتها... النبرة مختلفة! ارتبك، وقف فجأة فسقط الكتاب الذي كان في حضنه... نظر إليها نظرة أخيرة، و همس في ذهول :
ـ أنا آسف...

ثم سارع بالدخول إلى غرفته، تاركا ليلى في حيرة و قلق...



*******

انتبهت ليلى على نقر خفيف على باب غرفتها. كانت قد عادت إلى الداخل بعد اختفاء فراس من الشرفة، و لبثت تقطع الغرفة جيئة و ذهابا في قلق واضح... كان جليا بالنسبة إليها أنه لم يكن على ما يرام... لم يكن الطرق شبيها بطرقات أمين الموقعة. عقدت حاجبيها في تساؤل : من يكون القادم في مثل هاته الساعة؟

اقتربت في خفة من الباب و هتفت بصوت رقيق :
ـ من هناك؟

أجابها صوت أنثوي غريب.
ـ ليلى... هلا فتحت؟

تهللت ليلى فرحا طالما كان الصوت أنثويا و هرعت لتفتح الباب، و قد أدركت من الطارق مسبقا. طالعتها امرأة شابة تقترب من الثلاثين، ترتدي ثوبا محتشما أنيقا و قد ألقت على رأسها غطاء دون اهتمام، يكشف عن مقدمة شعرها. استقبلتها بابتسامة واسعة و احتضنتها في حرارة و هي تقول :
ـ أهلا بك... كيف حالك؟ أنا منال... زوجة ياسين... و هذه رانيا ابنتي...

اتسعت ابتسامة ليلى حين انتبهت إلى الكائن الصغير الذي يمسك بطرف ثوب منال و يتطلع إليها بعينين بريئتين و ابتسامة مترددة. انحنت بسرعة لتقبل الفتاة الصغيرة التي يبلغ عمرها 4 سنوات و حسب و ربتت على رأسها في حنان.

تخلصت رانيا من حضن ليلى في سرعة و اختفت خلف والدتها في خجل... لكنها ما لبثت أن أطلت في فضول، فلم تتمالك ليلى نفسها أن أطلقت ضحكة صغيرة على شكل الفتاة المضحك.
ـ سلمي على الخالة ليلى... هيا رانيا...

عادت الفتاة لتختفي من جديد في ارتباك و غمغمت و هي تدفن وجهها في ثوب والدتها :
ـ مرحبا خالة ليلى...

ضحكت ليلى و منال من جديد ثم قالت منال :
ـ كنت في زيارة لمنزل والدي و لم أعلم بوصولك إلا الآن، من العم صابر... أرجو أن لا يكون الملل قد أصابك في هذا القصر الكبير، حيث الكل منشغل عن غيره!

ابتسمت ليلى و قد وجدت من يشاركها همومها!
ـ نعم، فأنا لم أسجل في الجامعة بعد لإتمام المرحلة الثالثة من دراستي... و حين ينشغل كل بأعماله أجد نفسي وحيدة بلا عمل!

ـ لا تقلقي... فأنا متفرغة لك كليا... انقطعت عن العمل منذ أنجبت رانيا...

سألتها ليلى و هما تتوجهان نحو الصالة العلوية في نفس الطابق :
ـ و ماذا كنت تعملين قبل ذلك؟

ـ كنت موظفة في شركة عمي نبيل... في قسم العلاقات العامة...

ضحكت و هي تواصل قائلة :
ـ ثم التقيت بياسين... و حصل ما حصل!

شاركتها ليلى الضحك و قد أحست بالراحة إلى هاته المرأة التي تبدو عليها الطيبة و التلقائية، و فوق كل هذا فهي أنثى مثلها و تفهمها أكثر من أي شخص آخر في هذا المكان!

استمرت الأحاديث بينهما ساعة من الزمن حول مواضيع شتى، و رغم الفارق العمري فقد وجدتا الكثير من النقاط المشتركة بينهما، و أهمها شغفهما بالمطالعة و حب الطبيعة و المناطق المفتوحة... فقد كانت ليلى قد تعودت على الوحدة، فلم يكن يخفف عنها إلا قراءة الكتب و الجلوس في المناطق الخضراء و التأمل إضافة إلى الإبحار على الإنترنت بطبيعة الحال. أما منال، فإن أصلها الريفي و طموحها إلى تغيير وضعها اشتركا في تشكيل محاور اهتمامها... و لم تنس ليلى أن تصارح منال بحاجتها إلى وسائل الاتصال بالعالم الخارجي فوعدتها منال بأن تفاتح السيد نبيل في أقرب فرصة...

نظرت منال في ساعتها و قالت :
ـ حان وقت العشاء... أراهن على أني عمي ينتظرنا على المائدة!

وقفتا و توجهتا إلى الدرج... و في تلك اللحظة فتح باب غرفة فراس... ظهر فراس و قد بدا أكثر هدوء و تماسكا... ركضت نحوه رانيا في حماس و هي تهتف بصوت مرح :
ـ عمي فرااااس...

استقبلها فراس بذراعيه و رفعها عاليا و هي تطلق ضحكاتها الرنانة في سعادة حقيقية... اقتربت منهما منال مبتسمة :
ـ كيف حالك فراس؟

كان لا يزال يحتضن الصغيرة في حب و قال متظاهرا بالغضب :
ـ لا تسأليني عن حالي و قد حرمتني من حلوتي ثلاثة أيام كاملة!

ضحكت منال، و اكتفت ليلى التي وقفت على بعد أمتار منهم بابتسامة. انتبه فراس إلى وجودها حين تقدم بضع خطوات لينزل إلى قاعة الطعام... ابتسم و هو يمر قريبا منها و قال محدثا رانيا :
ـ حبيبتي... كيف كانت رحلتك؟ ألم تشتاقي إلي؟

عانقته الفتاة بذراعيها الصغيرتين و طبعت قبلة على خده و هي تهتف :
ـ اشتقت إليك كثيرا جدا جدا...

ثم همست في أذنه :
ـ أين الحلوى التي وعدتني بها؟

ضحك فراس على دهاء الفتاة الصغيرة و قال و هو ينزل الدرجات في هدوء واحدة واحدة :
ـ الآن وقت العشاء... الحلوى نتناولها فيما بعد... اتفقنا؟

هزت الفتاة رأسها موافقة...
كانت ليلى و منال تمشيان خلفهما. و كانت المرة الأولى التي ترى فيها ليلى فراس يضحك... كان يبدو مختلفا حين يضحك. تلين ملامحه التي تصلبت من شدة التجهم و تلتمع عيناه ببريق الحياة، البريق الذي تحل مكانه ظلال قاتمة حين يتملكه الغضب و العصبية... و هو الطبع الذي سيطر عليه في السنوات القليلة الماضية. و لم يعد هنالك أحد قادر على إضحاكه إلا رانيا الصغيرة، التي ينسى العالم بأسره حين يدخل دنيا براءتها...
الجــــــــــــزء الرابع



ارتفعت دقات عميقة تضرب دماغها في وقع رتيب، لم تستطع مقاومة إحساس بالخدر يلف جميع أوصالها و يشدها إلى عالم الأحلام في إصرار... فتحت ليلى عينيها بصعوبة و هي تقاوم الطنين الذي لف عقلها بغلاف ضبابي... حط نظرها على سقف الغرفة السماوي المزركش... عقدت حاجبيها في انزعاج و هي تحاول تذكر المكان... ارتفعت الدقات من جديد على نفس الوتيرة، لكن بوضوح أكبر هذه المرة، على باب غرفتها... نعم، إنها في قصر خالها... نبيل القاسمي...

عادت إليها ذكريات مساء البارحة. كانت قد أمضت سهرة ممتعة رفقة منال في الحديقة الخلفية، أما الجو العام في العشاء فقد كان أكثر هدوء... لكن لم يخف عنها انزواء فراس المستمر و صمته الطويل على المائدة. يشغل نفسه بإطعام رانيا وملاعبتها، كأنه لا يرى في الدنيا أحدا سواها...

انتزعتها نفس الدقات التي أخذت تعلو في إصرار، من أفكارها، فقامت على الفور و هي تهتف :
ـ لحظة واحدة... أنا قادمة...

ارتفع صوت أمين خارج الغرفة و هو ينقر بتوقيع خاص على الباب :
ـ ليلى... ألم تستيقظي بعد؟ سنتأخر...

نظرت إلى ساعتها في ارتباك، إنها الساعة التاسعة و النصف... أوه، نعم... لقد اقترح خالها أن يذهبوا في رحلة عائلية إلى مزرعة العائلة اليوم. لا يمكن أن تكون قد نسيت ذلك، لكن يبدو أن هواء الليل البارد قد أصابها بصداع فثقلت رأسها...

غيرت ملابسها بسرعة، لملمت شعرها بصفة عشوائية و عدلت وشاح رأسها قبل أن تفتح لأمين الذي كان لا يزال مرابطا أمام الباب... كان يقف أمامها في سروال جينز و قميص، مع حذاء رياضي. كان يبدو في غاية الأناقة و قد فاحت منه رائحة عطر رجالي جذاب. ابتسم و هو يبادرها :
ـ صباح الخير... ألم تستكملي استعداداتك بعد؟

تمتمت ليلى في خجل :
ـ الحقيقة أنني اسيقظت للتو...

نظر إلى ساعته كالمتذمر :
ـ هيا أرجوك... سنتأخر... أنت تعلمين أن جمال الطبيعة لا يضاهى في الصباح... سيفوتنا المشهد... هيا، أرجوك أسرعي...

ابتسمت في شبه اعتذار و همست :
ـ سأكون جاهزة خلال خمس دقائق... إن شاء الله

عادت إلى الداخل، فتحت صوان الملابس و انتقت فستانا صيفيا مناسبا ذي لون زهري باهت. نزلت مسرعة فلاقت أمين عند أسفل الدرج. رمقها بإعجاب لم يحاول إخفاءه و همس حين مرت بقربه :
ـ اختيار موفق...

تجاهلته و هي تتأفف في سرها من أسلوبه المتمادي في الوقاحة و انضمت إلى منال و رانيا في قاعة الاستقبال. سأجد الوقت لأعيد تربيتك من جديد يا أمين. انتظر فقط أن أعتاد على أجواء القصر و طباع أهله، ثم سأريك من تكون ليلى. قبلت رانيا على وجنتيها ثم أجلستها على ركبتيها و هي تلهو بخصلات شعرها الكستنائية. لم تنتبه إلى فراس الذي كان يقف في الطرف الآخر من البهو و في عينيه نظرة متجهمة.

اقترب منها نبيل القاسمي، فوضعت رانيا على الأريكة القريبة و وقفت لاستقبال خالها. ربت على كتفيها في ود و قال مبتسما :
ـ هل حظيت ابنة أختي العزيزة بليلة هانئة و نوم مريح؟

ردت الابتسامة في امتنان و هي تقول :
ـ شكرا لك يا خالي...

سبقها بخطوات قبل أن يلتفت إليها ثانية كأنه تذكر شيئا هاما :
ـ اشتراك الهاتف الجوال سيكون عندك هذا المساء، و سيتم توصيل خط شبكة الانترنت إلى غرفتك أيضا... كل شيء سيكون جاهزا حين نعود من المزرعة...

ثم واصل سيره نحو الباب المؤدي إلى الحديقة. همهمت ليلى بكلمات شكر، ثم التفتت إلى منال في امتنان.
بينما كانت في طريقها إلى المدخل، اقترب منها أمين من جديد و هو يقول :
ـ هل تسمحين لي بمرافقتك إلى السيارة؟

نظرت إلى منال كأنها تستنجد بها فتدخلت منال بسرعة :
ـ ليلى ستكون معي و رانيا...

فأردف أمين على الفور :
ـ إذن اسمحا لي بأن أكون السائق...

هزت منال كتفيها في تسليم و هي تبتسم إلى ليلى التي تبعتهما في إذعان.
سبقهما أمين إلى سيارته الرياضية الزرقاء و فتح الباب لاستقبال الفتيات، لكنه فوجئ بياسين يحشر نفسه في المقعد الخلفي و ابتسامة عريضة تملأ وجهه، فصرخ فيه أمين في احتجاج :
ـ ما الذي تفعله هنا؟ أليست لديك سيارة؟

اتسعت ابتسامة ياسين و هو يقول في استعطاف :
ـ سيارتي تعطلت البارحة في طريق العودة من الشركة فتركتها عند الميكانيكي...

ـ إذن سيارة زوجتك!

ـ أرجوك أمين، أنا متعب... لم أنم جيدا ليلة البارحة... ليس لدي التركيز الكافي للقيادة، لذلك سأستلقي في الخلف و آخذ قسطا من النوم... أرجوك، كن متفهما...

ضحكت منال التي حفظت حيل زوجها عن ظهر قلب و قالت لأمين :
ـ لا بأس، سآخذ سيارتي و ستذهب ليلى معي

بدت علامات الإحباط على أمين، في حين ابتعدت الفتيات في اتجاه المرآب حيث تقف بقية السيارات. ما إن رأت رانيا فراس حتى ركضت إليه. أخذها بين ذراعيه ثم أجلسها على مقدمة سيارته و أخرج من محفظته علبة الشكولاطة التي يحتفظ بها من أجلها. وصلت منال فساعدت ابنتها على النزول :
ـ هيا يا رانيا... سنتأخر... قولي شكرا لعمو فراس و هيا لنركب سيارتنا...

أفلتت الفتاة من بين يديها و التصقت بساق فراس و هي تهتف بشفتين ملطختين بالشكولاطة التي لم تنته من التهامها بعد :
ـ سأركب مع عمي فراس...

عقدت منال ذراعيها أمام صدرها و هي تقول في صرامة :
ـ كفاك دلالا... عمك فراس لن يتحملك طوال الطريق...

ربت فراس على رأس الصغيرة و هو يقول مهدئا منال :
ـ بالعكس، يسعدني أن ترافقني حبيبتي رانيا... وما رأيك لو تنضمين إلينا أنت و... ليلى

قال ذلك و هو يلقي نظرة عابرة على ليلى التي شعرت بتوتر غريب حين نطق باسمها. تطلعت منال بدورها إلى ليلى و قد راقت لها الفكرة. و ماهي إلا لحظات حتى كانت سيارات ثلاث تغادر القصر في اتجاه الطريق الزراعية : السيد نبيل مع خادمه العم صابر الذي يرافقه كظله في المرسيدس السوداء، أمين المغتاظ مع ياسين الذي تمدد على المقاعد الخلفية و غط في نوم عميق في الغولف 4 الزرقاء، و أخيرا فراس و رانيا في السيارة الباسات البيضاء ترافقهما منال و ليلى في المقاعد الخلفية...

سرحت ليلى بنظراتها إلى شوارع المدينة عبر زجاج النافذة... هذه هي المدينة التي ولدت فيها، ثم سافرت عنها لتجوب الدنيا... و هاهي تعود إليها بعد أن فقدت كل رابط معنوي يربطها بها، أمها و أختها... شخصان لا تذكر عنهما شيئا... حرمت من معنى العائلة بسبب خلاف بين والديها... هل تراه خلافا يستحق كل هاته التضحيات؟ هل استحق إبعاد الأختين عن بعضهما البعض، و حرمان واحدة من حنان الأم و الأخرى من عطف الأب؟

كان المشهد في الخارج قد تغير بعد أن غادرت السيارات شوارع المدينة المكتظة و أخذت تطوي الطريق الزراعية طيا في اتجاه المزرعة التي تمتلكها عائلة القاسمي في الضاحية الغربية للمدينة. انشغلت ليلى بالمشهد الطبيعي الذي كان مختلفا عن الريف الأوروبي الذي عرفته معظم الوقت... و لم تستطع أن تتجاهل الاصفرار الذي يصبغ الطبيعة من حولها! فمقارنة بالريف الفرنسي، الذي يتميز بمقدار هام من التساقطات، كان اللون الأخضر هنا باهتا و خاليا من الروح للجفاف الغالب على المناخ... أصابتها هاته الملاحظة باكتئاب مفاجئ، فقد كانت تمني نفسها بنزهة مريحة بين أحضان الطبيعة، و لأنها تعشق الألوان النقية فإن مشهدا طبيعيا بدونها لا يساوي شيئا في نظرها...

تناهى إلى مسامعها صوت رانيا الطفولي و هي تهتف في ملل :
ـ متى نصل؟

كان صوت فراس دافئا و حانيا و هو يجيبها :
ـ لم يعد هناك الكثير... أرأيت المنعطف هناك؟ إنه يؤدي إلى الوادي الذي يسبق المزرعة...

التفتت ليلى لتنظر إلى حيث يشير، و حين اعتدلت في جلستها من جديد، التقت عيناها بعيني فراس في المرآة الأمامية العاكسة... أرخت بصرها بسرعة و قد شعرت بالتوتر. كانت نفس النظرة القاسية في عينيه. تساءلت عما دعاه إلى أخذها في سيارته... شحوب وجهه حين رأته في الشرفة تلك المرة يوحي بأن رؤيتها تعيد إليه ذكريات أليمة عن حنان. بم تراه يشعر حين يذكرها؟ حنان كانت شبه مراهقة حين تزوجا، لم يتجاوز عمرها الثامنة عشرة... فهل كان بينهما حب ما، حب مراهقين؟ عشرات علامات الاستفهام كانت ترتسم في رأسها، عن أختها، توأمها التي كانت نسخة منها في الشكل... فما هو مدى التقارب بينهما في الجوهر؟ تريد أن تعرف عنها كل شيء... لكن لا يبدو أن فراس هو الشخص المناسب لتطرح عليه أسئلتها...

وصلت السيارات الثلاث إلى المزرعة. توقفت المرسيدس و الغولف أمام المنزل الريفي، في حين أوقف فراس سيارته الباسات بعيدا، تحت ظل شجرة صنوبر ضخمة. نزلت رانيا و ركضت في حماس في اتجاه المنزل، أما منال و ليلى فقد ترجلتا على مهل و هما تمتعان بصرهما بالمشهد الخلاب الذي فاق جميع توقعات ليلى... فيبدو أن ممتلكات آل القاسمي لا تشبه في شيء ما يحيط بها من حقول و مزارع! الأشجار و السهول كانت تكتسي خضرة مشرقة تسحر الألباب و تدخل على النفس انشراحا عجيبا... ابتسمت في سرها و هي تتيقن أكثر و أكثر من الثراء الفاحش الذي تنعم به عائلة خالها... فمع أنها ابنة سفير سابق و رجل أعمال متمرس و قد عاشت حياة مرفهة، إلا أنها لم تعرف هذا النوع من الرفاهية، حياة القصور و الممتلكات الشاسعة... فوالدها كان من محبي البساطة و شقتهما الفاخرة في باريس لا تساوي جناحا واحدا من أجنحة قصر آل القاسمي!

انتزعها أمين من تخيلاتها حين اقترب منها قائلا، بصوته الجهوري :
ـ كيف كانت رحلتك إلى هنا؟ ... الكثير من الاهتزازات؟ لا أظنك تعودت على الطريق الريفية غير الممهدة! تعالي، سأعرفك على الخالة مريم... مربيتنا. إنها تقيم في الضيعة منذ زمن... مذ تخلى القصر عن خدماتها لتقدمها في السن... لكننا لا ننكر فضلها علينا... و لذلك منحها والدي راتبا شهريا، مع الإقامة في المزرعة... فهي امرأة وحيدة و ليس لها أبناء...

ثم أضاف مبتسما :
ـ عدانا نحن الثلاثة طبعا! فهي ربتنا جميعا... أنت تعلمين أنه ليس من السهل أن تهتم عجوز بمفردها بمزرعة مترامية الأطراف كالتي يملكها والدي، لكن منذ استقرارها هنا، تحسنت الأوضاع بشكل ملحوظ! فقد أبدت حنكة و مهارة تضاهي تلك التي أبدتها من قبل في تدبير شؤون القصر و الاهتمام بالأطفال... فهي هنا تقدم الكثير من المقترحات، لولعها بالزراعة و الطبيعة، و تنافس المشرفين أحيانا! انظري... هذا حوض الورود البرية الذي حدثتك عنه...

سبقها بخطوات و توقف أمام حوض ورود حمراء، كتلك التي رأتها في الحديقة الأمامية للقصر، و انحنى ليقطف وردة حمراء قانية ثم تقدم نحو ليلى بخطوات هادئة. رمقته ليلى في شك، فأمين من النوع الذي لا يمكن توقع تصرفاته! لكنه هذه المرة كان أقل شاعرية مما كان عليه إبان استقبالها، فمد إليها الوردة دون رسميات، و على شفتيه ابتسامة حالمة... و لوهلة، بدا لليلى أنه شرد بعيدا، إلى حيث لا تدري، ثم بهتت الابتسامة على شفتيه و بقيت يده ممدودة بالوردة... ترددت ليلى، لكن حين لاحظت أن يده أخذت ترتخي و الوردة تكاد تفلت من بين أصابعه، مدت يدها و تناولتها و هي تهتف :
ـ أمين... هل أنت بخير؟

بقيت عيناه مركزتين على الوردة بين أصابعها للحظات، كأنه يحدق في الفراغ، ثم ما لبث أن انتبه إليها، فتراجع في ارتباك و نظر إلى الوردة التي كانت في يدها الآن، ثم همس في هدوء :
ـ تقبلي مني هذه الوردة... عربون صداقة!

و بمرح غير متوقع هتف :
ـ تعالي... لقد سبقنا الآخرون!

ثم سبقها من جديد و أخذ يرتقي الدرجات المؤدية إلى المنزل الريفي و هو يثرثر حول الطقس و طعام الغداء و عصافير الكناري التي تربيها الخالة مريم...

ابتسمت ليلى في حيرة و هي تتبعه في صمت... لقد عاد أمين إلى طبيعته
الجـــــــــزء الخامس



تناهى إليهما صوت الخالة العجوز و هي تتبادل الأحاديث مع أفراد العائلة. كان السيد نبيل و فراس و ياسين و منال قد دخلوا إلى الردهة منذ حين... و كان ضحك الصغيرة رانيا يتعالى و هي تجلس بين أحضان الخالة مريم و تلهو بطرف ثوبها المطرز.

دخل أمين فاتحا ذراعيه و هتف :
ـ مريومتي... كيف حالك أيتها العجوز الحبيبة؟

وقفت في تثاقل بعد أن أزاحت رانيا من حضنها و هي تتظاهر بالغضب :
ـ قلت لك لا تنادني بالعجوز مادامت في الصحة بقية!

ثم قالت في حنان :
ـ مضى وقت طويل يا صغيري... تبدو نحيلا! هل تناولت فطورك؟

ضحك الجميع على أمين الذي أخذ يستعرض عضلاته محتجا :
ـ تلك يسمونها رشاقة يا مريم العزيزة... رشـــــــاقة!

في تلك اللحظة تفطنت إلى وجود ليلى فتسمرت مكانها في دهشة و تراجعت خطوتين لتبحث عن نظاراتها الطبية الموضوعة على المنضدة. وضعتها على عينيها بأصابع مرتعشة ثم هتفت مصدومة :
ـ خبروني... هل ترون ما أرى... أما أنها تهيؤات و تخاريف عجائز؟

إذاك تقدم السيد نبيل و أمسكها من ذراعها و قد أخذت مفاصلها في الارتعاد من الصدمة. أجلسها على الأريكة و ساقاها لا تكادان تحملانها. قال مهدئا :
ـ استريحي و تنفسي جيدا... إنها ليست حنان... بل شقيقتها التوأم...

رددت العجوز مبهوتة :
ـ شقيقتها التوأم؟!

هز نبيل رأسه مؤكدا :
ـ نعم توأمها التي كانت تعيش مع والدها في فرنسا... تعلمين أن نجاة و نجيب انفصلا مبكرا...
ـ نعم، لكن لم أعلم أن لهما أبناء آخرين غير حنان!

ـ نجاة رحمها الله أخفت الأمر عن الجميع، لم ترد أن يذكرها أحد بابنتها التي تخلت عنها و أخرجتها من حياتها كما أخرجت والدها... لكنني كنت أعلم، و بقيت على اتصال بنجيب طيلة السنين الماضية... و أظن أن الوقت قد حان كي تتعرف ليلى على بقية عائلتها...

ثم تنهد و هو يضيف :
ـ و إن كان القرار قد تأخر كثيرا... تأخر بثلاث سنوات...

تجمعت العبرات في مقلتي ليلى. لم تكن تتصور أن تكون حساسة تجاه هذا الموضوع، فهي لم تعرف أمها و لا أحست بحاجتها إليها... والدها علمها أن تكون قوية، أن تعتمد على نفسها... لذلك نشأت وصلتها قوية بوالدها، و ثقتها عميقة بالله... لم تكن في حاجة إلى دافع معنوي ثالث، أو هكذا ظنت... إلى أن جاءت إلى هنا، و تعرفت على كل هؤلاء الأشخاص الذين عرفوا والدتها و شقيقتها التوأم... شيء ما تحرك في داخلها... و هاهي على وشك البكاء...

ـ تعالي يا ليلى... تعالي و سلمي على الخالة مريم...

أيقظها صوت خالها من أفكارها. تقدمت بخطى متعثرة إلى حيث جلست العجوز. رسمت ابتسامة حانية على شفتيها و انحنت لتقبل رأسها. رفعت العجوز عينيها إليها في بطء... توترت دقات قلب ليلى حين التقت عيناها بعيني الخالة مريم. رأت فيهما معاني غريبة... شيء من الحذر... و الشك! لكن ما لبثت ملامحها أن لانت و أخذت بكف ليلى بين كفيها و هي تقول :
ـ تعالي يا صغيرتي... كم كانت والدتك قاسية حين حرمتك من حنانها...







انشغلت الخالة مريم بإعداد فطور دسم على شرف ضيوفها... أبنائها الأحباء الذين رزقها الله إياهم بعد أن يئست من الإنجاب، في حين جلست ليلى و منال في الشرفة تتأملان الطبيعة الغناء و تتجاذبان أطراف الحديث. تعالى صوت أمين من الأسفل و هو يهتف :
ـ ليلى، منال... هل تريدان الخروج في جولة؟

نظرت منال إلى ليلى متسائلة فهزت ليلى رأسها علامة للرفض بسرعة. كتمت منال ضحكتها ثم أطلت من الشرفة و هي تقول :
ـ أنا متعبة قليلا يا أمين... سأصحب ليلى في نزهة بعد الغداء... هل يمكنك الاهتمام برانيا؟ تركتها تلهو في الأسفل...

هز أمين رأسه متفهما و إن بدت عليه خيبة الأمل. أما منال فالتفتت إلى ليلى مداعبة :
ـ يبدو أنك تروقين لأمين... هل تراه ينوي الخروج من حياة العزوبية؟!

احمرت وجنتا ليلى و هي تهز حاجبيها في دهشة... أمين؟ غير معقول... مستحيل!
ضحكت منال و هي ترى وجهها قد تغير و قالت في ود :
ـ صدقيني أمين طيب جدا... قد يبدو لك جريئا، و طفوليا أحيانا... لكنه شخص رائع...

أطرقت ليلى في انزعاج... و دعت الله أن لا تكون نوايا أمين تجاهها من ذاك النوع... سرحت في تفكيرها للحظات، في ذكريات قريبة، لم يمض عليها سوى بضعة أسابيع، غيرت الكثير في حياتها...
انتبهت على صوت منال و هي تميل عليها غامزة :
ـ لقد رأيته منذ قليل حين أعطاك الوردة الحمراء!

تجاهلت ليلى ملاحظتها، فقد كان بالها مشغولا بفكرة أخرى خطرت لها في تلك الآونة، فبادرت منال في اهتمام :
ـ منال... أخبريني، كيف كانت علاقة أمين بحنان؟

ترددت منال للحظات و قد بوغتت بالسؤال، ثم قالت بعد تفكير قصير، كأنها تنتبه إلى أمر ما للمرة الأولى :
ـ قد يكون ما أقوله مفاجئا لك... فأمين و حنان كانا صديقين مقربين... مقربين جدا... حتى أنني استغربت حين تزوجت حنان من فراس... لم يكن هناك شيء يوحي بإمكانية ارتباطهما قبل أن يحصل... أو هذا ما بدا لي على الأقل...

لكن ليلى لم تفاجأ، لم تفاجأ أبدا... كان كلام منال منطقيا جدا، و منسجما مع الانطباعات التي خلفتها لديها تصرفات كل من أمين و فراس... اهتمام أمين و تقربه منها... و نفور فراس و انزعاجه من وجودها... أي نوع من الأزواج كانا... فراس و حنان؟ لكن سؤالا آخر أكثر أهمية كان يتردد في ذهنها... لكن لم يحن الأوان بعد. يجب أن تكشف كل شيء بنفسها... ركنت تساؤلاتها جانبا و أردفت مستفسرة :
ـ و كيف كانت ردة فعل أمين تجاه زواجهما؟

كانت منال على وشك الإجابة، حين فاجأها صوت الخالة مريم و هي تقترب من مجلسهما قائلة :
ـ أين وصلت بكما الأحاديث؟

التفتت منال و ليلى إلى العجوز التي جذبت مقعدا آخر و جلست بينهما و هي تتنهد :
ـ و أخيرا انتهيت من تقطيع الخضر و وضعت القدر على النار... سأجلس معكما قليلا إلى أن تنضج الأكلة...

كانت ليلى متوترة، لسبب تجهله، فقد أخذت أصابع يدها التي استقرت في حجرها تتقلص منكمشة على ثوبها. هل هي نظرات الخالة مريم التي أخذت تتفحصها، كأنها تحاول سبر أغوارها... أم لهفتها لمعرفة حقيقة ما حصل مع أختها و مواصلة حديثها مع منال الذي قاطعته الخالة للتو؟

رفعت عينيها لتواجه العجوز في تحد و كأنها تقول : لست خائفة منك... حدقي بي مثلما تشائين!
لكنها دهشت حين وجدتها ترنو إليها بعينين دامعتين، فبادرتها في اهتمام :
ـ خالتي... هل أنت على ما يرام؟

ابتسمت مريم و هي تهز رأسها و تمسح العبرات من عينيها و قالت بصوت مخنوق :
ـ تذكرت أختك المسكينة... و نهايتها التعيسة...

قاطعتها منال في سرعة و حزم :
ـ أرجوك يا خالتي... لا داعي لإثارة هذا الموضوع!

رددت ليلى بصرها بينهما في حيرة و قلق :
ـ نهايتها التعيسة؟ أخبراني... كيف ماتت حنان؟

كان الصمت المطبق هو الجواب الوحيد على تساؤلها... لكنها ألحت بشدة :
ـ أرجوكما... لا تخفيا عني شيئا... أريد أن أعرف!

حدجت منال الخالة مريم بنظرة تأنيب للورطة التي وضعتها فيها... في حين هزت الخالة مريم كتفيها في استهانة، و لسان حالها يقول : يجب أن تعلم، كان ذلك عاجلا أم آجلا... تنحنحت منال و هي تقول أخيرا :
ـ عمي نبيل لم يكن يريدك أن تعلمي بما حصل، لأن الحادث كان مأساويا و أثر فينا جميعا لوقت طويل... حنان... اختارت أن تضع حدا لحياتها... حنان... انتحرت...

تجمدت نظرات ليلى و لم يبد على ملامحها أي انفعال بعد أن نطقت منال بكلمتها الأخيرة. هل كانت تتوقع ذلك؟ ليس بالضبط... لكن حديث والدها الغامض عن حادثة وفاتها... و تأثر فراس الشديد بالحادثة... كل ذلك يشير إلى أن وفاتها لم تكن طبيعية، لم تكن طبيعية أبدا...

واصلت منال :
ـ لم تكن حنان من النوع الذي يبدو عليه اليأس من الحياة إلى درجة التفكير في الانتحار... لكنها مرت بفترة اكتئاب في بداية حملها... كانت فتاة مرحة و منطلقة، حتى أنني كنت أحسدها على السعادة التي هي فيها... غفر الله لي... فهي كانت زوجة فراس، أحب أبناء عمي نبيل إلى قلبه، و ابنة أخته الوحيدة... أو هذا ما كنت أظنه في تلك الفترة... لذلك فهي كانت مدللة من الجميع... كانت كل الهدايا لها... و حتى قبل زواجها، فقد كانت الغرفة الزرقاء لها...

قاطعتها ليلى في استغراب :
ـ الغرفة الزرقاء؟

هزت منال رأسها في تأكيد :
ـ نعم، الغرفة التي تقيمين فيها حاليا... إنها تسمى الغرفة الزرقاء... الغرفة الخاصة لمالكة القصر الأولى...

وافقتها ليلى و هي تتذكر ما قاله أمين عن الطابع الغامض للغرفة. و تابعت منال :
ـ كانت غرفة مميزة... و كانت هناك حكايا غريبة يتناقلها الخدم حول أسرار أخفتها السيدة هاجر هناك... والدة ياسين، زوجي... لأنها كانت غرفة مغلقة معظم الوقت، منذ وفاة السيدة هاجر فيها... لكن بالنسبة للجميع فإن تميزها أتى من تمييز صاحبة القصر لها و اهتمامها بتنظيفها باستمرار و الحفاظ على اللون الأزرق فيها... الذي كان اللون المفضل لديها...

تدخلت الخالة مريم بصوت هادئ عميق و قد سرحت نظراتها إلى خارج الشرفة، بعيدا إلى الذكريات :
ـ رحمها الله... كانت امرأة قوية... و كان كل ما يحيط بها مميزا... عرفتها في بداية شبابها، حين جاءت إلى القصر للمرة الأولى، بعد زواجها من صاحبه، السيد محمود عبد الرحمان... كل الأملاك التي ترينها هنا، القصر الكبير و الشركة، كلها ورثتها هاجر عن محمود...

اقتربت العجوز من ليلى و همست في أذنها :
ـ نبيل كان سليل عائلة عريقة، لكن من دون ثروة... هاجر كانت تملك الثروة التي يطمح إليها، لكنها كانت قد تجاوزت سن الشباب حين عرفها، توفي عنها زوجها و لم يكن لديها أطفال منه... و نبيل كان شابا طموحا، فتزوجها أرملة... كان يعمل في شركة زوجها، رآها للمرة الأولى بعد وفاته، حيث اضطرت إلى النزول إلى ساحة العمل لمتابعة أعمال زوجها الراحل... و تم كل شيء بسرعة... تبادل مصالح، هي كانت بحاجة إلى رجل، رجل يدير الشركة و الأملاك و يسد الفراغ الذي خلفه رحيل محمود في حياتها... و هو كان في حاجة إلى المال... و زوجة ذكية...

توقفت العجوز كأنها تذكرت شيئا ثم أضافت :
ـ إيمان كانت تطمع في الحصول على الغرفة الزرقاء... لكن نبيل لم يرض!

سألت ليلى في اهتمام :
ـ من هي إيمان؟

أجابتها منال بصوت خافت، إذ أن مريم بدت مركزة مع ذكرياتها فلم تنتبه إلى ليلى :
ـ إيمان هي زوجة عمي نبيل الثانية... والدة فراس و أمين...

واصلت خالة مريم بنفس الصوت العميق :
ـ إيمان كانت تغار من هاجر... تغار من خيالها الذي كان يسكن كل بقعة من القصر، و خاصة الغرفة الزرقاء... نبيل كان وفيا لهاجر رغم زواجه الثاني... أغلق الغرفة الزرقاء حفاظا على ذكراها، مما أثار غيظ إيمان و سخطها... كان يدخل إليها بين الفينة و الأخرى و يظل وحيدا... نوع من الاعتكاف... و حين يخرج منها يكون وجهه متغيرا، كمن رأى شبحا... بل كأنه كان يناجي طيفها!

همست منال ليلى من جديد :
ـ لا تصدقي كل الخرافات التي تقصها العجائز... عمي كان يحب الاختلاء بنفسه بين الحين و الآخر، و الغرفة الزرقاء كانت مناسبة لأنه لا أحد يدخلها غيره... كان يحتفظ هنالك بملفات و أوراق كثيرة، بعيدا عن الأعين... ملفات أعمال... تعلمين...

هزت ليلى رأسها متفهمة، و فوجئت منال بالخالة مريم تقرص أذنها بغتة و هي تهتف :
ـ أعلم أنك تشككين في روايتي... أيتها الشقية!

تخلصت منال من قبضة الخالة و هي تتأوه في ألم و هتفت بدورها :
ـ كنت أظنك مركزة في الحكاية!

ثم وقفت لتغادر الشرفة و هي تقول :
ـ سأذهب لأتفقد رانيا... أراكما فيما بعد!

لوحت منال لليلى بيدها و غادرت المكان مهرولة لتنجو بجلدها من تعليقات العجوز اللاذعة
ابتسمت ليلى و هي تخاطب الخالة مريم في اهتمام :
ـ و ماذا عن أمي... حدثيني عنها!

تجهم وجه العجوز و بدا عليها التردد، لكنها قالت أخيرا و هي تحد من نظراتها :
ـ نجاة كانت شخصية عنيدة و عصبية... رحمها الله!

ابتسمت ليلى في حزن... لم يكن كلامها غريبا عنها، فوالدها أيضا وصفها بهاته الطباع، محاولا تبرير انفصالهما... من الواضح أنها لم تكن محبوبة، حتى من الخدم و المربية!
قطع حديثهما صوت ياسين القادم من الداخل :
ـ ألم يجهز الطعام بعد؟ إني أتضور جوعا!

استأذنت الخالة و قامت لتقدم لياسين بعض المقبلات في انتظار طعام الغداء...
أما ليلى، فقد وضعت رأسها بين كفيها و سرحت بعيدا... تفكر في كل الأسرار التي تريد اكتشافها، و كل الغموض الذي يلف ماضي عائلتها... فهل من معين؟

avatar
شموس
Admin

الجنس : انثى
الابراج : العقرب
عدد المساهمات عدد المساهمات : 17804
العمر العمر : 34
الموقع الموقع : egypt
المزاج المزاج : تمام :D
نبذة مختصرة نبذة مختصرة : الضمير صوت هادئ..يخبرك بأن هناك من يراك دائما

https://www.shmos.net https://www.facebook.com/ShmosNet https://twitter.com/ShmosNet

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية ياقاتلى اين المفر

مُساهمة من طرف شموس في الجمعة أبريل 28, 2017 6:26 pm

الجزء السادس




دخلت ليلى إلى غرفتها و ارتمت على السرير الوثير في إنهاك. انقضت الأمسية ثقيلة على قلبها... كان الجميع في مرح و لهو، حتى فراس استسلم لدعابات مريم و حكاياتها... الجميع، إلا هي... فإن ذهنها كان مشغولا... لماذا يا حنان، لماذا؟ لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير في مأساة أختها، و لم تتمكن من الانفراد مجددا بالخالة مريم حتى تحدثها أكثر عنها و عن أمها و ماضي العائلة، إذ أن أفراد العائلة ظلوا مجتمعين إلى المساء...

تأملت الديكور الأزرق للغرفة، فعادت إليها أحاديث العجوز عن سرها الدفين... هل شبح السيدة هاجر لا يزال يحوم في الغرفة؟ أين أنت أيها الشبح... إن كنت هنا اخرج و واجهني، لست خائفة منك! قالت ذلك في نفسها و ابتسمت في استهزاء...

فجأة سمعت طرطقة عنيفة لارتطام جسم صلب ما بالأرض. هبت من مكانها فزعة و انكمشت في ذعر و أخذت تتلفت حولها في تحفز... لكنها انتبهت إلى أن حذاءها الذي كان متعلقا بطرف قدمها قد سقط على الأرضية الخشبية المفروشة، حيث أنها كانت تهز ساقها هزات متواترة، مأرجحة الحذاء مرة إلى الأمام و مرة إلى الخلف فانفلت في إحداها! ارتمت من جديد على السرير و هي ترسل زفيرا عميقا ثم ما لبثت أن انفجرت ضاحكة على نفسها... يا للسخرية! هل خفت حقا يا ليلى من الشبح، و لو لوهلة قصيرة؟!

تذكرت والدها الذي لم يتصل بها منذ سفره فاستقامت في جلستها و قد عاد إليها القلق. خالها قال بأن اشتراك الهاتف سيكون عندها حين العودة من المزرعة. هل تراه نسي؟ سأذكره بالأمر! وقفت و هي تعدل وشاحها و قد همت بالخروج... لكنها انتبهت حينها إلى العدة التي كانت فوق المكتب. هرولت إليها في لهفة. ابتسمت و هي تتناول منها ما يهمها... نعم لقد وفى خالها بوعده و أحضر لها هاتفا جوالا جديدا مع كل ما يلزم! سارعت بتكوين رقم والدها الخاص الذي تحفظه عن ظهر قلب و لبثت تترقب للحظات... لكن و لخيبة أملها، كانت آلة الهاتف الأوتوماتيكية من أجابها معلنة أن الهاتف المطلوب مغلق! ما الذي يحصل؟ هل استغنى والدها عن هاتفه الدولي الخاص الذي يستعمله في كل مكان؟! ليس الأمر مطمئنا البتة!

جلست من جديد و قد أصابها الإحباط و سيطر عليها القلق... لم تكن مطمئنة منذ البداية لرحلة والدها هذه... و لم تفهم سبب إصراره العجيب على تركها هنا! فهي رافقته طيلة حياتها في كل سفراته طالت أم قصرت... و كان يدبر أمره في كل مرة حتى يكون الانتقال مزامنا لبداية السنة الدراسية الجديدة... تنهدت في أسى، كان ذلك حين كان يزاول عمله كسفير... أما الأعمال الحرة فهي الفوضى الكلية! لكن حتى بعد تخليه عن وظيفته في السفارة، فإنه كان يأخذها معه في رحلاته، أو يتركها بمفردها لأيام قليلة إن كان لديها ما يشغلها في دراستها... فلم رماها عند خالها هذه المرة بالذات؟

تنهدت من جديد و هي تفكر فيما يمكنها فعله... تناولت الهاتف من جديد و كونت رقما آخر. انتظرت للحظات قبل أن يصلها الصوت المألوف من الجانب الآخر. هتفت في شوق :
ـ السلام عليكم و رحمة الله... كيف حالك من دوني أيتها الشقية؟

أبعدت الهاتف عن أذنها حين أطلقت محادثتها صيحة فرح و هي تهتف :
ـ ليلــــــــــــــــــــى! أين أنت؟ كيف حالك؟ أنت بخير؟ و كيف حال عمي نجيب؟

أعادت كلماتها إليها القلق فهمهمت :
ـ أنا بخير الحمد لله... لكن أبي لا أعلم عنه شيئا منذ سافر... تصوري لم يتصل حتى ليطمئنني على وصوله سالما إلى أمريكا!

قالت مخاطبتها بلهجة حانية مطمئنة :
ـ لا داعي للقلق و لا تتركي الوساوس تتغلب عليك... من المؤكد أن الأعمال شغلته... أنت تعلمين، رجال الأعمال بالكاد يجدون الوقت للتنفس!
لم تقتنع ليلى :
ـ و لكن يا سحر، أنا ابنته الوحيدة! أنا كل عائلته! كيف ينسى الاتصال بي، على الأقل كان بإمكانه تكليف مأمون بمهمة طمأنتي على وصوله سالما!

هتفت سحر مغيرة الموضوع بسرعة :
ـ لا تتصورين كم بقي مكانك شاغرا بيننا! الجميع يسألون عنك و يبلغونك تحياتهم... سرور و حبيبة و جمال و مروان و حتى صوفي و سيسيليا و جون...

سكتت سحر، و بقيت ليلى مترقبة. بقي اسم، اسم آخر لم تذكره سحر... أم تراه لم يسأل عنها؟
استطردت سحر و قد أدركت أنها وترت أعصاب صاحبتها بما فيه الكفاية :
ـ و لكن هل تعلمين من عذبني بالسؤال عنك ليل نهار؟ الدكتور عمر... كيف حال الآنسة ليلى... هل اتصلت الآنسة ليلى... بلغي سلامي للآنسة ليلى... جنني!

تسارعت دقات ليلى في سمفونية أفلتت منها نوتاتها... عمر... سرحت بنظراتها الحالمة إلى ذاك اليوم... اليوم الذي تغيرت فيه حياتها، بكل المقاييس...

كانت خارجة من المكتبة حين استوقفها و هو يناديها بصوت هادئ :
ـ آنسة ليلى... هل يمكنني أن آخذ من وقتك بضع دقائق؟

التفتت إليه في توتر. نظراته توترها، صوته، ابتسامته، خاصة و هو قريب منها... لكنه بدا متوترا هو الآخر، يسوي نظاراته الطبية على عينيه باستمرار و يهرش ذقنه في حركة عصبية :
ـ هل من الممكن أن أحصل على موعد مع والدك في أقرب وقت ممكن؟

نظرت إليه في شك و قد فاجأها طلبه و توتره في آن :
ـ نعم، بالطبع... هل لي أن أعلمه بسبب الزيارة؟

بدا عليه التردد لكنه قال :
ـ لا أريد التحدث في الموضوع في الجامعة... لأنه موضوع... شخصي!

ظلت صامتة كأنها تنتظر توضيحا أكبر، ثم هتفت في قلق لخاطر طرأ على بالها :
ـ دكتور... هل هناك مشكلة بشأن امتحاناتي أو برنامج المرحلة الثالثة؟

أطلق ضحكة خفيفة و قد أدهشه قلقها و أردف :
ـ بالعكس... أنت يا ليلى من أكثر الطلبة عندنا اجتهادا و تميزا و لا غبار على ملفك الدراسي، لذلك لا تقلقي بشأن المرحلة الثالثة... كما أنني سأعزز الملف بتوصية مني حتى تجهز أوراقك في أقرب الآجال!

ثم أضاف مبتسما :
ـ إضافة إلى أننا لا نطلب لقاء ولي أمر الطالب إذا حصلت معه مشكلة ما... فطلبتنا ما شاء الله كلهم راشدون!

ابتسمت في امتنان، و هي تضحك في سرها على فكرتها السخيفة و قالت :
ـ شكرا لك يا دكتور... لست أدري كيف أشكرك!

ابتسم بدوره و هو يجيب :
ـ تشكرينني بأن تطلبي لي موعدا مع والدك!

هزت رأسها موافقة و همت بالانصراف، من المؤكد أن الموضوع يخص أعمال والدها فهو يتعامل مع الكثير من الاستشاريين القانونيين و قد صادف في السابق أن كان أحدهم أستاذا لها في الجامعة، فلم لا يتكرر الأمر مع الدكتور عمر. ابتعدت بضع خطوات، لكنه استوقفها من جديد :
ـ ليلى... ربما يكون من الأنسب أن أطلب رأيك... قبل أن أقابل والدك!

توقفت مبهوتة... رأيي أنا؟ و ما دخلي أنا في أعمال والدي؟ لكن إحساسا ما خامرها و جعل وجيب قلبها يتسارع... هل من المعقول... هل من الممكن...؟ أفيقي يا ليلى... لا تدعي الأحلام تأخذك بعيدا و ركزي مع الدكتور. التفتت إليه و همست بصوت خافت مبحوح :
ـ تطلب رأيي في ماذا يا دكتور؟

جاءها صوته عميقا، واضحا و قويا ملأ إحساسها :
ـ ليلى... أريد لقاء والدك لأطلب منه يدك... فما رأيك؟

احمرت وجنتاها بشدة و أطرقت في حياء... تجمعت الدموع في عينيها من التأثر و لبثت لثوان طويلة صامتة، و قلبها يرقص في صدرها بجنون... رأيي؟ إنه يطلب رأيي فيه؟ إن كنت في حلم، فلا أريد أن أفيق منه! لكن صوته جاءها من جديد و فيه شيء من الارتياح، ارتياح لصمتها :
ـ إذن تطلبين لي موعدا مع والدك؟

هزت رأسها ببطء علامة الإيجاب، دون أن تنظر إليه، ثم فرت من أمامه فرارا و الدنيا لا تكاد تسعها من الفرح...
استيقظت من أحلام اليقظة على صوت سحر و هي تهتف بها :
ـ ليلى... هل تسمعينني؟

ـ هه...

ـ إلى أين ذهبت؟

استندت ليلى إلى خلفية السرير و قد عادت إلى واقعها و همست في إرهاق :
ـ أنا متعبة يا سحر... متعبة...

أصرت سحر في قلق على صديقتها :
ـ ليلى... هل أنت بخير؟

تنهدت ليلى بعمق و قالت بصوت باك و قد فاض الحزن من قلبها :
ـ كيف أكون بخير يا سحر... كيف أكون بخير و أبي غائب عني منذ ثلاثة أيام و لم أسمع صوته طوالها... كيف أكون بخير و أنا أكتشف للتو أن شقيقتي التوأم ماتت منتحرة و هي تحمل جنينا في بطنها... و زوجها... زوجها لا يزال يعاني عقدة نفسية حادة من بعد الحادثة... كيف أكون بخير و أنا أرى في العيون الحقد على أمي التي لم أرها... و التي لا يذكرها بالخير أحد... و ها أنا أجد نفسي وحيدة في هذا القصر الكبير... وحيدة في الغرفة الزرقاء التي تحاك حولها الأقاويل... كيف أكون بخير بالله عليك؟
قالت ذلك و أجهشت بالبكاء... كانت طوال اليوم تكابر و ترسم على شفتيها الابتسامة... لكنها لم تعد قادرة على التماسك و كتم ألمها في صدرها، خاصة و أنها تمكنت من الاتصال بسحر، أعز صديقاتها و كاتمة أسرارها... فآن الأوان لتنفس عن مكنونات صدرها...

بذلت سحر جهدها لتهدئتها و تهوين الأمر عليها، ثم تركتها بعد أن وعدتها ليلى بالخلود إلى النوم و أخذ قسط من الراحة بعد يومها المرهق. وضعت الهاتف جانبا و ارتمت على السرير بملابسها. أغمضت عينيها آملة أن يأخذها النعاس، لكن طيفا مر بخيالها و أسهدها...

كانت تراه مثل كل الطلبة، مثالا للدكتور الجاد و المتميز في عمله... لكنه إضافة إلى مزاياه العلمية و الأكاديمية فهو من الدكاترة المسلمين القلائل في علم القضاء، في الجامعات الفرنسية، الذين يعدون على أصابع اليد الواحدة. كان شابا وسيما، وسامته عربية و أخلاقه عربية مسلمة كذلك... و هذا لم يمنع عددا كبيرا من طالبات الكلية من الوقوع في غرامه! لم تكن ليلى مثلهن، لم تراقبه و لم تتطفل على مكالماته الهاتفية و لا على جدول مواعيده كما تفعل الكثير من الطالبات. هي كانت تحترمه، و تعجب بشخصيته القوية، بحزمه و أخلاقه العالية... و لا تنسى له مواقفه الجادة معها و مع غيرها من الطلبة الأجانب، و خاصة الفتيات المحجبات، في كل مرة تعرضن فيها إلى مضايقات على أساس عنصري أو انحيازي. لم يكن يتردد في الإشادة بأعمالهن أمام بقية الطلبة و توجيه كلمات التشجيع إليهن... و هي كانت تسعد بكلماته هو بالذات، دون بقية الدكاترة...

أصبح بالنسبة إليها نموذج الرجل المسلم المثقف في الغرب، و أصبحت كلما تقدم لخطبتها شاب ما وجدت نفسها تقارنه به... لأنه كان المثال الحي لفارس أحلامها... لكن، عدا الأحلام، فإنها لم تكن تطمع في الشيء الكثير... و أقنعت نفسها بأنها معجبة بشخصيته كأستاذ تتتلمذ على يديه و تتعلم منه و من طريقة تعامله مع الآخرين... دون أن تطمع في أي شيء آخر...

هكذا أقنعت نفسها... و هكذا ظنت... إلى أن جاء ذاك اليوم الذي وجدت نفسها فيه تحلق في عالم الفراشات من السعادة... حينها فقط أيقنت بأنها معجبة به... و تتمناه زوجا...
و لكن كل شيء انقلب رأسا على عقب في حياتها منذ ذاك اليوم!
عادت إلى الشقة الباريسية و هي في لهفة لتخبر أباها و تطلب موعدا لعمر... نعم، أصبح يلذ لها أن تقول عمر بدون دكتور... فهو سيصبح خطيبها عما قريب! لكن الحالة التي وجدت عليها والدها منعتها من أن تنطق بكلمة. كان يجلس في انتظارها و قد أعد لها مفاجأة كبيرة... المفاجأة التي رمت بها إلى هذا القصر الموحش و أهله الغرباء...
كتمت فرحتها في صدرها... و لبث عمر ينتظر... و ينتظر... فإلى متى سينتظر؟
الجزء السابع




تسللت خيوط الشمس الرقيقة لتداعب وجهها و تدفئ بشرتها... تململت في مكانها ثم فتحت عينيها في انزعاج. لم تغلق الستائر جيدا مما سمح للضوء بدخول الغرفة! على أية حال، يجب أن تستيقظ، فقد نامت بما فيه الكفاية. البارحة أوت إلى غرفتها مبكرة، بعد عودتها من المزرعة مباشرة. استوت في جلستها و أجالت بصرها في الغرفة كأنها تكتشفها للمرة الأولى... كانت الجدران مغلفة بورق أزرق سماوي تزينه زهور دقيقة بيضاء، الستائر كانت متموجة بمختلف درجات الأزرق... السقف بدوره يكتسي نقوشا و زخارف دهنت بنفس لون الجدران. الحمد لله... الأثاث على الأقل كان من الخشب الأبيض! ضحكت في سخرية و هي تتخيل أثاثا أزرق بالكامل. حتى الأرضية الخشبية فقد كانت مغطاة بزربية زرقاء مزركشة! تنهدت و هي تدفع عنها اللحاف الأزرق و تهب واقفة. لم يكن اللون الأزرق مزعجا مثلما بدا لها اليوم! فقد أحبت رونق الغرفة في اليوم الأول لتواجدها في هذا القصر... لكن أعصابها الآن لم تعد تتحمل المزيد من الأزرق...

فتحت خزانة الملابس فطالعتها سترتها المفضلة، ذات اللون الأزرق... ألقتها بعيدا في عصبية و اختارت ثوبا ورديا أعاد الانشراح إلى نفسها... تعجبت من عصبيتها المفاجئة. ليس الخطأ في اللون الأزرق، فلطالما كان من ألوانها المفضلة، لكن الغرفة الزرقاء و ما يحيط بها من حكايات و أسرار تثير سخطها!
فتحت باب الغرفة، ألقت نظرة أخيرة على الغرفة الزرقاء، نظرة تحد و توعد... ثم ابتعدت و قد اتخذت قرارا...

كانت الحديقة مساحتها المفضلة في القصر بدون منازع. حديقة غناء مترامية الأطراف، معتنى بها بشكل جيد... تمشت قليلا بين شجيرات الورد و قد شغلها التفكير في وضعها من جديد. انتبهت إلى خالها الذي كان يجلس في الحديقة الخلفية و قد انشغل بقراءة جريدته الصباحية. تذكرت أنها لا تزال في عطلة نهاية الأسبوع، و بالتالي فإن خالها و ياسين لا يذهبان إلى الشركة اليوم أيضا. توجهت نحوه و قد قررت أن تفاتحه في الموضوع. انتبه السيد نبيل إلى وقع خطواتها و هي تقترب من مجلسه فرفع عينيه إليها و ابتسم :
ـ صباح الخير ليلى... تعالي و اجلسي إلى جانبي...

ألقت التحية و اتخذت مجلسا على أريكة عريضة غير بعيدة عنه. ضحك و هو يقول :
ـ تعجبت حين سمعت صوت خطواتك، فليس من عادة أولادي الاستيقاظ باكرا في نهاية الأسبوع... فأجلس كما ترين وحيدا أحتسي قهوة الصباح و أطالع الجرائد، حتى تعود الحياة إلى القصر حوالي الساعة الحادية عشرة!

ابتسمت ليلى في حرج. رغم سكنها عند خالها منذ ثلاثة أيام إلا أنها لم تجلس إليه بمفردهما من قبل، حتى أنها كانت تطلب وساطة منال لديه كلما احتاجت إلى شيء. تشجعت و بادرته بصوت واضح :
ـ خالي...

نظر إليها مبتسما و على وجهه علامات الانتباه. احمرت وجنتاها و بدا عليها التردد. فقال مشجعا :
ـ تفضلي يا ليلى... لا تخجلي مني...

ابتسمت بدورها و هي تلهو بطرف ثوبها و قالت بعد صمت قصير :
ـ كنت أريد أن أطلب منك شيئا...

هز رأسه كأنه يحثها على التابعة، فأردفت :
ـ بما أن إقامتي عندكم قد تطول... و بما أن الغرفة التي أسكنها كانت خالية منذ بضع سنوات... فإنني فكرت... إن لم يكن في الأمر إزعاج لكم... و بعد موافقتك طبعا... فكرت في تغيير ديكور الغرفة... حتى أحس بأنها غرفتي... أقصد غرفتي المؤقتة طبعا... فكرت في تغيير ورق الجدران و الستائر...

عقد نبيل حاجبيه و بدا عليه التفكير، فأضافت ليلى على الفور :
ـ كل ذلك على نفقتي طبعا... و لكن، إن كان في الأمر إزعاج و تطاول مني فلا بأس! لا بأس إطلاقا... الغرفة في حالة جيدة و أنا لا أشتكي من شيء... لكن...

ضحك نبيل و هو يقول :
ـ اهدئي يا ليلى... لا داعي للتبرير, إنها غرفتك بالفعل و لك الحق في تغيير ديكورها مثلما تشائين، و على نفقتي طبعا، فأنت في بيتي و ضيافتي... كنت أفكر في المحل المناسب لاقتناء كل ما يلزم و قد وجدت المحل المناسب و أضمن أنه سيفتح اليوم من أجلك... سأرسل صابر بعد قليل لإحضار عينات من المواد المعروضة و يمكنك اختيار الألوان التي تناسبك...

نظرت إليه ليلى في ذهول :
ـ هل تقصد بأنه لا يزعجك أن تصبح الغرفة الزرقاء... غير زرقاء؟

ضحك من جديد، ثم ابتسم و كأنه يسترجع ذكريات بعيدة :
ـ كانت هاجر زوجتي الأولى مولعة باللون الأزرق، و قد خصصت لنفسها تلك الغرفة و كستها بلونها المفضل، حتى أطلق عليها اسم الغرفة الزرقاء... و قد حافظت على طابعها الخاص من بعدها، احتراما لذكراها...

ثم نظر إليها في أسى و هو يتابع :
ـ لكن الغرفة أصبحت تحمل ذكريات كثيرة... لا تخصني وحدي... و من المفيد أن نضفي عليها بعض التغيير... لتجديد الحياة...

لبثت ليلى ترمقه في صمت و قد أحست بالألم في صوته. كم من الأسرار تخفين أيتها الغرفة الزرقاء؟!
انتبهت من شرودها على صوت خالها و قد غير الموضوع :
ـ من عادتنا أن نقيم حفلة شواء كل نهاية أسبوع... لذلك سيكون لدينا عدد من المدعوين اليوم من عائلة زوجتي الراحلة و من أصدقاء العائلة... لذلك استعدي...

ثم غمزها و هو يقول في خبث :
ـ أريد أن تكون ابنة أختي أجمل الفتيات الحاضرات... لا تخيبي ظني!

خجلت ليلى من أسلوب خالها الجريء و ابتسمت و قد فهمت ممن ورث أمين طباعه!
وقفت و همت بالمغادرة، لكن خالها استوقفها و كأنه تذكر شيئا هاما :
ـ ليلى... نسيت أن أخبرك...

التفتت ليلى في اهتمام فقال :
ـ والدك اتصل البارحة...

قاطعته و هي تهتف في لهفة :
ـ أبي اتصل؟ لماذا لم يتحدث إلي؟ كنت قلقة عليه جدا...

أردف نبيل مهدئا :
ـ حين اتصل كنت نائمة، كان ذلك في وقت متأخر من الليل... نظرا لفروق التوقيت، كما تعلمين... لكنني مررت على غرفتك و طرقت الباب، و يبدو أنك كنت في نوم عميق فلم أرد إزعاجك... كما أنه لا شيء يدعو إلى القلق... فنجيب أراد أن يطمئن إلى حسن تأقلمك مع الوضع هنا و إلى حصولك على وسائل الراحة الكافية...

تنهدت ليلى في حزن و همست :
ـ لكنني أريد التحدث إليه! ألم يترك لك رقما يمكنني الاتصال به عليه؟ فهاتفه الدولي معطل...

هرش نبيل رأسه في إحراج و قال :
ـ الحقيقة، قال بأنه سيتصل بنفسه بين الفينة و الأخرى... لأنه مشغول جدا... لكن لا داعي للقلق، سيكون مشغولا في فترة البداية... لكن ما أن تستقر الأعمال و تتضح الأمور فإنه سيتصل بك دائما و يطمئن عليك بنفسه...

لم تقتنع ليلى بل ازدادت شكوكها بأن خالها و والدها يخفيان عليها أمرا ما... تنهدت و لم تصر أكثر و وقفت من جديد لتعود إلى غرفتها. جاءها صوت خالها مطمئنا و كأنه يحاول الاعتذار :
ـ لا تقلقي يا ليلى... و بالنسبة إلى طلبك، سأرسل صابر ليحضر العينات اللازمة... كل شيء سيكون عندك بعد ساعة من الآن...

هزت رأسها و شكرته في اقتضاب... و جرت قدميها عبر الحديقة و قد سيطر عليها الحزن من جديد...

*********

اختارت الألوان المناسبة لورق الجدران و الستائر و لحافات السرير و الزربية الجديدة... اختارتها كلها في اللون الوردي و درجاته... لون مشرق يغير إحساسها بالعالم من حولها... انضمت إليها منال و الصغيرة رانيا بعد أن أصرت على تغيير الورق بنفسها...
انهمكت منال و ليلى في نزع الورق الأزرق القديم الذي غطى الجدران بالكامل، في حين افترشت رانيا الأرض و أخذت تقص الورق المنزوع و تصنع منه أشكالا مضحكة تسارع في كل مرة لتريها إلى ليلى و والدتها...

ابتسمت منال و هي ترى ليلى مركزة في عملها و على وجهها علامات السرور :
ـ كانت فكرة جيدة أن تغيري ديكور الغرفة... فرغم أنها جددت مرات عدة و تم تغيير أثاثها إلا أن أحدا لم يفكر في التخلص من اللون الأزرق!

هزت ليلى رأسها موافقة، فواصلت منال هامسة :
ـ كما أنها فرصة للتخلص من اللعنة التي تلازم الغرفة و تصيب ساكنيها...

التفتت إليها ليلى في شك، فانفجرت منال ضاحكة و هي تلوح بكفها في استهانة :
ـ أنا لا أؤمن باللعنة و لا بالأرواح الضائعة التي تبحث عن الانتقام... لكن ما حصل في هذه الغرفة من أحداث أليمة يجعل الأقاويل تكثر و الخرافات لا تتوقف!

عادت ليلى إلى عملها و قد فهمت بأنها تتحدث عن انتحار حنان في الغرفة... لكن منال استرسلت في الحديث و كأنها تخاطب نفسها :
ـ أريد أن أفهم... هل للون الأزرق علاقة بحوادث الانتحار؟ لقد قرأت مقالة ما في إحدى المجلات تقول بأن الألوان لها تأثير عميق في الحالة النفسية و قد تؤدي إلى الاكتئاب و التأزم... لكنني لا أظن أن اللون الأزرق من الألوان الكئيبة!

سكتت للحظات ثم واصلت :
ـ السيدة هاجر شربت علبة دواء مهدئ كاملة في هذه الغرفة... و وضعت بذلك حدا لحياتها...

استدارت ليلى في ذهول و هتفت :
ـ السيدة هاجر انتحرت هي الأخرى؟!

هزت منال رأسها في أسف :
ـ نعم... و هناك حادثة انتحار أخرى حصلت في الغرفة أيضا... أماني، شقيقة السيدة إيمان...

تركت ليلى ما بين يديها و اقتربت من منال في اهتمام :
ـ خبريني ما قصتها...

جذبت منال كرسيا و جلست مستعدة لحديث طويل :
ـ بعد وفاة السيدة هاجر ببضع سنوات، تزوج عمي نبيل السيدة إيمان... كان ياسين قد بلغ العاشرة من عمره آنذاك... و قد كانت لدى السيدة إيمان أخت في مثل عمر ياسين تقريبا تأتي لزيارتها كثيرا للعب مع ياسين، و لأنها كانت متعلقة بأختها أيضا... ثم أنجبت إيمان فراس و أمين، و بعد أن كبرا و دخلا المدرسة الابتدائية كانت أماني تأتي لتدريسهما و مساعدتهما على المراجعة... و استمرت على تلك الوتيرة إلى أن دخلت الجامعة... ثم مرضت إيمان مرضا مزمنا... فقد كانت تعاني منذ زواجها من ضعف في القلب، فسافر معها عمي نبيل إلى عدد من البلدان الأوروبية للعلاج و طلب من أماني أن تأتي للإقامة في القصر في فترة غيابهما... لمساعدة الخالة مريم على الاهتمام بفراس و أمين و تعويض غياب والدتهما... لكن إيمان لم تصمد أمام المرض و توفيت في رحلة علاجها تلك التي استغرقت أسابيع طويلة... و بعد بضعة أشهر من وفاتها، انتحرت أماني في الغرفة الزرقاء حيث ظلت تقيم...

ظلت ليلى مشدوهة و هي تستمع إلى الحكاية، لكن منال ضحكت مداعبة و هي تقول :
ـ لو أنها عاشت، لما كنت أمامك اليوم! فياسين كان يفكر في الزواج منها... لكن الله عوضه خيرا منها... زوجة أخرى، جميلة و رقيقة و مميزة...

قالت ذلك و هي تلهو بخصلات شعرها في دلال...
ابتسمت ليلى و سارت لتواصل عملها بعد الفاصل التاريخي الكئيب... فتحت صوان الملابس، و أخذت في تفريغ محتوياته... فالصوان كان مغلفا بالورق الأزرق من الداخل... أخذت في نزع الورق بهدوء دون تركيز... فقد أخذتها أفكارها إلى الماضي البعيد و كل ما خلفه من أحزان في هذا القصر... لا شك أن مثل هذه الحوادث الفظيعة تترك أثرا عميقا في النفس حتى إن حاول صاحبه إخفاءه... ياسين الصغير، الذي رأى أمه تموت و هو لا يزال في الطفولة المبكرة... ثم ياسين الشاب الذي يفاجأ بخطيبته تنهي حياتها بصفة مأساوية... لا عجب أنه تزوج في سن متأخرة نوعا ما. من المؤكد أنه لا يشكو من المصاعب المادية التي تدفع الشباب إلى تأخير الزواج حتى الثلاثين أو ما بعدها، لكن يبدو أن عقدة نفسية تشكلت لديه بعد تلك الأحداث المؤلمة...

فجأة انتبهت حين لامست أصابعها نتوءا في الجدار الجانبي الذي لا يصل إليه الضوء... تلمست الجدار باهتمام... يبدو أن شيئا ما وضع بين الجدار الخشبي للصوان و ورق التغليف... شيء صلب، في حجم كراس صغير... مزقت ما بقي من الورق بسرعة و فضول كبير يدفعها... أخرجت الجسم أخيرا و تأملته بين يديها في دهشة... كان بالفعل كراسا صغيرا، أو مفكرة شخصية، ذات لون أسود. نفضت عنها الغبار و جلست على الفراش. انتبهت إليها منال فاقتربت منها في فضول و جلست إلى جانبها متسائلة :
ـ ما هذا؟

لم تجب ليلى و فتحت الكراس على الصفحة الأولى و قرأت :
"كلمات كثيرة لم يستطع لساني أن ينطق بها... أخفيتها في صدري طويلا... و لم تجد لها مسكنا سوى صفحات كراسي... لكنني آمل يوما أن أجد الشجاعة لأواجه بها العالم... و أطلب الصفح على كل ما فعلت، و ما لم أفعل... الإهداء (إلى زوجي العزيز فراس)"

كانت منال تطل برأسها لتقرأ ما كتب، فهتفت في حماس :
ـ يبدو أنها مذكرات حنان!!!

قلبت ليلى الصفحة دون أن تنطق و واصلت القراءة :
"عزيزي فراس،
ليس في قاموسي كلمات توفيك حقك و تبلغك مدى امتناني لك... و أتمنى أن أرد إليك جميلك يوما ما..."

قلبت ليلى الصفحة من جديد دون أن تنتهي من الرسالة، فهتفت منال في احتجاج :
ـ انتظري... لم أنته من القراءة بعد!

كانت الصفحة الموالية تبدأ بنفس العبارة أيضا "عزيزي فراس"... و الصفحات التي تليها كذلك.
أغلقت ليلى الكراس و التفتت إلى منال و هي تقول :
ـ يبدو أن الكراس عبارة عن مجموعة رسائل موجهة إلى فراس... أظن أنه ليس من حقنا أن نطلع على ما جاء فيه، فهو يخص فراس وحده!

ترجتها منال و قد سيطر عليها الفضول :
ـ يمكننا أن نقرأه ثم نسلمه إلى فراس... و هل لن يلاحظ الفرق... أرجوك!

هزت ليلى رأسها رافضة في إصرار فألحت منال :
ـ إن كنت لا تريدين القراءة فدعيني أقرأ و لن أخبرك بما جاء فيه!

وقفت ليلى و وضعت الكراس في درج المكتب و أغلقته بالمفتاح و منال لا تتوقف عن الاحتجاج. نظرت إليها ليلى و قالت :
ـ أنا آسفة يا منال، و لكنني من وجد المفكرة... لذلك من واجبي أن أسلمها إلى فراس و لا أحد غيره، فإن وافق على أن نطلع عليها فلا بأس... و الآن هيا إلى العمل...

تنهدت منال في يأس... و أخذت تجهز الورق الجديد...

الجزء الثامن





ـ واو ليلى! الحكاية أقرب إلى الخيال!

ـ أرجوك سحر... إنها أقرب إلى الكوابيس!

هتفت سحر في حماس :
ـ ألا يبدو لك أن الانتحارات المتتالية هذه مثيرة للشكوك؟

عقدت ليلى حاجبيها و قالت في اهتمام :
ـ ماذا تقصدين؟

تنحنحت سحر ثم استطردت و هي تقول بلهجة جادة :
ـ سيدي الرئيس... أعضاء اللجنة المحترمين... إن رؤيتي للأحداث و تحليلي الدقيق للحقائق يقودني إلى الاعتقاد بأن يدا ما تتلاعب بالضحايا و تقودهم إلى المصير المحتوم، في مسرح الجريمة المشترك...

قاطعتها ليلى ضاحكة :
ـ أرجوك سحر... احتفظي بمرافعتك لقضيتك الأولى... نحن نتحدث عن انتحار و ليس عن جريمة قتل!

أردفت سحر في ثقة :
ـ ذاك هو بيت القصيد... في حالات كثيرة يعتقد بأن القضية هي عملية انتحار في حين أن القاتل قد قام بتلفيق الأدلة حتى تبدو كذلك!

هزت ليلى رأسها في عدم اقتناع :
ـ و لكن السيدة هاجر شربت الدواء... و كانت بمفردها في الغرفة!

ـ نعم... و هذا ما أريد الوصول إليه... لو فرضنا، أقول لوفرضنا... بأن هاجر انتحرت بالفعل، و هو مجرد افتراض يا عزيزتي... ثم انطلقت الشائعات حول الغرفة الزرقاء و غموضها... و أثريت القصة بطيف السيدة هاجر الشريد... ثم تتطور الأحداث و تظهر شخصيات جديدة، تنشأ عداوات تصل إلى التفكير في القتل... فيجد القاتل الأرضية الملائمة و يستغل حكاية الغرفة الزرقاء، حيث يتخلص من ضحاياه و يجعل الأمر يبدو انتحارا... باعتبار أن الغرفة تجلب الاكتئاب مثلا، أو أن الضحايا كانوا متأثرين بقصة الشبح، لست أدري... شيء من هذا القبيل، شيء على علاقة بقصة الانتحار الأولى... قولي، كيف انتحرت أماني؟

لبثت ليلى ذاهلة أمام فرضية سحر :
ـ لا أدري... لم أطلب التفاصيل...

هتفت سحر :
ـ يجب أن تسألي و تستفسري عن كل شيء... عن تفاصيل الجرائم التي حصلت... أداة الجريمة مثلا، و أماكن تواجد المشتبه بهم...

ـ انتظري أرجوك... أي مشتبه بهم؟
ـ جميع سكان القصر بدون استثناء! و يمكن حصر العدد فيما بعد... بعد دراسة الدوافع!

أطلقت ليلى ضحكة قصيرة و هتفت :
ـ سحر، أرجوك... المسألة معقدة بما فيه الكفاية... و لا تحتمل المزيد من الشكوك و التحقيقات!

تنهدت سحر و هي تقول :
ـ لو كنت مكانك لما تمكنت من النوم ليلة واحدة هانئة البال و أنا أعلم بأن القاتل لا يزال يجوب حرا طليقا!

ـ حسن... سأنظر في الأمر...

ـ لا تبدين مقتنعة!

هتفت ليلى في نفاد صبر :
ـ سحر، اتصلت بك لتخففي عني و ليس لتزيدي من مخاوفي!

ـ و لكن ماذا تريدين مني أن أفعل؟ أنا أحاول مساعدتك...

ـ طيب...

....

تخلصت ليلى من وساوس سحر بصعوبة. وضعت السماعة و هي تكتم ضحكتها على خيال سحر الواسع.
ألقت نظرة على الغرفة... كانت الفوضى تعمها، لكنها لم تعد زرقاء على أية حال. تخلصت من ورق الجدران الأزرق و كل الديكور التابع، لكنها لم تنته بعد من وضع ورق التغليف الجديد. تنهدت في إعياء... خالها اقترح عليها أن يقوم الخدم بتغيير الورق، لكنها أصرت... منال تخلت عنها لتهتم برانيا التي ملت الجلوس و تقطيع الورق! لكنها لم تندم على ذلك أبدا... فقد عثرت على كنز ثمين : مذكرات حنان!

حسن... ستنهي العمل في الغد... أما الآن فعليها الاستعداد لحفلة الليلة! تذكرت ملاحظة خالها فابتسمت.
أخذت حماما سريعا، ثم جلست أمام المرآة تتأمل وجهها. و للحظة، تخيلت حنان تجلس في مكانها، تطالعها بنفس العينين العسليتين، تبتسم شبه ابتسامة... تنهدت و هي تفكر... ما الذي يدفع فتاة دون العشرين من عمرها إلى الانتحار؟ اكتئاب في فترة الحمل؟!! مستحيل! هناك سر ما... سر لا تعلمه إلا حنان... و حنان وحدها قادرة على إخبارها بالحقيقة كاملة... تحولت نظراتها دون وعي منها إلى الدرج المغلق في مكتبها...

تناولت المفتاح من حقيبتها و أخرجت الكراس و قد استبدت بها رغبة ملحة في اكتشاف الحقيقة... تحس أن الحقيقة بين يديها... ماذا لو ألقت نظرة؟ لن يضر ذلك أحدا... لكنها ستعرف الكثير عن شقيقتها... كان الصراع قائما بين مبادئها و حاجتها إلى معرفة عائلتها... لكن يبدو أن الشكوك التي أثارتها سحر في نفسها رجحت الكفة الثانية! تناولت المفكرة السوداء بين يديها، قلبتها في حذر، ثم أخذت نفسا عميقا و فتحتها على الصفحة الثانية...

فجأة تعالت طرقات قوية على باب غرفتها. قفزت في مكانها و سقط الكراس من يدها. أفزعتها الطرقات و تسارعت دقات قلبها... انحنت لتأخذ الكراس من جديد و هتفت بصوت مختلج من الذعر :
ـ من هناك؟

جاءها صوت أمين من وراء الباب :
ـ ليلى... هل أنت جاهزة؟ لقد بدأ الضيوف في التوافد...

ـ حسن لن أتأخر...

ـ سأنتظرك في الأسفل...

ابتعدت خطوات أمين، فأخذت ليلى نفسا عميقا... نظرت إلى الكراس من جديد ثم سارعت بإخفائها في حقيبتها... ستسلمها اليوم إلى فراس، إذا لقيته في الحفلة...

همت بالخروج بعد أن ارتدت ثوبا مناسبا للحفلة الصغيرة. لكنها توقفت فجأة و قد تذكرت شيئا ما... عادت إلى طاولة الزينة و فتحت الدرج الذي أودعته صندوقها الصغير. صندوق خاص تضع فيه أشياءها الصغيرة الخاصة. فتحته في حرص، و تناولت قلادة رفيعة من الذهب الأبيض تدلت منه حلية رقيقة ذات شكل غريب... لطالما بدت لها الحلية منقوصة أو مشوهة... فهي ذات شكل مقوس، يشبه الهلال... لكن الجزء الداخلي فيه نتوءات مدببة... و قد رصعت الحلية بماسات صغيرة متألقة.

تنهدت و هي تضع القلادة حول جيدها. لم تكن تحب المجوهرات كثيرا، بل تحتفظ بقدر قليل جدا منها... و منها هذه القلادة التي تعني لها الكثير. فمع أنها ليست ذات جمال أخاذ، بل أنها قد لا تفكر في اقتنائها مطلقا إذا ما رأتها معروضة، فإنها تعتبرها أغلى ما لديها... لأنها ذكرى غالية من والدها، كانت هديته إليها في عيد ميلادها العشرين، و قد أوصاها بالحفاظ عليها لأن لها قيمة معنوية لديه. و الآن فإنها أحست بحاجتها إلى وضعها... لأنها تحسسها بقربها منه و هو بعيد. تعلم أن أفكارها تلك سخيفة، و أن القلادة لن تعيد إليها والدها... لكن يكفي أنها منه، و أنها عزيزة عليه...

نزلت السلم بخطوات بطيئة و هي تتطلع إلى البهو في حذر، فهي تتوقع أن ترى أناسا كثيرين غرباء بالنسبة إليها. لكنها فوجئت حين ألفت المكان خاليا... تقريبا... فقد طالعها وجه أمين المبتسم الذي كان بانتظارها أسفل الدرج. نظرت إليه في شك و سألت :
ـ أين الضيوف؟

ابتسم و هو يقدم إليها ذراعه للتأبطها و قال :
ـ الجميع في الحديقة... ينتظرون الشواء... تعالي، سأقدمك إليهم...

تجاهلت ذراعه و مرت من أمامه و في عينيها نظرة صارمة. ثم استدارت لتواجهه. يبدو أن وقت المصارحة قد حان! أخذت نفسا عميقا كمن يستعد لإلقاء خطاب ثم قالت بصوت هادئ و حازم في آن :
ـ أمين... يجب أن تستوعب شيئا ما... أولا، أنا لست حنان...

انفرجت شفتاه و أطلق همهمة و هو يهم بالاعتراض، لكنها قاطعته و هي ترفع صوتها :
ـ و ثــــــــــانيا...

انتبهت إلى أن صوتها بدا حادا، نظرت حولها في حذر لتتأكد من أنه لا أحد في الجوار، في حين ظل أمين مسمرا في مكانه دون أن يجرؤ على النطق، ثم أردفت و قد استعادت هدوءها :
ـ و ثانيا، عليك أن تحترم حدود العلاقة بيننا... أنت ابن خالي بالطبع، لكن من الجانب الديني أنت رجل أجنبي عني... هل تفهم معنى رجل أجنبي؟ يعني لا يحق لك أن تلمسني، أو تمسك بيدي و لا حتى تصافحني... و خاصة، خــــــــــــــاصة... لا يحق لك أن تدخل إلى غرفتي! فأصلا وقوفنا هنا، بمفردنا، خطأ في حد ذاته! هل تفهمني؟

هز أمين رأسه في حركة بطيئة و لاتزال علامات الصدمة واضحة على تقاسيم وجهه. تنهدت ليلى بصوت مسموع، ثم نظرت إليه من جديد و هي تقول :
ـ و الآن تفضل، سأتبعك إلى الحديقة...

سبقها أمين و قد سيطر عليه الذهول فلم يتفوه بكلمة واحدة، أما هي فقد ابتسمت في رضا، و سارت خلفه و هي تأمل في سرها أن يكون قد استوعب الدرس!

كان الضيوف قد تجمعوا قرب المسبح، حيث نصبت الموائد بمختلف أنواع المقبلات و فاحت رائحة الشواء الذي يعده العم هاشم غير بعيد عن المسبح. كان الحاضرون قد تفرقوا في مجموعات صغيرة يتجاذبون أطراف الحديث... رأت خالها يقف مع مجموعة من السادة المتأنقين، يبدو أنهم من رجال الأعمال و ذوي المراكز المرموقة... تذكرت السهرات الخاصة بالسفارة التي كانت تحضرها صحبة والدها... ابتسمت ابتسامة جانبية... يبدو أن الحفلات ضرورة من ضرورات الحياة المترفة، للمحافظة على العلاقات، و عقد الصفقات و توثيق الصلات...

توقف أمين و اقترب منها و هو يشير إلى مجموعة غير بعيدة عنهما :
ـ هذه السيدة نهال مراد... زوجة وزير الاقتصاد صالح مراد، كانت صديقة مقربة لوالدتي، و قد استمرت علاقتها مع العائلة إلى الآن... انظري إلى وجهها... لا تزال تحافظ على جمالها و شبابها رغم تقدمها في السن... بواسطة عمليات التجميل و شد الجلد بطبيعة الحال! السيدة التي تقف قبالتها، صديقة لوالدتي كذلك، كانت زميلتها في كلية الطب و هي الآن دكتورة معروفة في أمراض القلب و الشرايين... بالمناسبة، فراس أصر على دخول كلية الطب، حتى يحقق حلمها... فهي قد تزوجت قبل أن تتحصل على شهادة الدكتوراه... و انقطعت عن الدراسة فور حملها بفراس... و الحقيقة أنها كانت تواجه صعوبات كبيرة و تصاب بأنواع الاكتئاب و الانهيارات العصبية بضع مرات في السنة الواحدة... معاناة حقيقية!

كانت ليلى تتابع كلامه بهزات من رأسها بين الفينة و الأخرى، لكن عيناها كانت تجوبان في أنحاء الحديقة، تبحثان عن شخص محدد بين الحاضرين، و ما إن لمحته على بعد بضعة أمتار حتى اندفعت إليه في حماس. استوقفها أمين محتجا :
ـ ليلى، إلى أين؟

كانت لوهلة قد نسيت وجوده، فالتفتت إليه في حرج و هي تهمس :
ـ سأعود فورا...

هز أمين كتفيه في تسليم، في حين ثم حثت هي الخطى لتلحق بفراس قبل أن يختفي عن ناظريها. و فيما كانت تقطع طريقها بين الضيوف، لم تنتبه إلى عينين يقظتين كانتا تراقبانها في حذر... عينان شدتهما قلادتها ذات الشكل الغريب التي تتأرجح على صدرها في هرولتها فتلتمع الماسات الصغيرة تحت ضوء الفوانيس الخافت في الحديقة...

كان فراس يقف إلى مجموعة من الشبان و الشابات، لم يكن يبدو مهتما فهو يقف مكتوف اليدين و على وجهه علامات الملل، يرمي بكلمات قليلة بين الفينة و الأخرى، ثم يحول بصره إلى الجانب الآخر من الحديقة، كأنه ينتظر شخصا ما... و ما إن لمح ليلى مقبلة في اتجاهه حتى اعتذر من مجموعته و ابتعد في خطى سريعة.
تعجبت ليلى من حركته... هل هو هروب؟ تبعته في إصرار، و حين رأت أن المسافة بينهما آخذة في الاتساع، كما أنهما ابتعدا عن المسبح و صارت الأضواء خافتة، رفعت صوتها :
ـ فراس...

التفت في حدة، و بدت عليه المفاجأة. لم يتوقع أن تلحق به. نظر إليها مستفسرا دون أن ينطق ببنت شفة.
ـ فراس، هل لي أن آخذ من وقتك لحظات قصيرة؟

عقد حاجبيه كأنه يقول : هات ما عندك!
أخرجت المفكرة من حقيبتها الصغيرة و مدتها إليه :
ـ هل تعني لك شــــ...

لم يمهلها إلى أن تنهي جملتها، بل امتدت يده بسرعة لتخطف منها الكراس في عنف. نظر إليها في حذر و هتف :
ـ أين وجدتها؟

بدا من الواضح أنها تعني له الكثير، بدليل أنه تعرف إليها منذ النظرة الأولى، رغم قلة الإضاءة! لم يحتج حتى إلى فتحها و مطالعة ما فيها ليتأكد! همهمت ليلى في ذهول :
ـ وجدتها في الغرفة... حين كنت أغير ورق التغليف...

عاجلها بسؤاله الثاني و هو يقترب منها أكثر لتلمح الشدة في عينيه :
ـ و هل قرأت شيئا منها؟

تراجعت خطوة إلى الوراء و هي تتجنب نظراته الحارقة و تهمس في خوف :
ـ أبدا... اطلعت على الصفحة الأولى... و حين رأيت أنها تخصك احتفظت بها لأسلمها إليك...

اعتدل في وقفته و هو يتمالك نفسه، و لمحت نظرة غريبة في عينيه...مزيج من الحزن و الغضب... و الارتياح... تنهد بقوة، ثم همس بصوت متهدج من الانفعال :
ـ طيب...

ثم استدار ليواصل طريقه مبتعدا!
لبثت ليلى في مكانها حائرة... لم تتوقع أن تكون ردة فعله هكذا! لم يكلف نفسه حتى عناء شكري لعثوري على هذه الذكرى من زوجته! هزت كتفيها استهانة ثم عادت أدراجه إلى حيث تجمع الضيوف.
لمحت منال و قد انهمكت في الحديث مع فتاتين أخريين، فاقتربت منهن مبتسمة. بدا لها أنها سبق و تعرفت على إحدى الفتاتين، لكنها لا تذكر أين... و فجأة استدارت الفتاة فتوقفت ليلى مصدومة... أوه، لا... فات الأوان! فقد لمحتها منال و استدارت نحوها مرحبة. لم تكن الفتاة سوى رجاء، بنت خالة أبناء خالها، التي كان لها شرف الالتقاء بها منذ يومين! حاولت أن ترسم على شفتيها ابتسامة ودودة، لكن رجاء نظرت إليها شزرا كأنها تؤكد على موقفها العدائي تجاهها.

بادرتها منال :
ـ أهلا ليلى... أعرفك... سارة و رجاء... بنات السيدة إلهام، شقيقة المرحومة إيمان، زوجة عمي نبيل...

ثم التفتت إلى الفتاتين و هي تواصل عملية التعارف :
ـ ليلى... ابنة المرحومة نجاة... شقيقة عمي نبيل... و شقيقة حنان التوأم!

رحبت بها سارة بعد أن أبدت دهشتها للشبه الذي بينها و بين حنان...
استمرت الأحاديث بينهن لوهلة حول مواضيع شتى، لكن عيني سارة ظلتا معلقتين بقلادة ليلى و لم تتمالك نفسها أن سألت في فضول :
ـ قلادة جميلة... لكن، شكلها غريب... ماذا يقصد به؟

ابتسمت ليلى في حرج، و هي تتأمل الحلية بين أصابعها :
ـ لست أدري... والدي يقول بأنها ذات دلالة تاريخية... و لكنني لا أفهم الكثير فيما يخص الرموز!

ضحكت الفتيات و غيرن الموضوع بسرعة...
كانت سارة، الأخت الكبرى لرجاء، تتحرك بعفوية، و الابتسامة لا تفارق وجهها، بدت جد مختلفة عن شقيقتها، أكثر نضجا بالتأكيد، لكن أقل غرورا و ألين طبعا، و بسرعة انسجمتا في حديث ودي حول السفر و البلدان التي زارتها كل منهما... في حين بدا على رجاء الغيظ و هي تطالعهما في امتعاض واضح! هتفت منال مقترحة :
ـ يبدو أن اللحم قد نضج... ما رأيكن، لو نأخذ نصيبنا!

نالت الفكرة استحسانا من الجميع و تقدمن نحو ركن الشواء و هن لا يتوقفن عن الثرثرة. ملأت كل منهن صحنها و عادت أدراجها... لكن حين جاء دور ليلى، تسمرت أمام المشواة في شك... لمحت شيئا يحترق بين الجمرات المشتعلة، شيء في حجم حافظة الأوراق أو أكبر بقليل... لا يظهر منه سوى الجزء العلوي... و كانت وريقات مسودة تتطاير مع الرماد في الموقد... اقتربت و هي لا تصدق عينيها... و لكن لا سبيل إلى شك... فهو الغلاف الأسود عينه! فإن كان فراس قد ميزه بعد ثلاث سنوات من وفاة صاحبته، فكيف لا تميزه هي و قد كان بين يديها منذ دقائق قليلة! تسارعت دقات قلبها و هي تقترب من العم هاشم هاتفة :
ـ عم هاشم... هل لك أن تلتقط تلك الكراس الصغيرة هناك؟

نظر إليها في استغراب و كأنه لا يستوعب طلبها، فهتفت من جديد و هي ترى النار تلتهم الوريقات بشراهة محولة الكلمات إلى ذرات متناثرة :
ـ أرجوك بسرعة... إنها تحترق! لقد سقطت مني حين اقتربت من الموقد!

بدت لها كذبة سخيفة، لأن المفكرة كانت مغطاة بشكل جيد بقطع الفحم مما ينفي إمكانية سقوطها سهوا، بل يعني أن يدا ما دستها هناك مع سابق الإصرار و الترصد!

أخرج العم هاشم الكراس أخيرا و هي في حالة يرثى لها. أطفأ النار المشتعلة في أطرافها، و ليلى تتابعه بعينين تتلألأ فيهما الدموع. أخذتها منه، أو ما تبقى منها، و لفتها بإحكام بمناديل ورقية، ثم أخفتها في حقيبتها من جديد ثم ابتعدت باتجاه غرفتها، و هي تحبس عبرتها بصعوبة، بعد أن تأكدت بأن أحدا لم ينتبه إلى ما كانت بصدده...

لماذا فعلت ذلك يا فراس... لماذا؟

avatar
شموس
Admin

الجنس : انثى
الابراج : العقرب
عدد المساهمات عدد المساهمات : 17804
العمر العمر : 34
الموقع الموقع : egypt
المزاج المزاج : تمام :D
نبذة مختصرة نبذة مختصرة : الضمير صوت هادئ..يخبرك بأن هناك من يراك دائما

https://www.shmos.net https://www.facebook.com/ShmosNet https://twitter.com/ShmosNet

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية ياقاتلى اين المفر

مُساهمة من طرف شموس في الجمعة أبريل 28, 2017 6:28 pm

الجزء التاسع






كانت تتنفس باضطراب و هي تزيح المناديل الورقية البيضاء برفق لتظهر بقايا الكراس المتفحمة... تجمعت الدموع في عينيها من جديد و هي تحاول أن لا تتفتت قطع الورق بين أصابعها قبل أن تطالع ما فيها من كلمات متناثرة يحيطها السواد و قد صار حبرها ضبابيا بمفعول الحرارة... لم تجد أثرا للصفحات الأولى التي رأتها في المرة الماضية. تنهدت في حزن، فقد كان الكراس بين يديها، و كان بإمكانها أن تقرأ كل شيء... كل شيء، دون أن يحس فراس أو يعلم!

عضت على شفتها السفلى في أسى... هل ندمت؟ لا... فهي في نهاية المطاف لم تفعل إلا أن طبقت مبادئها التي رباها عليها والدها و غرسها في نفسها... كم من المواقف أشعرتها بأن مبادئها تلك أكل عليها الدهر و شرب و لم يعد لها مكان في المجتمع الحديث المتحضر! و هذا موقف آخر... هزت رأسها في عنف لتطرد تلك الأفكار السخيفة... لا، لن يزعزع ثقتها...

حارت عيناها بين الكلمات المبعثرة التي ترقص على الورق أمامها... و لا جملة كاملة! استمرت في تقليب الصفحات، و الألم يعتصر قلبها، و الأمل يتراجع في داخلها. لكنها أخيرا عثرت على صفحة نصف محترقة! فلننظر إلى النصف الملآن من الكأس... بقي النصف السليم من الصفحة... التهمت عيناها الكلمات التهاما، كأنها تخاف أن تتبخر هي الأخرى... أنهت الأسطر القليلة و هي تلهث. لبثت تطالعها و الصدمة جلية على ملامحها... عادت لتقرأها بتأن و هدوء... و هي تتمعن في كل كلمة و كل حرف... و هي تحس بأنفاسها توشك على الانقطاع من وقع ما قرأت... و دقات قلبها تضرب صدرها بعنف...

"... لست مضطرا إلى تحمل أخطائي و لا إلى تحمل مسؤولية زلاتي... أفضل مائة مرة أن تعاملني أمام الناس كما تظن أنني أستحق، على أن أتحمل لطفك و دفاعك المزيف أمام خالي و بقية أفراد العائلة... لكن معك حق، فشخص مثلي لا أمل له في الحياة... كان يجب أن أموت معها، ليتها لم ترحل و تتركني وحيدة..."

رفعت عينيها في دهشة... ما الذي فعلته يا حنان حتى يعاقبك فراس... عقابا يخفي حقيقته عن العيون؟ و ماذا عن شبح الموت الذي تناجيه حنان في رسائلها؟ لا شك أنها تتحدث عن وفاة نجاة، والدتهما...
عادت إلى الكراس الصغير، و بأصابع مرتجفة، قلبت الصفحة...

"... أعلم أنك تحتقرني، بل تكرهني... و لا تحتمل حتى النظر في وجهي. لكنني لم أعد أحتمل إهاناتك المستمرة و نظراتك السامة التي تطالعني بها كلما صرنا بمفردنا... ليتك تضربني، على الأقل كنت لأرى علامات على جسدي تثبت لي قسوتك و دناءتك... بل ليتك أنهيت معاناتي في تلك الليلة، ليت قبضتك التي اعتصرت عنقي أخمدت أنفاسي مرة واحدة و إلى الأبد. لماذا أبقيت على حياتي؟ لتقتلني كل يوم ألف مرة؟ الحياة معك بهذا الشكل عذاب لا يطاق، بل لم أتوقع أن مثل هذا العذاب قد يوجد..."

ألا تزال تخاطب فراس في رسالتها؟ هو نفسه... "عزيزي فراس"، و "أنا ممتنة لك"؟ حياتها معه عذاب؟ حياتهما معا التي لم تستمر سوى أشهر قليلة!!! أي نوع من الأزواج كانا؟ إهانات و نظرات سامة... و ماذا بعد؟ رأت ليلى شريط الأحداث يتقدم بسرعة أمام عينيها... عذاب حنان... قسوة فراس... الضحية... و الجلاد... توالت المشاهد أمام عينيها كأنها شهدتها، أو ربما كانت ترى نفسها مكان حنان، تحس ما أحسته، و تطالع فراس بعينين خامدتين، قد ودعتا الحياة... لماذا، يا فراس... لماذا؟ توقف الشريط عند مشهد النهاية... انهيار، يأس، انتحار... أم تراه غير ذلك؟ عادت إليها شكوك سحر... أخذت فرائصها ترتعد، و سالت دموعها على وجنتيها دون وعي منها...

كل تلك الأفكار التي هاجمت عقلها في لحظة واحدة كانت أقوى مما تستطيع احتماله، هي، ليلى القوية... ليلى الصامدة، التي عاشت الطفولة و المراهقة شبه وحيدة و تعلمت أن تحبس دموعها و تبتلعها... راحت تبكي بحرقة، و أخذت أنفاسها تتسارع، و علت شهقاتها لتملأ فراغ الغرفة... التي كانت زرقاء... الغرفة التي شهدت المأساة... مأساة توأمها التي لم تعرفها! لم تكن قد استوعبت بعد أنها قد انتحرت، حتى وجدت نفسها هنا... و هنا فقط، في مسرح الأحداث، تحركت أشياء في داخلها... طفت الصدمة من جديد على السطح، حين تخيلت نفسها مكانها... بل حين استوعب عقلها بشاعة مصيرها... كانت في البداية تعاين الأحداث كأنها لا تعنيها، كقصة غريبة، عن شخص غريب، ترويها شفاه غريبة... لكنها الآن معنية أكثر من أي لحظة مضت... إنها الآن هنا... أصبحت مسؤولة دون أن تدري عن كشف الحقيقة... فأين المفر؟

لكن ما أرعبها و عبث بنسق دقات قلبها، هو شكها، الذي بات يقينا، بأن لفراس يدا فيما حصل لحنان! سواء كان ذلك بصفة مباشرة أو غير مباشرة، فهو الذي دفعها إلى الانهيار... يقتلها في اليوم ألف مرة؟ فراس الذي كانت بالأمس تعطف عليه و ترغب في مواساته... ماذا صارت تحس تجاهه الآن؟ تذكرت نظراته النارية القاسية... تجهمه، عبوسه و غضبه... كان يعاملها بتلك الطريقة طوال الوقت... و هي زوجته؟!

"... حين أفكر بأن حياتنا معا قد تستمر طويلا، يصيبني الغثيان! ليتك فقط تفي بوعدك و تريحني من هذا العناء... لم يعد هناك الكثير، و قريبا... قريبا أخرج من هذا الكابوس..."

أحست بدوار يلم بها، يعصف بدماغها... أراحت رأسها على خلفية السرير... لا تستطيع أن تركز، التفكير يرهقها، يتلف أعصابها... لا تريد أن تصل إلى نتائج مرعبة... كيف غابت تلك الحقائق عن الجميع، و كيف نامت المأساة بين طيات المفكرة المفقودة طول السنين الماضية، لتأتي هي بصدفة...لا، بل بتقدير القادر... لتكشف الستار...

اكتئاب الحمل؟!! أطلقت ضحكة صغيرة ساخرة... من تراه صاحب الكذبة السخيفة؟ هل هو أنت... فراس؟

لكن هناك حلقة مفقودة... كلام حنان لا يزال غامضا... ماهي الأسباب التي أدت إلى تدهور العلاقة بينهما إلى تلك الدرجة؟ بل كيف كانت العلاقة قبل زواجهما؟ و ماهي الظروف إلى أدت بهما إلى الزواج؟ أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات... و فورا!

عادت لتبحث من جديد بين قطع الرماد... تبحث عن دافع، تفسير، تبرير منطقي لما حصل... فراس كان بلا شك على علم بما ورد في الكراس، لذلك حاول التخلص منه، رماه في المحرقة... طريقة الإعدام في القرون الوسطى! أراد إعدام الدليل... الشاهد الوحيد على قيد الحياة على ماضيه الأسود مع حنان... لم يكن يريدها أن تدخل الغرفة منذ البداية... كان خائفا من الحقيقة، خائفا من أن تعثر على دليل يدينه، خاصة و هو يعلم بوجود هذا الدليل... لكنه لا يعلم أين أخفته يد حنان الصغيرة عن العيون...

كانت الأفكار التي تدور في رأسها كلها سوداء... و المفكرة التي بين يديها سوداء... و أصابعها تلطخت بالفحم الأسود... رفعت رأسها، فاصطدمت بصورتها التي انعكست على المرآة المقابلة... كانت هالات سوداء، ظهرت فجأة، تحيط بعينيها. هالها شكلها... ملامحها غائرة، و العرق يملأ وجهها... تابعت قراءتها في صفحة أخرى، نجا جزء منها من المحرقة :

"لم أحس يوما بالانتماء... إلى عائلة... عائلة تغمرني بحنانها و أشعر بالدفء بين أفرادها... و كان حلمي بالزواج هو حلم كل فتاة مراهقة في سني، الفارس الشهم على فرس أبيض، حب و سعادة و شهر عسل... لكن الحقيقة كانت مختلفة كل الاختلاف... لا عائلة، لا حب... و حتى شهر العسل حرمتني منه! و لكنني لا ألقي باللائمة عليك، فأنا التي وافقت على جميع شروطك، و ظننت أنني الرابحة في الصفقة! ظننت أنني قد..."

وقفت ليلى أمام الجملة المبتورة، التي احترقت نهايتها، في حيرة، تحاول أن تصل إلى ما وراءها... صفقة؟ شروط؟ بينهما عقد... لكن يبدو أنه عقد من نوع آخر!! بدأت الصورة تتضح في ذهنها، نوعا ما... صورة الزواج الغريب الذي جمع أختها بابن خالها... مصالح مشتركة... ثم؟
يبدو أن أحد الطرفين أخل ببند من بنود العقد! ابتسمت في سخرية و في حلقها طعم مرارة... الزواج، العقد... الرباط المقدس... لم يكن سوى مهزلة... ترددت في رأسها نصوص القانون التي درستها وحفظتها عن ظهر قلب طوال السنين الماضية... العقود... "القانون لا يحمي المغفلين!"... هل كانت حنان مغفلة؟

"... أمامك خياران... أن تقتلني، أو أن تتركني أقتل نفسي... لكنني في كلتا الحالتين أحملك المسؤولية... و سأترك كل الأدلة ضدك! لست أطلب إذنك، و لكنني أتمنى أن أرى وجهك بعد رحيلي... بعد أن أكون قد حققت خطتي وحدي، و تمردت على رغباتك... فلست نادمة على شيء بقدر ما أنا نادمة على انصياعي لك..."

لم تعد تحتمل، تشويش طغى على أفكارها... انقطع الإرسال... أراحت رأسها على الوسادة و هي تحس بتعب عقلي و نفسي و جسدي في آن... أرسلت تنهيدة حرى، و ارتخت عضلاتها... متعبة... لم تدر كم مر عليها من الوقت و هي في تلك الوضعية، تصارع الهواجس و الكوابيس...

فجأة، ارتفعت دقات عميقة... لم تكن في رأسها، بل على باب الغرفة. بالكاد استطاعت أن ترفع رأسها قليلا و تهمس بصوت شبه مسموع : من هناك؟

سمعت أصواتا و لغطا في الخارج، ثم فتح الباب و اقتربت منها الأقدام. سارعت إليها منال و هي تهتف في قلق :
ـ ليلى هل أنت بخير؟

هزتها من كتفيها و تلمست وجهها المبلل بالعرق و هتفت من جديد :
ـ أنت محمومة! يجب أن يراك طبيب... سارة أرجوك، استدعي فراس فورا...

ما إن سمعت اسمه حتى فتحت عينيها رغم الضعف الذي سرى في أوصالها و هتفت في رعب :
ـ لا... لا أريد!

توقفت سارة في تردد، فحثتها منال على الذهاب بنظرة من عينيها و إشارة برأسها، ثم التفتت إلى ليلى و هي تهمس في حنان :
ـ لا تكوني طفلة... أنت لا تخافين من الحقن، أليس كذلك؟

كانت تريد أن تصرخ... لا أريد طبيبا، لا أريد فراس! أرجوكم، لا تدعوه يقترب مني... لكن كلماتها بقيت محبوسة في حلقها... تحركت شفتاها ببطء، لكن صوتها لم يكن مسموعا... خارت قواها دفعة واحدة، فأغمضت عينيها و غابت عن العالم للحظات... لم تعد تشعر بشيء مما حولها... لكن الأصوات تتسلل إلى عقلها متداخلة و باهتة... ثم ظهر صوته ضبابيا و هو يهتف : "هل هي بخير؟ ..."
و ماهي إلا لحظات حتى راحت في نوم عميق...



حين استيقظت، كانت بمفردها في الغرفة... رفعت ذراعها في إعياء و تحسست جبينها. كانت لا تزال تحس بالدوار، لكن وجهها لم يعد ملتهبا... تذكرت ما حصل، منال و سارة في الغرفة... ثم...لا!!! فراس كان هنا! نعم كان هنا، إنها متأكدة... أحست بوجوده حولها رغم إغمائها، أنفاسه تبعث التوتر في الجو... استقامت في جلستها فجأة، و تلفتت حولها في ذعر... الكراس! أين هو؟ كان إلى جانبها حين أغمي عليها... دارت حول نفسها، قطعت الغرفة جيئة و ذهابا و هي تلقي بالأشياء حولها في جنون، تفتح الأدراج و تغلقها، تقلب اللحافات و قطع الملابس، تنحني لتلقي نظرة تحت قطع الأثاث... تمسك برأسها في ألم، و تعيد جولتها في الغرفة و أنفاسها تتردد بضعف في صدرها... لا تزال مريضة... تحس بوخزة الحقنة في ذراعها...

لا!!! مستحيل! لم يعد هنا... اختفى! حتى المناديل الورقية التي كانت تلفه اختفت هي الأخرى... بلا أدنى أثر! اختفى الدليل الأخير، ألقى به في محرقة أخرى ذاك... ذاك... ذاك الحقير! لم تكن الكلمة في قاموسها قبل اليوم، لم تجد في نفسها حاجة لاستعمالها. لكن اليوم... اليوم تشعر بالغضب يتطاير من جميع خلايا جسدها... كأن مشاعرها زجت داخل بوتقة تصهرها و تعيد تشكيلها... لم تكن تعرف الغضب و لا الكراهية... لكنها اليوم بركان ثائر... كأن حنان قذفت بحمم كلماتها إلى صدرها... و صارت تغلي في عروقها مشاعرها اليائسة و حقدها الدفين على فراس...

ألقت بنفسها على السرير ثانية و أخفت وجهها بين كفيها... لعل الدموع تطفئ لهيب بركان صدرها...
تناولت الهاتف بيدين مرتجفتين، حين جاءها الرد هتفت بصوت مخنوق من العبرة :
ـ سحر... النجدة!
الجزء العاشر




كان صباحا ربيعيا مشرقا... أزاحت الستائر و تركت أشعة الشمس تداعب أركان الغرفة وتزيد اللون الوردي إضاءة. ملأت رئتيها بالهواء النقي الذي حمل إليها عبير الورود. ابتسمت ببراءة... كم هي في حاجة إلى استرجاع شيء من الصفاء، من الفطرة المتفائلة المطمئنة...

أنهت عملها في الغرفة، و تخلصت تماما من بقايا الغرفة الزرقاء... لكنها لم تتخلص بعد من مخلفات الليلة الماضية و تأثيرها على نفسيتها... شغلت نفسها بكل شيء و أي شيء... تريد أن تمنع الهواجس من التسلل إلى عقلها، حتى تفكر باتزان و روية. تحس في نفسها حاجة إلى الراحة... راحة تستجمع فيها قواها و تنظم أوراقها التي بعثرتها الاكتشافات الأخيرة...

قررت أن تخرج من الغرفة... الساعة كانت تشير إلى الحادية عشرة إلا ربع. في مثل هذا الوقت يكون القصر شبه خال... خالها و ياسين يكونان في الشركة... فراس يكون في المستشفى أو في العيادة... و كل ما يهمها في الوقت الحالي هو أن تتجنب رؤيته... بالكاد تخلصت البارحة من فكرة أن يكون قد دس لها سما في الإبرة التي حقنها إياها!

فتحت الباب في هدوء و أطلت برأسها في حذر... تأكدت من أنه لا أحد في الممر، فتقدمت في خطى وئيدة، أغلقت الباب وراءها و هرولت في اتجاه الدرج، لا تريد أن يعترض أمين طريقها... إنها في حاجة إلى جلسة هادئة ومريحة في الحديقة... لتسترخي و تستعيد هدوء أعصابها... ففي ركنها الخاص الذي تعودت الجلوس فيه منذ إقامتها هنا، تجد الطمأنينة و السكينة...

كان تسير مسرعة و تلتفت وراءها باستمرار... لتتأكد من أن أحدا لم يلمحها... و خاصة أمين الفضولي الذي لا يمكنها أن تتحمل ثرثرته اليوم... فجأة، اصطدمت بجدار أمامها في عنف و كادت تفقد توازنها لولا أن استندت بذراعها على حائط الممر. أطلقت صرخة خافتة و هي تسمع صوت ارتطام أشياء سقطت على الأرضية الرخامية. رفعت عينيها لتلتقي بعينين تعرفها جيدا... عينيان تثير نظرتهما فيها مشاعر كثيرة... الخوف و الشك و مؤخرا... الاشمئزاز! فلم يكن الجدار الذي اصطدمت به سوى... فراس!!! لوهلة بدا لها عملاقا، ربما لأنها لم تقف قريبة منه من قبل... أو ربما لكل الأفكار السوداء التي سكنت خيالها عنه و عن ماضيه...

تراجعت في ذعر و مشاهد كثيرة تتدافع في رأسها... لقاؤهما البارحة في حفلة الشواء، الكراس المحترق، المذكرات... الحمى... الحقنة... و الكراس الذي اختفى!

لم يعد هناك ما تخفيه... صارت تعلم الكثير من الحقائق... و هو يعلم بأنها تعلم... و لا مفر من المواجهة! تمالكت نفسها بصعوبة، و أطلت من عينيها نظرات صارمة قاسية... هو الذي يجب أن يخاف منها، لأنها كشفت سره... و ليس هي! و لكن الكراس اختفى و لم يعد بيدها أي دليل... إذن كلمتها ضد كلمته؟!

قاطع أفكارها صوته و هو يسألها :
ـ هل أنت بخير؟

عجزت للحظات عن التفكير... طالعته في شك و ريبة... هل يسخر منها؟ ما هذا الذي في صوته؟ اهتمام؟ عطف؟ أم استجواب طبيب لمريضه؟ لبثت تنظر إليه في حيرة...

بدا عليه الارتباك و هو يقول :
ـ كنت محمومة البارحة... أنت لا تأكلين جيدا، و جسدك يضعف يوما بعد يوم... عليك بالتزام حمية غذائية مناسبة لاسترجاع قواك...

رفعت حاجبيها في دهشة و هو يواصل بصوت خال من التعبير :
ـ لقد أعطيت التعليمات اللازمة لعم هاشم بشأن طعامك...

قاطعته في حدة :
ـ لا علاقة لك بطعامي و لا بصحتي!

حدجها بنظرة غاضبة أوقفتها على الفور و جعلتها تندم على تحديه... تعلم أن غضبه من النوع الفتاك... لكنه تنهد بصوت مسموع و قال بهدوء :
ـ أنا في الوقت الحالي طبيبك... و عليك اتباع تعليماتي للتعافي... ربما لم تجدي الجو المناسب هنا، و غياب والدك أثر على نفسيتك... لكن عليك أن تهتمي بنفسك أكثر، حتى يجدك عمي نجيب في كامل صحتك حين عودته...

شدت على أسنانها بقوة... كأنه لا يعلم ما الذي أثر على نفسيتي! أي لعبة تلعبها يا فراس؟ هل تظن بأنني سأغير فكرتي عنك لقناع اللطف الذي تضعه على وجهك لساعات قليلة في اليوم؟ أنت تعلم أنني كشفت عن جوانب شخصيتك الأكثر سوادا، لذلك لا داعي للتحايل...

كان لا يزال يقف أمامها، صامتا... كأنه لم ينته بعد من كلامه... متردد؟ أوراقه و ملفاته مبعثرة على الأرض، و هو لا يهتم بجمعها...تساءلت في ضيق... ما الذي جاء به في هذا الوقت بالذات؟ أليس من المفروض أن يهتم بمرضاه الحقيقيين؟! لا يمكنها أن تتخيل أن شخصا مثله يعمل طبيبا، يخفف عن الناس و يشفي آلامهم!!! ازداد اشمئزازها من الفكرة...

مضت الثواني ثقيلة، لا يمكنها أن تحتمل أكثر... تشجعت، ابتعدت عنه، و مرت من جانبه مندفعة باتجاه السلم، تجاوزته و هي تلهث... داست على ملفاته في شماتة...

استوقفها فجأة :
ـ ليلى...

تسمرت في مكانها على الدرجات الأولى. هل سيعنفها؟ ما الذي دهاها حتى تتحداه بتلك الطريقة؟ تصرخ في وجهه، تتجاهله ثم تدوس أوراقه... كأنها لا تدري ما بمقدوره فعله!

لكنه لم يمهلها لتتدارك موقفها... فاجأتها نبرته، و كلماته :
ـ أنا آسف...

استدارت و هي لا تكاد تصدق أذنيها. إنها المرة الثانية التي يعتذر فيها فراس منها!!! لم تعد تفهم شيئا!

تابع في هدوء دون أن ينظر إليها :
ـ كنت متعبا البارحة... تصرفت بتهور... ما كان يجب أن أصرخ في وجهك...

متعب؟ تهور؟ هل هذا كل ما تملكه من مبررات؟ هل هكذا أيضا ستبرر تصرفاتك مع حنان و معاملتك السيئة لها؟ هل تسخر مني يا هذا؟

لم تعلق بكلمة... استدارت و تابعت نزول السلم... قطعت البهو و هي تنظر بلهفة إلى المخرج، كأنها تفر... تريد أن تفلت من حصاره، أن تبتعد عن محيط تواجده قدر الإمكان. حين وصلت إلى الباب الخارجي حانت منها التفاتة... كان لا يزال مسمرا في أعلى السلم، موليا إياها ظهره... يضع كفه على جبينه، و الأوراق لا تزال مبعثرة على الأرض... يعيد حساباته؟

تجاوزت الباب مسرعة و اختفت في الحديقة... لم تنتبه إلى الشخص الذي كان يراقب المشهد مستندا إلى باب المطبخ، عاقدا ذراعيه أمام صدره. ثم لم يلبث أن عاد إلى الداخل في هدوء...



*********


طرقات على بابها من جديد... كانت قد عادت إلى غرفتها منذ نصف ساعة بعد أن تأكدت من مغادرة فراس للقصر، لمحته و هو يركب سيارته الباسات البيضاء من مجلسها الخفي في الحديقة... لم تكن نتائج خلوتها في أحضان الطبيعة كالمرجو... فقط زادتها تصرفات فراس المتناقضة تشوشا...

وقفت في تثاقل و فتحت الباب و هي تبتهل في سرها... يا إلهي أرجوك، إلا أمين، ليس الآن وقت الثرثرة و الدعابات... و لكن لحسن حظها، طالعها وجه منال المبتسم!

احتضنتها في ود، و أخذت بيدها لتجلسها على الفراش وهي تقول في مرح :
ـ كيف حال صغيرتنا اليوم؟ أرأيت... ليست الحقن مخيفة كما تظنين!

ابتسمت ليلى في تعب و هي تقول في نفسها... لم أخف يوما من الحقن... لكن الطبيب هنا هو الداء عينه!

ـ شكرا لك يا منال... أنا بخير الآن... كانت مجرد وعكة خفيفة...

رفعت منال سبابتها أمام وجهها متوعدة :
ـ الطبيب يقول بأن جسدك ضعيف مما يجعل مناعتك تتهاوى أمام أدنى فيروس... عليك بالاهتمام بأكلك... و أنا من اليوم سأراقبك و أسهر على تطبيق تعليمات الطبيب...

تنهدت ليلى في يأس. إنها لا تفهم، لا أريد شيئا من هذا الطبيب! فقط أن يبقى بعيدا عني...
رمقتها منال بنظرة متفحصة، و بدت الجدية على ملامحها. راقبتها ليلى و هي تقف و تتناول حقيبتها التي وضعتها على المكتب حين دخولها. جلست من جديد و بهدوء تام، أخرجت لفافة بيضاء من حقيبتها... تطلعت إليها ليلى في دهشة و فضول... مدت إليها منال اللفافة... لفافة الورق الأبيض! تسلمتها ليلى و قد تضاعفت حيرتها أضعافا كثيرة... أزاحت غلاف الورق بسرعة تحت عيني منال، لتجد ما توقعته بالضبط... المفكرة المحترقة!

رفعت عينيها إلى منال و هي تنتظر تفسيرا. ابتسمت منال و هي تقول :
ـ كانت إلى جوارك حين دخلت عليك مساء البارحة... و لم يكن من الحكمة أن يراها فراس أو سارة عندك... لذلك أخفيتها عن الأنظار، حتى تستعيدي عافيتك...

ثم أضافت و هي تغمز بعينها في مرح :
ـ كما أنني لم أستطع مقاومة فضولي لمعرفة ما جاء فيها من حكايات!

كانت ليلى في ذهول تام. و لقاؤها مع فراس هذا الصباح؟ كانت تتصرف على أساس أنه يعلم بأن المفكرة كانت عندها! و الآن فإنها ستثير شكوكه بتصرفاتها المتهورة تلك... هزت رأسها في استياء...

انحنت منال إلى الأيام لتضغط على كف ليلى في حنو و هي تواصل :
ـ أعلم أن ما جاء فيها سبب لك آلاما و هواجس و كوابيس... لكن من الجنون أن تصدقي أكاذيب حنان!

عقدت ليلى حاجبيها في دهشة و هتفت محتجة :
ـ ما الذي تقولينه؟ إنها مذكراتها؟!!!

هزت منال رأسها نافية و هي تقول :
ـ أنت لا تعرفين حنان... كانت مولعة بالقصص البوليسية و حس المغامرة لديها مرتفع للغاية! تحب نسج القصص الخيالية و تجعل نفسها بطلتها! مذكراتها هذه ماهي إلا قصص مختلقة لا أساس لها من الصحة!!

هتفت ليلى في انفعال :
ـ على أي أساس تحكمين ببطلان ما كتبته حنان هنا؟

أجابت منال في ثقة :
ـ أنا أعرف فراس جيدا... ليس بقادر على إيذاء نملة! فكيف يعذب زوجته؟ كما أعرف حنان جيدا و أعرف مقالبها السخيفة و ألاعيبها الطفولية! كانت مراهقة شقية...

لم يبد على ليلى الاقتناع :
ـ لكنك لا تعرفين شيئا عن ظروف زواجهما و طبيعة العلاقة بينهما! تصرفات فراس كانت متناقضة... يعاملها بلطف أمام الجميع... و ما إن ينفرد بها، حتى يصبح شخصا آخر تماما... وحشا عديم المشاعر!

تغيرت سحنة منال و رمقت ليلى بنظرة طويلة، ثم قالت فجأة :
ـ إلام تلمحين؟

سكتت ليلى مبغوتة... إلام تلمح؟ إلى أنه السبب في موتها؟ إلى أنه يتحمل مسؤولية ضياع شبابها؟ أليس الأمر واضحا؟ لكنها لا تملك دليل إدانة... حنان تقول بأنها ستجعل الأدلة ضده حتى تورطه... فأين هي تلك الأدلة؟

قاطعت منال أفكارها و هي تقول في حزم :
ـ إذا كنت تظنين بأن فراس يعاني من انفصام في الشخصية، فأنت مخطئة...

فوجئت ليلى بتعليقها، و كادت تنفجر ضاحكة... هل هذا كل ما خطر على بالك يا منال؟ انفصام في الشخصية؟! كم أنت مسالمة و بريئة!
لكن منال تابعت في جدية :
ـ حنان هي التي كانت تعاني من مرض نفسي مزمن...

رفعت ليلى حاجبيها في دهشة و اهتمام :
ـ حنان تعاني من مرض نفسي؟

هزت منال رأسها مؤكدة :
ـ كنت أشك في ذلك طوال الوقت، لكنها رفضت الخضوع لفحص طبيب نفسي... و فراس كان يعاملها بحرص حتى لا يخدش مشاعرها، و لا يشعرها بأنها مريضة... و بعد أن توفيت السيدة نجاة، أصابها اكتئاب شديد، و زاد الحمل من تأزمها... فانتقلت من الجناح الذي خصص لها و فراس بعد الزواج، لتعود إلى الغرفة الزرقاء... إلى هنا... حيث صارت تعتزل الجميع و تنفرد بمفكرتها الصغيرة السوداء، تخط فيها أفكارها الجنونية... تأكدت من ذلك بعد أن قرأت مذكراتها هذه...

هتفت ليلى في عدم تصديق :
ـ هل تقولين بأن حنان كانت مجنونة؟!!

ارتبكت منال و تلعثمت... كانت مترددة، لكنها قالت أخيرا محاولة تدارك موقفها :
ـ لا أقول بأنها مجنونة حقا... لكنها لم تكن طبيعية تماما، و أصبحت تصرفاتها شاذة... خاصة بعد انطوائها و اكتئابها المتواصل في الفترة الأخيرة... كانت على حافة الجنون لا محالة!

عاندت ليلى و هي تقول في حدة :
ـ لكن مرضها لم يثبت بفحص طبيب نفسي!

لوحت منال بكفيها أمام وجهها في استهانة و هي تقول :
ـ حسن، كما تشائين... ربما لم تكن مجنونة، لكن مذكراتها مجنونة قطعا... و ستكونين أكثر جنونا لو صدقت تخاريفها... صدقيني أنا أعرفها و أعرف فراس جيدا...

وقفت و هي تهم بالمغادرة، لكنها استدارت فجأة و اختطفت الكراس الذي كان لا يزال بين يدي ليلى و قالت و هي تتجه إلى الباب أمام دهشة ليلى :
ـ لكنني سأحتفظ بهذا... كي لا تزورك الكوابيس يا عزيزتي...

استوقفتها ليلى و هي تهتف في تحد :
ـ إذن لماذا أحرق فراس المفكرة إن كان متأكدا من براءته مما جاء فيها؟!

واجهتها منال للحظة و في عينيها نظرة ذات معنى... ابتسمت و هي تقول في هدوء :
ـ ليتجنب ردة فعل كهذه!

ثم توارت عن الأنظار... مخلفة وراءها ليلى... في قمة الحيرة...

الجزء الحادي عشر




ـ خالة ليلى...

رفعت عينيها عن الرواية الفرنسية التي كانت بين يديها في استغراب. و ما إن وقعت عيناها على الملاك الصغير الذي يقف على ساق و يحرك الأخرى متمايلا في دلال و هو يجمع كفيه خلف ظهره، حتى ملأت الابتسامة وجهها و همست في حنان :
ـ تعالي، رانيا...

اقتربت الصغيرة بخطى مترددة و غمغمت مجددا بصوت رقيق :
ـ خالة ليلى... هل تأتين معنا إلى المزرعة؟

قربتها ليلى منها أكثر، بعد أن وضعت الرواية على المقعد المجاور من الصالة العلوية حيث تجلس، و لم تتمالك نفسها أن قبلتها في حب... ثم سألتها في اهتمام :
ـ مع من ستذهبين إلى المزرعة؟

أخذت الفتاة تعد على أصابع يدها بصوت مرتفع :
ـ مع ماما... و الخالة ليلى... و رانيا...

ثم مدت يدها إلى ليلى مبرزة الإبهام السبابة و الوسطى، و هتفت :
ـ نحن الثلاثة!

ابتسمت ليلى و هي تتأمل عيني الفتاة الشفافتين، و كأن البراءة نفسها تطل من مقلتيها... ثم انحنت إلى الأمام و همست إليها في حذر و هي تلهو بخصلات شعرها الكستنائي السبط بين أصابعها :
ـ و عمك فراس... ألن يذهب معنا؟

بدا على رانيا التفكير للحظات، لكنها سرعان ما أفلتت من ليلى، و ركضت إلى الجانب الآخر من القاعة في اتجاه الممر. تابعتها ليلى في تعجب. لكن ما لبثت أن تناهى إلى مسامعها حفيف و وشوشة آتيان من الممر... و ماهي إلا ثوان حتى عادت رانيا و هي تركض من جديد. وقفت أمام ليلى التي كتمت ضحكتها بصعوبة، و قالت :
ـ عمي أمين سيأخذنا...

ابتسمت ليلى من جديد، في ارتياح... و قالت مداعبة :
ـ و أين بابا إذن؟ ألا يحب بابا المزرعة؟

كان من الواضح أن الصغيرة لا تملك الجواب على هذا السؤال أيضا... همت بالركض مجددا إلى مصدر إلهامها القابع في الممر. لكن ليلى أمسكتها من ذراعها و هي تضحك، و قالت :
ـ تعالي... لا داعي إلى البحث عن جواب هذا السؤال...

ثم رفعت صوتها هاتفة :
ـ منال، يمكن الخروج من مخبئك! كشفتك!

أطلت منال برأسها ضاحكة. ثم نظرت إلى ابنتها متظاهرة بالغضب و هتفت :
ـ رانيا... ألم أوصك بأن لا تخبريها بأنني هنا!

عبست رانيا و صاحت في احتجاج و دموعها على أعتاب مقلتيها :
ـ أنا لم أقل شيئا!

احتضنت ليلى الصغيرة و هي تعاتب منال :
ـ لا تصرخي في وجهها... رانيا لم تقل شيئا... لكنني كشفتك بذكائي!

ضحكتا معا، ثم انصرفت منال لتستدعي أمين و دخلت ليلى غرفتها لتغير ملابسها. بعد قليل عادت منال و على وجهها علامات الاستياء :
ـ أمين ليس في غرفته... و العم صابر يقول بأنه لم يقض ليلته في القصر! أين تراه يكون؟

عقدت ليلى حاجبيها متفكرة. كانت آخر مرة رأته فيها ليلة البارحة في الحفلة، أراد أن يعرفها على الضيوف، لكنها تركته حين رأت فراس... هزت رأسها لتبعد عنها صورة فراس التي تبادرت إلى ذهنها من جديد، بعد كل الجهد الذي بذلته لتبقيها بعيدا... كانت قد قررت أن تنسى الموضوع مؤقتا، ريثما تستقر حالتها الصحية و تتماسك، فالدوار لا يزال يعاودها بين الحين و الآخر، و لم تتحمل الانفعالات... و لكن يا ليتها تستطيع!

ـ ما الحل إذن؟

فكرت منال لبرهة ثم التمعت عيناها و هي تقول :
ـ ليس أمامي إلا أن أفسد على ياسين قيلولته!

أخذت رانيا من يدها و همست إليها :
ـ تعالي حبيبتي... سأرسلك في مهمة...

ابتسمت ليلى و هي تراقبهما مبتعدتين و منال تلقن صغيرتها تفاصيل خطتها الجديدة...



*********


سرحت ببصرها إلى الخارج عبر نافذة السيارة التي أبطأت من سرعتها عند مرورها بمركز المدينة. كانت الشوارع مزدحمة و السيارات تسير متقاربة. تاهت نظراتها في الطريق... و أخذها التفكير. كلما كانت على سفر، أو في رحلة من مكان إلى آخر، تراودها أفكار غريبة، بخصوص رحلتها الطويلة... تلك التي يسمونها الحياة! لكن اعتبارها لحياتها اختلف منذ وصلت إلى هذه البلاد... كانت أول محطة لها في حياتها... هنا استنشقت أول أنفاسها... لكنها غادرتها سريعا، و لم تحمل معها أية ذكرى عنها... و الآن، هاهي قد عادت... فكم سيدوم مكوثها هذه المرة؟ أم تراها عودة نهائية؟ سرت في جسدها قشعريرة... لا تدري لم ساورتها تلك الشكوك، بأنها قد تقيم هنا إلى أمد بعيد...

أخرجها صوت ياسين من تأملاتها و هو يسألها :
ـ ليلى... هل قمت بالتسجيل في الجامعة؟

ابتسمت في استغراب... إنه أول شخص يهتم بدراستها و جامعتها!
ـ ليس بعد... فأنا لا أعلم بعد كم تطول إقامتي هنا...

تذكرت والدها الذي لم يتصل بها منذ سفره، و يكتفي بالاطمئنان عليها عبر خالها... فاكتست ملامحها الحزن و أشاحت بوجهها إلى النافذة حتى لا يلمح أحد عبرتها... إنه اليوم الخامس لغيابه عنها...

ـ أرى أنه من الأفضل أن تسجلي... تحسبا للظروف...

التفتت إليه في اهتمام و دهشة... بدا في صوته شيء ما... شيء يوحي بأنه يعلم أكثر مما يقول!

ـ يمكنني الاهتمام بملفك... إن أردت سأستعلم في الجامعة عن الأوراق اللازمة و آجال الترسيم...

هزت رأسها موافقة و هي تطالع صورته في المرآة العاكسة، و همست بكلمات شكر خجولة. ياسين ليس من النوع الثرثار، و احتكاكها به كان قليلا جدا منذ وصولها. لكن احساسا غريبا راودها و هو يسألها عن التسجيل و الدراسة... كأنها عادت طفلة صغيرة، يحدثونها عن المدرسة الجديدة...

هتفت منال التي كانت تجلس إلى جوار زوجها في المقعد الأمامي :
ـ تتحدث كأنك ستكلف نفسك عناء التنقل إلى الجامعة! كل ما ستفعله هو إرسال أحد الموظفين ليقوم بما يلزم!

ضحك ياسين ضحكة عالية و هو يقول :
ـ و ما فائدتهم إذن!

حولت ليلى بصرها إلى النافذة من جديد... و راحت تتصفح الوجوه... وجوه سائقي السيارات الحانقين و المنفعلين من تعطل حركة المرور المرهقة في مثل هذا الوقت من اليوم... تعالت أصوات المنبهات حين اقتربت سيارة ياسين من المخرج المؤدي إلى الطريق الزراعية... و بصعوبة تمكن من الانسلال عبر الطريق الجانبية... فجأة توقفت نظرات ليلى عند سائق إحدى السيارات. شاب يخفي عينيه خلف نظرات شمسية و يرخي ذراعه عبر النافذة، متقدما في هدوء، كأن كل ما يحصل حوله لا يعنيه... كان الوجه مألوفا، بل أكثر من مألوف...

همست غير مصدقة و هي تتابع السيارة التي انحرفت في اتجاه آخر :
ـ مأمــــــــون!!!

استدارت كلية إلى الخلف و هي تتابع بنظرات قلقة السيارة التي راحت تبتعد حتى ابتلعتها أمواج السيارات المتحركة و اختفت خلف بنايات الشارع.

شدتها رانيا، التي كانت تجلس إلى جوارها، من سترتها و هي تتساءل :
ـ ماذا هناك خالة ليلى؟

استقامت في جلستها مجددا و قالت بصوت ينم عن عكس ما تقول :
ـ لا شيء يا حبيبتي... لا شيء...

لكن نظرة الشك و القلق لم تفارق عينيها...
طالعها ياسين عبر المرآة العاكسة في انتباه... لم يغفل عما حصل منذ قليل، و هو الذي كان يراقب حركاتها منذ البداية. عقد حاجبيه في اهتمام... يبدو أن الأحداث ستتقدم بأسرع مما كان منتظرا...



*********


ـ العشاء جاهز...

ركضت ليلى خلف رانيا التي قفزت إلى الشرفة و هي تطلق صيحات امتزجت بضحكها الطفولي، و سارعت لتختفي خلف الخالة مريم. دست الصغيرة رأسها في ثوب العجوز ظانة أن ليلى لن تراها طالما أنها لا تراها بدورها! اقتربت منها ليلى في حذر و هي تمسك ضحكتها، و بهدوء، وضعت إكليل الزهور التي قطفتاها معا على رأسها. فتحت رانيا عينيها متوجسة و أبعدت وجهها عن حضن المربية ببطء، ثم رفعت كفها لتلمس شعرها، و حين وجدت الإكليل، صرخت من جديد في احتجاج و انطلقت لتطارد ليلى...

وضعت مريم كفيها عند خصرها و هي ترمقهما مبتسمة :
ـ قلت العشاء جاهز يا بنات!

ظلت ليلى تدور حول الأريكة طورا و تختبئ خلف المقاعد طورا آخر في مناورات رشيقة... و رانيا تحاول الوصول إليها عبثا، و قد ملأتا المنزل الريفي الهادئ صخبا و هرجا... و أخيرا، ارتمت ليلى على مقعد وثير و قد أنهكها التعب، كانت تتنفس بسرعة و هي تمسح حبيبات العرق التي تجمعت عند جبينها... لم تستطع أن تتوقف عن الضحك، خاصة حين استغلت رانيا فرصة جلوسها، فرفعت جسدها الصغير على أطراف أصابعها لتضع الإكليل أخيرا على رأس ليلى.

صرخت ليلى متظاهرة بالتكشير :
ـ هذا غش!

في حين أخذت رانيا تقفز و تهتف هتافات الفرح... غير عابئة باحتجاجها...

ـ ماذا تلعبان؟

التفتت ليلى لتلمح منال داخلة و هي تتأبط ذراع ياسين في حركة رومانسية... عادا للتو بعد جولة طويلة في الحقول المحيطة بالمنزل... أملاك عائلة القاسمي...

استوت ليلى في جلستها ما إن انتبهت إلى وجود ياسين و أجابتها ليلى و هي تقاوم نوبة الضحك التي تمكنت منها :
ـ صنعنا إكليلا من الزهور التي قطفناها في الحقل... ثم كل منا تحاول أن تضع الإكليل على رأس الأخرى... كانت مطاردة ممتعة...

هتفت الخالة مريم للمرة الثالثة :
ـ العشاء جاهز... تفضلوا من هنا...

هذه المرة تحرك الجميع و تحلقوا حول المائدة التي تزخر بما لذ وطاب...


رفع ياسين عينيه عن صحنه و نظر عبر الشرفة... كانت الشمس قد مالت إلى المغيب، و اكتسى الأفق لونا أحمر دافئا... قال محدثا منال التي كانت تضع الملعقة في فم رانيا :
ـ تأخر الوقت... بسرعة، يجب أن نعود...

حدجته منال بنظرة احتجاج :
ـ ألا ترى أنني أطعم رانيا!

مسح يديه في حركة عصبية و هو يغمغم :
ـ تعلمين أن والدي يقدس وجبة العشاء العائلية... على الأقل نجلس معه على المائدة... و تنهي رانيا عشاءها هناك...

استسلمت منال على مضض... همت ليلى بالوقوف، لكن الخالة مريم التي كانت تجلس إلى جوارها، أمسكت بذراعها مبتسمة و قالت مخاطبة منال و ياسين :
ـ ليلى ستظل عندي الليلة... كانت الأمسية قصيرة و بودي لو أجلس إليها بعض الوقت...

انشرحت أسارير ليلى للاقتراح، فهي كانت تفكر في العشاء و في لقائها المحتم مع فراس! ابتسمت منال بدورها و هي تهز كتفيها قائلة :
ـ تعلمين، ليلى فتاة راشدة و تتحمل مسؤولية أفعالها كاملة... فإن كانت راضية، فهي لك!

لاح التوتر على ملامح ياسين و التفت إلى ليلى متسائلا :
ـ ليلى... هل تودين البقاء؟

هزت رأسها علامة الموافقة و ابتسامة خجولة على شفتيها. تردد ياسين للحظات، لكنه أخيرا انحنى ليحمل رانيا بين ذراعيه و توجه نحو الباب و هو يقول :
ـ حسن... اهتمي بها جيدا... سأبعث إليها السائق صباح الغد...

ابتسمت ليلى في رضا، و غمرتها المشاعر غريبة عينها التي انتابتها في السيارة اليوم... أحست بالامتنان لياسين لاهتمامه بها... تخيلته أخا أكبر، مسؤولا عنها في غياب والدها... و أشعرها خيالها ذاك بالارتياح... و الأمان... تساءلت في نفسها، لو لم تكن هاته العائلة الصغيرة تسكن القصر، كيف كانت إقامتها فيه ستكون؟!

شيعت السيارة بعينيها و هي تلوح لرانيا التي كانت تطل عليها من زجاج السيارة الخلفي، ثم عادت إلى الداخل و هي تحس ببعض الراحة... فالحقيقة أن الجو كان منعشا، و الأمسية كانت ممتعة و مسلية...
جلست الخالة مريم إلى جوارها و ربتت على كتفها في حنان و قالت :
ـ لم تأكلي جيدا على العشاء... تعالي نكمل طعامنا...

ابتسمت ليلى شاكرة و همست :
ـ جزاك الله خيرا يا خالة... اكتفيت و الحمد لله...

ـ لا يا حبيبتي... أنت لا تأكلين جيدا! لا أصدق أن جسمك قد هزل خلال يومين!

عانقتها ليلى و هي تقول مبتسمة :
ـ أنت تبالغين يا خالتي... صدقيني أنا بخير...

غمزت مريم بعينها و هي ترنو إليها في دهاء :
ـ و لكن هناك من قلق عليك... و طلب مني الاهتمام بإطعامك!

رفعت ليلى حاجبيها في دهشة و لبثت تحدق فيها منتظرة المزيد من التوضيحات. فتابعت مريم و الابتسامة لا تفارق شفتيها :
ـ فراس اتصل بي اليوم، و طلب مني أن أدعوك لقضاء بضعة أيام في المزرعة... قال أن صحتك متدهورة، و نفسيتك متعبة بسبب بعدك عن والدك... لذلك اتصلت بمنال و طلبت منها أن تصحبك إلى هنا...

لبثت ليلى ساهمة، تنظر إلى الفراغ و قد سرحت في أفكارها... فراس... هل تخطط لأمر ما؟ هل قصدت إبعادي عن القصر الليلة؟ أم أن كل الهواجس التي في رأسي ليس لها أساس؟!!!

ـ ما بك يا ابنتي؟

أشعرها صوت المربية الدافئ بالطمأنينة، ألقت برأسها على صدرها و قالت و هي تتنهد بعمق :
ـ أنا متعبة يا خالتي... متعبة...

احتضنتها العجوز في حنان، لم تكن ليلى ترغب في الكلام... تريد أن تطفئ الأصوات التي ترتع في رأسها و تتلاعب بأفكارها... ظلت مريم تمسح على رأسها... إلى أن غلبها النعاس...



*********


استيقظت مرتعبة، جلست على الأريكة العريضة حيث كانت نائمة، و راحت تجيل بصرها في المكان... هدأت و زفرت في ارتياح حين تعرفت على غرفة الجلوس... مسحت وجهها بكفها و هي تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. لم يكن سوى كابوس... حمدت الله و قامت من مجلسها تريد أن تمحو من ذاكرتها الصور التي مرت بها منذ لحظات...

كان الغرفة مظلمة تقريبا، يتسلل إليها ضوء خافت قادم من الغرفة الداخلية، و لم تكن مريم هناك... نظرت إلى ساعتها، كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة بقليل. يبدو أنني نمت لوقت طويل! اقتربت من نافذة الشرفة، و وقفت تتأمل الطبيعة الهادئة في ليلة صيفية مقمرة... كانت الليل قد أرخى سدوله، و غرقت الساحة في ظلام دامس... تنهدت بعمق. و سألت الله أن يعيد إليها والدها سالما... رؤيتها لمأمون اليوم زادتها قلقا على قلق... خافت أن يكون كابوسها حقيقة، فدعت الله من كل قلبها أن يكون مجرد وسوسة...

كان القمر شبه مكتمل، ابتسمت و هي تلاحظ صفاءه و وضوحه... لا يبدو بهذا الشكل في السماء الباريسية! فالسماء هناك بالكاد تصفو بضعة أيام في السنة... و خاصة الصيف المنصرم، فقد أمطرت بشكل منقطع النظير طوال أشهره الثلاثة...

فجأة لمحت شبحا يتحرك في الساحة أمامها و يقترب من المنزل الريفي... تسارعت دقات قلبها و هي تدقق النظر... يا إلهي، ليس مجددا! تسمرت في مكانها و هي تفكر في ما يمكنها فعله... إنها بمفردها هنا مع الخالة مريم. امرأتان عاجزتان بلا رجل يحميهما! لم تدرك الوضع قبل الآن... فتلكن متفائلة، ربما كان أحد العمال... و لكن ما الذي جاء به في مثل هذا الوقت؟! ربما يكون الحارس؟ نعم من المؤكد أنه الحارس! راقبت الشبح و هو يتقدم نحو حوض الورود البرية الحمراء... أخفت جسدها وراء الستارة و أخذت تطل باحتراس. رأته يقترب أكثر في اتجاه الشرفة المكشوفة... صار أمامها مباشرة على بعد أمتار قليلة، لا يفصلها عنه سوى زجاج النافذة... و بهدوء تام، جذب كرسيا و جلس عليه موليا إياها ظهره!


كان الظلام مخيما في الخارج فلم تستطع أن تتبين ملامحه... لكن من المؤكد أنه من أهل البيت... قفزت إلى ذهنها صورة وحيدة... فراس!!!

دارت في رأسها الأفكار و الوساوس... ما الذي يخطط له؟ و لماذا جاء بي إلى هنا؟ هل يكون قد علم باكتشافي لما جاء بالمفكرة، فأراد إبعادي حتى يواجهني بالأمر هنا بعيدا عن أنظار أبيه و إخوته؟! عادت إليها كلمات حنان... يمثل اللطف و البراءة أمام العائلة، و يكشف عن وجهه الآخر معها... بالطبع، لا يريد لأحد أن يشهد مشادة بينه و بينها، حتى لا تطفو التساؤلات و الشكوك على السطح من جديد!! ابتسمت في سخرية... و هي التي اعتقدت لبعض الوقت أنها أساءت الظن به... لست هينا يا فراس!

لبثت تراقبه في انتباه... لاحظت أنه أخذ يقفل أزرار سترته الخفيفة، و يلف ذراعيه حول جسمه... الطقس بارد في الخارج! التفت في اتجاه المدخل، كأنه يتردد... لكنه في النهاية عدل عن ذلك و ظل مكانه... إلى متى سيظل ساكنا هناك؟ هل أنبه ضميره في اللحظات الأخيرة؟ لكنني مستعدة للمواجهة!

لم تدر كيف واتتها الشجاعة... ابتعدت عن النافذة في هدوء، لفت على جسدها إزارا للخالة مريم، كان مرميا على أحد المقاعد... و فتحت الباب...
انتبه الشبح الجالس على صوت صرير الباب، و تسلل بعض الضوء إلى الخارج...
رأته يلتفت إليها... لعنت لحظة الجرأة التي دفعتها إلى تلك الفكرة السخيفة... إنه الوقت الخطأ و المكان الخطأ للمواجهة!

وقف و قد بانت على وجهه الدهشة... هتف :
ـ ليلى! ما الذي تفعلينه هنا؟!

لم تكن دهشتها أقل من دهشته و هي تهتف بدورها :
ـ أمين؟! ما الذي جاء بك في مثل هذا الوقت؟!!

avatar
شموس
Admin

الجنس : انثى
الابراج : العقرب
عدد المساهمات عدد المساهمات : 17804
العمر العمر : 34
الموقع الموقع : egypt
المزاج المزاج : تمام :D
نبذة مختصرة نبذة مختصرة : الضمير صوت هادئ..يخبرك بأن هناك من يراك دائما

https://www.shmos.net https://www.facebook.com/ShmosNet https://twitter.com/ShmosNet

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية ياقاتلى اين المفر

مُساهمة من طرف شموس في الجمعة أبريل 28, 2017 6:29 pm

الجزء الثاني عشر




نزلت السلم في هدوء و الدرجات الخشبية تصر تحت خطواتها... ابتسمت حين تناهى إليها صوت الخالة مريم و هي تحاور أمين و تجاريه في دعاباته فتترك العنان من حين لآخر لضحكتها الجافة، الناتجة عن حبال صوتية مهترئة، مرت عليها السنون... خطت باتجاه المطبخ، ألقت السلام، ثم اتخذت مجلسا في طرف المائدة. كان أمين قد سبقها في الاستيقاظ و جلس يتناول فطوره. قدم إليها قدحا من القهوة و على شفتيه ابتسامة وديعة... أضافت السكر و أطرقت في انسجام مع حركة الملعقة التي أخذت تدفعها في حركة لولبية بطيئة... كانت العجوز تقف غير بعيد منهما، في الجانب الآخر من المطبخ و قد انهمكت في تحضير العجين...


رفعت ليلى عينيها عن فنجانها، فاصطدمت بنظرات أمين الذي كان يتأملها في صمت. حولت عينيها عنه محاولة التشاغل. التفتت إلى المربية و هتفت :
ـ خالتي... ماذا تعجنين؟

غمست مريم يدها في وعاء الطحين و أخذت منه قدرا يسيرا لتزيد عجينتها تماسكا، و قالت دون أن ترفع رأسها :
ـ كعكة بالفراولة... ستحبينها كثيرا...

رفعت ليلى حاجبيها في دهشة :
ـ فراولة؟ أين تجدينها في مثل هذا الوقت من السنة؟

التفتت العجوز و غمزت ليلى في مرح :
ـ في ثلاجتي! احتفظت بقدر منها في الموسم الماضي... حتى أصنع الكعكة في أي وقت من السنة!

ابتسمت ليلى و هي ترفع فنجانها إلى شفتيها. كان أمين يشيح بوجهه هذه المرة، يتطلع إلى الخارج من خلال الباب الخلفي نصف المفتوح، و قد أخذت ساقه تهتز في توتر...

ـ أمين... هل كل شيء على ما يرام؟

التفت إليها في ارتباك...
ـ هه...

وضعت الفنجان على المائدة و عقدت ذراعيها أمام صدرها.
ـ هل هي مشكلة مع خالي نبيل؟

ارتسمت على شفتيه ابتسامة فاترة و هز رأسه نافيا :
ـ لا... أبدا... ليس الأمر كذلك...

رنت إليه في اهتمام و هي تسأله بصوت خفيض :
ـ لكنك غادرت القصر منذ يومين... دون أن تخبر أحدا عن مكان تواجدك... ثم تظهر فجأة في ظلمة الليل، أمام المنزل الريفي... هل كنت تنوي قضاء الليلة في الخارج؟

استرخى في مقعده و هو يقول في تهكم :
ـ و هل لاحظ والدي العزيز غيابي، أو تساءل إن كنت بخير أم لا!

ـ أمين ما الذي تقوله؟

لوح بيده في استهانة و هو يشيح بوجهه عنها :
ـ على أية حال، لقد تعودت على الوضع... أن أعيش على هامش الحياة... و لا أحد يهتم...

نظرت إليه في حيرة، ثم أردفت :
ـ أمن أجل هذا تركت مسكن العائلة؟

نظر إليها في حدة، كأنها ذكرته بشيء مؤلم بالكاد نسيه أو تناساه، و هتف في غضب يحاول كتمانه :
ـ غادرته لأنني لم أعد أتحمل العيش مع أخي العزيز فراس في مكان واحد!!!

تراجعت ليلى في ذعر من النظرة التي اشتعلت بها عيناه، و لبثت تطالعه في ذهول... غطى أمين وجهه بيديه و تنهد محاولا تمالك نفسه. قالت الخالة مريم، التي وقفت تحضر مواد تزيين كعكتها، بصوت هادئ و حازم :
ـ لم تعد صغيرا يا عزيزي حتى تهرب من المنزل كلما حصل خلاف ما...

كان أمين لا يزال مطرقا... أحست ليلى بأنه يخفي الكثير في صدره، و أحست أيضا بأنه مستعد للكلام، يحتاج إلى الفضفضة، و عليها أن تشجعه حتى تفهم منه بعض ما يحيرها.

ابتسمت ابتسامة هادئة و هي تقول :
ـ من الطبيعي أن تحصل اختلافات بين الإخوة... و مهما كان ما حصل بينك و بين فراس، فأنا أؤكد لك أنك ستنساه بسرعة و تعود المياه إلى مجاريها... صحيح أنني عشت وحيدة، و لم أعرف كيف تكون العلاقة بين الإخوة... لكن لدي صديقات، أتشاجر معهن من وقت إلى آخر، دون أن يفسد ذلك المودة التي بيننا...

هز أمين رأسه في إشفاق و قال هامسا :
ـ أنت لا تفهمين... ما بيني و بين فراس أكبر من المشاكل اليومية التافهة بكثير... و لا أظنني قادرا على التحمل أكثر...

التفتت ليلى في اتجاه الخالة مريم، كانت قد انتهت من تحضير كعكتها و وضعتها في الفرن. تابعتها و هي تسير بخطى بطيئة في اتجاه غرفة تخزين لوازم الطبخ الملاصقة للمطبخ. راقبتها حتى غابت في الداخل، ثم عادت إلى أمين و هتفت في إلحاح :
ـ أخبرني ما الذي حصل، ربما أستطيع إفادتك...

أشاح بوجهه و هو يحاول مقاومة البركان الذي يغلي في صدره و تمتم :
ـ لا فائدة!

ألحت ليلى و هي تنحني إلى الأمام في اهتمام ظاهر :
ـ هل المشكلة كبيرة إلى هذا الحد؟

تنهد تنهيدة عميقة ثم انفجر ساخطا :
ـ منذ صغرنا، كان كل شيء مميز لفراس... الألعاب الجميلة لفراس، الفسحات و الرحلات لفراس... ثم كبرنا، و صارت العبارات التي تتردد على مرأى و مسمع مني كل يوم : فراس متفوق في دراسته... فراس مهذب و لبق... فراس اجتماعي و محبوب... و في المقابل ماذا يقال لي؟ لم تكن توجه إلى إلا كلمات من صنف : أنت فاشل... أنت لا تصلح لشيء... أنت كسول... أنت متهور... تحطيم لمعنوياتي باستمرار... مع أن فراس ليس أفضل مني في شيء! هل كل هذا لأنه يشبه والدتي أكثر مني؟! فوالدي كان يحبها كثيرا، و بعد رحيلها صار يحب كل ما يذكره فيها، و ليس أبلغ من صورة مصغرة منها! أم لأنه ابنهما الأكبر؟! أليس المفروض أن يكون الابن الأصغر هو الابن المدلل؟ لكن أين أنا من هذا الدلال؟!!

ابتسمت ليلى في عطف... أمين يغار من فراس! هل أنت مظلوم حق يا أمين... أم أنك تبالغ في وصف مأساتك؟

قاطع أمين أفكارها، و هو يضيق عينيه في ألم، قائلا :
ـ و لكن ليت الأمر يتوقف عند ذلك الحد...

التفتت إليه في انتباه و في عينيها نظرة تحثه على المتابعة
ـ حتى خطيبتي... أخذها مني!!

عقدت ليلى حاجبيها في عدم استيعاب :
ـ خطيبتك؟!

رفع أمين رأسه و طالعها بنظرة عميقة، كأنه يبحث في وجهها عن شيء ما... و أردف :
ـ نعم خطيبتي... حنان...

تزايدت دهشة ليلى و هتفت في استغراب :
ـ حنان؟ كانت خطيبتك؟!!

ابتسم أمين ابتسامة باهتة و قال بلهجة ساخرة :
ـ كان هذا ما اعتقدته! كنت قد أنهيت دراستي الثانوية حينها... لم أنتظر أن أدخل الجامعة، و قررت أن أخطبها... حنان كانت موافقة... لم يكن هنالك داع حتى إلى أن أسألها، لأننا كنا متفقين منذ زمن... منذ سنوات طويلة... تعاهدنا على الارتباط، و كبرت و أنا أحلم باليوم الذي يجمعنا فيه رباط الزواج... لم تكن أحلامي كبيرة، كنت أريد أن أعتمد على نفسي و أعمل بشهادتي في مجال الهندسة... أعلم أنني لست في مقام فراس، حتى أحصل على عيادة خاصة إبان تخرجي...

كان يبدو على ملامحه الأسى و هو يواصل :
ـ كنت أريدها هي فقط... هل كنت أطلب الكثير؟

كان ينظر إلى وجه ليلى من جديد يبحث عن إجابة في تقاسيمه التي اكتست طابع الحزن و التأثر... سألته و هي تزداد شوقا لمعرفة حقيقة زواج حنان و فراس :
ـ و ما الذي حصل إذن؟

ـ فاتحت عمتي في الموضوع... وافقت... وعدتني بأن تساعدني، لأنها تعلم أن والدي سيعارض لأنني كنت في بداية دراستي الجامعية... طلبت مني أن أنتظر قليلا، و أثبت جديتي بالتركيز على دراستي... كنت سأطير من الفرح... و كذلك كانت حنان... ظننت لوهلة بأنني أوشك على إمساك السعادة بين يدي... و لكن، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن...

بدا أن صور من ذاك اليوم قفزت إلى ذاكرته... سرح بنظراته إلى الفراغ و هو يتابع :
ـ فجأة، و بدون سابق إنذار... يتقدم فراس إلى حنان! عدت يومها من الجامعة مثل العادة... لم تكن حنان تنتظرني في الحديقة في مكاننا المعتاد... بحثت عنها في أماكن أخرى، ثم ذهبت إلى غرفتها... حين طرقت، فتحت عمتي... طلبت مني أن أتبعها لتحدثني بأمر ما... جلست في الصالة و أنا واقف أنتظر كلماتها في لهفة... كم كنت غبيا يومها، حيث توقعت أن يكون لحديثها علاقة بارتباطنا أنا و حنان! كان وجهها متغيرا، و قد برزت عيناها و أحاطت بهما هالات سوداء مخيفة... بدأت بمقدمة طويلة حول النصيب و القدر و ما إلى ذلك... أحسست بأن ما في جعبتها أمر جلل... لكنني لم أتخيل لحظة واحدة... لم أتخيل أبدا أن يكون فراس طلب حنان... و هي وافقت!! كان الأمر أكثر من أن أتحمل... الجميع كان يعرف بعلاقتي بحنان... فراس نفسه كان يعلم بمشاعري نحوها... و حنان، حنان نفسها... كيف وافقت؟!!!

كانت ملامحه تزداد تشنجا مع كل كلمة، معمقة الأخاديد التي حفرتها التجاعيد في جبينه الذي تعود التغضن منذ بضع سنوات... لكنه ما لبث أن أطرق زفرة طويلة. لانت قسماته و استرخى في مقعده... مسح وجهه بكفه، ثم قال بصوت متعب :
ـ بالطبع، كيف لها أن ترفض... فراس شاب مميز... ناجح في حياته و في علاقاته... و فوق كل هذا، معظم ممتلكات آل القاسمي ستؤول إليه في نهاية المطاف! لكن هو... أخي... كيف يغدر بي بتلك الطريقة؟ كان بإمكانه اختيار أية فتاة في البلاد... فلماذا خطيبتي بالذات؟!

لم تكن ليلى تملك الإجابة على تساؤله، فالأمر يبدو غريبا بالفعل...

واصل أمين وهو يصارع ذكرياته :
ـ فراس كان يريد إتمام الزواج في أقرب وقت ممكن... كان حفل الزفاف بسيطا و مضيقا... تم كل شيء بسرعة، ثم سافرا إلى الشقة التي يملكها والدي في لندن... بعد أسبوعين، عادا إلى القصر و سكنا الجناح الخاص في الطابق الأول... لم أكن قد تحدثت إليها طوال تلك المدة... منعوني من رؤيتها، و هي كانت تتحاشاني و تتجاهل اتصالاتي... لم أستطع حضور الزفاف... كان ذلك فوق طاقتي... لكن بلغني أنها بدت حزينة يومها... لم تبد السعادة على أحدهما، هي و فراس... كأنهما يؤديان واجبا اجتماعيا! حين رأيتها للمرة الأولى بعد عودتها من شهر العسل، كان جسمها قد نحف، و وجنتاها غائرتان... لم أستطع أن أتحدث إليها، تركتها و أخذت السيارة و تركت القصر... لكنني ندمت بعد ذلك، كانت في عينيها نظرة رجاء، أو اعتذار... أو ندم... لكنها لم تكن سعيدة، أنا واثق!

سمعت ليلى صوت قرقعة الأواني النحاسية في غرفة الخزن... يبدو أن المربية تبحث عن شيء ما و تجد صعوبة في العثور عليه... لازال أمامها بعض الوقت... التفتت من جديد إلى أمين، تريد أن تفهم معه ما الذي حصل... سألته في حذر :
ـ هل كان فراس يعاملها معاملة سيئة؟

بدا على أمين الاستغراب... لكنه أخذ وقته للتفكير قبل أن يقول في ثقة :
ـ لا أعتقد أن الأمر كان كذلك... كانت معاملته لها عادية... لكنه لم يكن يحبها... و أنا أعلم أن المرأة لا تعيش بدون حب!

ابتسمت ليلى لعبارته الأخيرة و تطلعت إليه في شك :
ـ و من أين لك أن تعلم، إن كان يحبها أم لا؟

انفعل أمين فجأة، وقف من مجلسه و صرخ في احتجاج :
ـ لو كان يحبها لكان ضحى من أجل إسعادها! كان ابتعد عن طريقها و تركها ترتبط بمن تحب!

رمقته ليلى في هدوء و قالت :
ـ بعض الحب يكون أنانيا... تملكيا... هل كنت أنت لتضحي إن كنت مكانه؟

نظر إليها في حيرة و لم ينطق. أطلت الخالة من باب الغرفة و هي تهتف :
ـ أمين؟ ما الذي يحصل؟ لم الصراخ؟

ارتمى أمين على مقعده من جديد، في حين أجابت ليلى مبتسمة :
ـ لا تقلقي خالتي... نحن نتحدث... أمين انفعل قليلا... لكن لا بأس... إنه أهدأ الآن...

اقتربت العجوز و على شفتيها ابتسامة باهتة. نظرت إلى أمين الذي كان متهالكا على كرسيه و قالت :
ـ ألا تمل تكرار هذه القصة؟ ألم يئن لها أن تنسى؟

حدقت فيها ليلى في دهشة. كانت تحاول أن تستدرج أمين دون أن تثير انتباه المربية، لكن يبدو أنها قد سمعت كل ما قيل!

جذبت الخالة مريم كرسيا و جلست إلى جانب ليلى و هي تقول :
ـ أمين يا صغيري... تلك تجربة قد مرت... و ربما كانت حكمة من الله، أن تفقدها حينها، بدل أن تفقدها بعد بضعة شهور من الزواج...

تجاهل أمين مواساتها و هتف في حنق :
ـ أوليس زواجها ذاك هو ما أدى بها إلى تلك النهاية؟ أليست معاناتها الصامتة و ندمها؟ حتى عمتي كانت تحس بخطأ القرار... كانت ترى أمام عينيها شقائي و شقاء ابنتها... تدهورت صحتها بشدة ثم لزمت الفراش حتى توفاها الله...

تجهم وجه المربية و قالت بصوت قاس :
ـ أنت تعلم أن عمتك لم يكن يهمها سوى إضافة ملايين جديدة إلى ملايينها... و كانت تعلم أن فراس فرصة لا تعوض... لذلك يدهشني أن تكون قد ندمت على زواج ابنتها منه!

أحست ليلى بوخزة في صدرها و هي تسمع تلك الكلمات عن والدتها... هل كانت مادية إلى تلك الدرجة؟ لكن لا يبدو أن المادة قد أهدتها السعادة التي توقعتها...

واصلت مريم بصوت أهدأ :
ـ حنان لم تكن زوجة مناسبة لا لك و لا لفراس... كانت تربيتها فاسدة... نجاة دللتها كثيرا، و أنشأتها على حب المادة و قسوة القلب و سوء الخلق... ربما كان رحيلهما أفضل للجميع...

اقشعر جسد ليلى و هي تستمع إلى تلك الكلمات التي أقل ما يقال عنها أنها جارحة. لم تتوقع أن أحدا قد يكره أفراد عائلتها بتلك القوة! وقفت في ارتباك و غادرت المطبخ... وقفت في الشرفة الخارجية... تحس بالاختناق، تحتاج إلى جرعة من الهواء... سمعت أمين و هو يعاتب المربية على تسرعها، ثم أحست بخطواته تقترب. ليس الآن وقت البكاء... تماسكي يا ليلى! مازال هناك المزيد لتعرفيه. تذكرت شيئا، فقالت دون أن تلتفت إليه، تخفي العبرات التي تجمعت في مقلتيها :

ـ أمين... ما الذي جعلك تتذكر كل هذا ليلة حفلة الشواء؟ فقد بدا لي أن كل شيء على ما يرام بينك و بين فراس...

لم يجبها أمين مباشرة... لكنه قال بعد برهة :
ـ علاقتي بفراس لم تعد أبدا إلى ما كانت عليه قبل زواجه... تدهورت العلاقة بعد الزواج... و ساءت الأمور بيننا كثيرا بعد وفاتها... أنا... كنت قاسيا معه... حملته المسؤولية كاملة ، بل... بل اتهمته بقتلها!

استدارت ليلى بقوة و قد أصابها الذهول... كان يقف مرتبكا، مطرقا و نظراته إلى الأرض، واصل قائلا :
ـ فراس أصيب بانهيار عصبي بعدها... ربما كانت اتهاماتي أشد عليه من موتها في حد ذاته... و بعد ذلك... بعد ذلك، فراس لم يعد فراس الذي عرفناه من قبل... أصبح منطويا، عصبيا... حاولت مرارا استفزازه، لكنه بقي يتجاهلني... و في إحدى المرات، انفجر في وجهي غاضبا، و حذرني من الاقتراب منه مجددا... و منذ ذلك الحين لم يخاطبني أبدا... إلى يومنا هذا...

تذكرت ليلى يومها الأول في قصر، حين ذكر أمين اسم حنان أمام فراس... تذكرت كيف ترك قاعة الطعام دون أن ينطق بكلمة... كيف لم تلحظ ذلك من قبل؟ فراس لا يحادث أمين أبدا بالفعل... بل بالكاد يتحدث مع أي كان...

عادت إلى أمين و سألته في اهتمام :
ـ لكنني لم أفهم بعد... ما الذي جعلك تنفعل تلك الليلة و تستعيد كل هذه الذكريات؟

أشاح أمين بوجهه في حرج و بدا عليه الارتباك و هو يضع يده على صدغه و يقول :
ـ أنت السبب...

هتفت ليلى في حيرة :
ـ أنا؟!!

واصل دون أن ينظر إليها و صوته آخذ في التهدج :
ـ أنت تركتني... و ركضت إلى فراس... تماما كما فعلت حنان... تجاهلتني و ذهبت إليه!! ظننت أنني استعدت حياتي و ثقتي بنفسي... بعد... بعد أزمة فراس و انزوائه عن العالم... صارت لي حياة اجتماعية لا يقارنني أحد فيها بفراس... لأن فراس لم يعد فراس! و لكنني اكتشفت أنه لا فائدة... لا فائدة، لأنه ينتصر علي دائما، حتى و هو مريض و محطم!!

قاطعته ليلى في انفعال :
ـ ما الذي تقوله؟ الأمر ليس كذلك أبدا!

تذكرت أنها تركته بالفعل وسط الحفلة حين لمحت فراس عن بعد... ربما كانت قاسية عليه ليلتها... بعد الدرس الأخلاقي الذي قدمته إليه، تجاهلته و ركضت لتكلم فراس... لكن الأمر ليسا إطلاقا بالشكل الذي يظنه! كان يجب أن تسلم فراس المفكرة... و يا ليتها لم تفعل!

أخذت نفسا طويلا و قالت في هدوء :
ـ أمين... بالنسبة إلي، لا فرق بينك و بين فراس... كلاكما ابن خالي، و بالكاد أعرفكما...

قاطعها أمين في حدة :
ـ كفى ليلى... أرجوك، كفى...

تابعته و هو يبتعد في اتجاه سيارته التي أوقفها غير بعيد عن المنزل الريفي، و قد تملكتها الدهشة... هل قلت شيئا أغضبه؟
الجزء الثالث عشر





قطفت بضعة وردات حمراء قانية، و جلست في الشرفة تتشاغل بتنظيفها و إزالة أشواكها. وخزت شوكة إصبعها، فسالت قطرة من الدم لتستقر على إحدى البتلات. تناولت الوردة و قربتها منها. ابتسمت حين ضاع لون قطرة الدم أمام لون الوردة الدامي... سرحت للحظات و قد أعاد إليها منظر الدم هواجس كثيرة طاردتها في الأيام الماضية. مسحت الدم عن إصبعها بمنديل ورقي و عادت إلى عملها، لكن بذهن مشتت و تركيز قليل...

أحست بخطوات تقترب من مجلسها. لم ترفع رأسها و هي تلمح الظل الذي يمتد أمامها و قد اقترب الوقت من الظهر. تناهى إليها صوت الخالة مريم و هي تتنحنح محاولة شد انتباهها. رفعت رأسها قليلا، بابتسامة شاحبة. جلست العجوز قبالتها و قالت بصوت مبحوح :
ـ أنا آسفة يا صغيرتي إن كان كلامي هذا الصباح قد آلمك...

لم تجب ليلى، لكنها ضغطت بالمنديل على إصبعها من جديد، كأنها تمنع الألم من التسرب إلى الخارج، تحبسه في دمها و في قلبها... فقد تعودت أن تكتم ألمها، إلا عن والدها... لكنها غير واثقة من أن والدها نفسه قد يقدر على التخفيف عنها هذا الألم بالذات!

تكلمت المربية بصوت هادئ و عميق، كأنها تحاول الوصول إلى أعماق ليلى :
ـ ليس ذنبك إن كانت والدتك امرأة قاسية و متعجرفة... و قد كان من لطف الله بك أن عشت بعيدا عنها! فيبدو أن نجيب أحسن تربيتك و علمك الحفاظ على دينك و أخلاقك... و يا ليته أخذ حنان أيضا، ربما كانت نشأت بصورة مختلفة...

تنهدت و هي تسترجع ذكريات قديمة، مرت عليها أربع و عشرون سنة. استطردت و هي تتأمل وجه ليلى، كأنها تقرأ في ثناياه تفاصيل تاريخها :
ـ عرفت والدتك شابة و امرأة... كانت منذ صغرها متكبرة و مغرورة... مغرورة بجمالها و نسبها... و بعد زواج نبيل من هاجر، تمتعت بثروة أخيها و عاشت حياة مرفهة، زادتها غرورا إلى غرورها... والدك كان صديق نبيل، و كان حينها يشغل منصبا هاما في وزارة الخارجية... تعرف عليها في إحدى السهرات التي يحضرها رجال الأعمال و السياسيون، فقد كانت ترافق نبيل و هاجر إلى معظمها... أعجب بها من النظرة الأولى... فهي تبدو رقيقة و هادئة... لم يتردد في خطبتها، و بعد فترة وجيزة تزوجا. نجاة كانت في غاية السعادة و هي ترى أول أحلامها يتحقق : أن ترتبط برجل وسيم و ثري و ذي مركز مرموق... لكن سعادتها لم تدم طويلا، فبعد أشهر قليلة من الزواج بدأت صورتها تتضح أكثر أمام عينيه، و أدرك الخطأ العميق الذي ارتكبه بزواجه منها... و حين عين سفيرا للبلاد، قرر السفر بمفرده، متعللا بعدم استقرار وظيفته بعد... كأني به أراد أن يمنح نفسه فرصة إعادة النظر في زواجه و اتخاذ القرار المناسب... في تلك الفترة كانت نجاة في غاية الاستياء... و صارت تصرفاتها لا تطاق! تصب جام غضبها على موظفي القصر و تعاملهم باحتقار فظيع...

تغيرت ملامح وجهها و هي تذكر معاناتها في تلك الفترة و أردفت :
ـ كانت تسلط قسوتها علي بدون تردد... كلما ما وقعت عينها علي، تسمعني أبذأ الكلمات و أشدها وحشية... ترى نفسها محسودة من الجميع... و تظن أن العالم كله يشمت فيها، بعد تدهور علاقتها بزوجها! لكن حادثة ما ظلت عالقة بذهني... أذكر يومها أنني اشتريت عقدا... كان عقدا رخيصا، لكنه جميل و حباته ذات لمعان جذاب... كنت أحمل إليها الفطور إلى غرفتها، و حين انحنيت لأضع الطبق على المنضدة القريبة، فوجئت بيدها تمتد لتقتلع العقد من عنقي! تناثرت الحبيبات على الأرض و سقط بعضها في وعاء الحساء... و جرح السلك الرقيق عنقي تاركا علامة عميقة...

سكتت للحظات، كأنها تستعيد المشهد بحذافيره أمام عينيها، ثم قالت في مرارة :
ـ نظرت إلي في استهزاء و صرخت : هل تظنين بأن عقدا سخيفا سيغير شيئا من قبحك!! كنت في غاية الذهول و الألم... كانت كلماتها كالخنجر تخترق صدري... و مع ذلك، كان علي أن أجمع ما تناثر على الأرض و أعيد تحضير الفطور، و أنا أكتم عبرتي... و كثيرة هي المواقف التي كانت تحاول فيها إشعاري بتفوقها علي، بجمالها و رشاقتها... لم يكفها أنني أعمل في خدمتها طوال الوقت، مع أن دوري الأساسي كان الاهتمام بالأطفال!

كانت ليلى في غاية التأثر و هي تستمع إلى رواية الخالة مريم المحزنة. حزينة هي على معاناة المربية المسكينة، و حزينة لما كانت عليه أمها... فحقا، لا يملك الإنسان اختيار والديه! و ليس ذنبها أن والدتها كانت بمثل هذه الطباع...

واصلت المربية و هي تمسح دمعة يتيمة سالت على خدها دون رغبة منها :
ـ أمك لم تكن ترغب في الإنجاب... كانت ترى الحمل و الولادة عبأين ثقيلين، خاصة مع الأثر الذي يتركانه في الجسم، و هي كانت مهووسة بجمال جسدها! لكنها فرحت حين عرفت بأنها حامل، ذلك لأنه السبب الوحيد الذي قد يجعل نجيب يقرر الاستمرار معها! و بالفعل، كان ذلك ما حصل... فحين سمع بحملها، عاد إلى هنا و أخذها معه إلى اليونان، حيث كان يشغل وظيفة سفير للبلاد... و مرت سنوات طويلة دون أن أسمع عنها شيئا... سنوات خمس لم تطأ قدماها أرض البلد، و لا أظنها افتقدت شيئا فيها! فهي من النوع الثائر على التقاليد العربية و المجتمعات المحافظة... و أظنها وجدت ضالتها في أوروبا... و لا أظن أن أحدا افتقدها أيضا، فشرها كان يطال القريب و البعيد!

كانت ليلى تتألم في صمت، لكن ملامح وجهها كانت تشي بمعاناتها، فما تسمعه ليس بهين...

واصلت المربية حديثها :
ـ و في يوم ما، و دون سابق إنذار، فوجئت بسيارة أجرة تتوقف عند بوابة القصر، و تنزل منها نجاة و معها فتاة في سن الخامسة... لا أخفي عليك أن كوابيسي القديمة عادت إلي دفعة واحدة في تلك اللحظة... فآخر ما كنت أتمناه هو ظهور نجاة في حياتي من جديد! و لا أظنه شعوري وحدي، بل شعور كل من في القصر!!

قاطعتها ليلى في حيرة :
ـ و خالي نبيل؟ كيف كانت علاقتها به؟

عقدت مريم حاجبيها في تفكير :
ـ نبيل كان يتجاوز عن زلاتها و يتساهل معها كثيرا... فهي شقيقته الوحيدة، كما أنهما عاشا ظروفا صعبة بعد إفلاس والدهما و دخوله السجن بسبب الديون! نبيل كافح كثيرا حتى يستعيد مكانته في المجتمع و يعيد مجد العائلة العريقة... لذا فإنه كان يدلل نجاة كثيرا، كنوع من التعويض المعنوي عن ما عاشته من آلام في طفولتها...

هزت ليلى رأسها في تفهم... و أسف. تابعت مريم روايتها :
ـ كان والدك قد طلق والدتك... فعادت ذليلة لتعيش مع أخيها. و بطبيعة الحال ازدادت نقمتها على كل من حولها، و لم تكن الضحية سوى حنان الصغيرة التي تعلمت الحقد منذ طفولتها. و لأنها لم تهتم بتربيتها، فقد نشأت مثل الأولاد! تماري فراس و أمين في ألعابهما الشقية... و كبرت على ذلك الشكل... تحظى بكامل الحرية، و تتأثر بشخصية نجاة المادية... و بدأت تتعثر في دراستها و كثرت رسائل المدرسة و شكاوى الأساتذة من سلوكها و غيابها المستمر عن الدروس... فقد كانت تخرج صباحا مع السائق إلى مدرستها، لكنها تشرد بعد ذلك و تقضي النهار في التسكع... إلى أن انفصلت عن الدراسة في سن السادسة عشرة!

عقدت ليلى حاجبيها في دهشة و قالت :
ـ كيف تترك المدرسة؟ و هل وافقتها والدتي؟ و خالي نبيل، ألم يتدخل؟

هزت المربية كتفيها في لامبالاة و قالت :
ـ حنان لم تكن ترغب في مواصلة الدراسة، فمنذ ذاك السن، كان كل ما يشغلها صالونات التجميل و عروض الأزياء و السهرات الراقصة و الأمسيات الشبابية... و والدتك هي من علمها هذا النوع من الحياة! لذلك فإنها لم تبال إن تركت المدرسة الحكومية، طالما أنها كانت تجاريها في تعلم فنون الإيتيكيت و العناية بالبشرة و اتباع الحمية المناسبة!! أما خالك، فإنه كان مشغولا طوال الوقت، و الحقيقة أنه في تلك الفترة كان يواجه صعوبات جمة في أعماله مما أبعده عن أجواء العائلة تماما... فكيف له أن يراقب سلوك الفتاة، و أمها نفسها في حاجة إلى مراقبة! إيمان كانت قد رحلت منذ سنوات عديدة و أمين هو الآخر كان شبه خارج عن السيطرة، لولا حزم ياسين معه و متابعة أماني الدائمة لدراسته... قبل رحيلها هي الأخرى...

همت ليلى بأن تستوضح أكثر عن ظروف وفاة أماني، و لكنها عدلت حين رأت مريم تتنهد و تواصل :
ـ كانت الظروف العامة في تلك الفترة مضطربة جدا... خالك ظل غارقا في الأحزان لفترة طويلة، بعد رحيل زوجتيه واحدة إثر الأخرى، و مع حوادث الانتحار التي جعلت سمعة العائلة تلوكها الأفواه... لذلك كانت مشاغل نجاة و ابنتها آخر ما يمكن أن يثير اهتمامه!

أطرقت ليلى في تفكير... تعلم أن السمعة في حياة رجل الأعمال هي أهم ما يملك! و الأزمات التي مرت بها العائلة كانت لها تداعياتها على شركة خالها بالتأكيد... حتى إن لم يختلف الأمر بالنسبة إلى من يتعامل معهم من شركاء و حلفاء، فإن حالته النفسية ستؤثر حتما على قراراته...

أخرجها صوت الخالة مريم من تأملاتها و هي تقول متابعة :
ـ لكن في الأشهر القليلة التي سبقت وفاتها، تغيرت نجاة نوعا ما... أصبحت تحس بتعب لأقل مجهود تبذله، و صارت أكثر هدوءا و لم يعد صوتها يسمع كثيرا و هي تصرخ على الخدم! الحقيقة أن الجميع استغرب ذلك، و سرت الهمهمات حول إصابتها بمرض عضال جعل قواها تخور مرة واحدة...

اقتربت الخالة مريم من ليلى أكثر و قالت هامسة :
ـ مع أنها أخفت ذلك عن الجميع، بدون استثناء... إلا أنه من الواضح أنها أصيبت بداء خطير... داء فقدان المناعة... بسبب علاقاتها المشبوهة...

وضعت ليلى كفها على فمها في صدمة، لتكتم صرخة كادت تصدر عنها، و سالت على خدها دمعة حرى، تبكي ماضي عائلتها المشين. أمها كانت بهذا الشكل؟ أمها ماتت بسبب معاصيها؟ كنت حزينة لأنها لم تعرف والدتها و عاشت بعيدا عنها... و الآن؟ هل تتمنى أنها كانت بقربها؟ هل كانت لتقدر على منعها من الاسترسال في طريقها المنحرفة؟

لم تستطع أن تتحمل أكثر. استمرت تبكي في صمت... لشد ما كانت متشوقة لتعرف عائلتها... لكن ليس بهذا الشكل! ليس بهذا العار! ارتفعت شهقاتها و لم تعد قادرة على السيطرة عليها...

أحضرت المربية كأسا من الماء و مدتها إليها في حنان :
ـ صغيرتي... ليس الذنب ذنبك... و لتحمدي الله لأنك عشت بعيدا عن هذه البيئة الفاسدة... الله حماك و حفظك، و والدك لم يقصر في تربيتك... لكن يا ليته أبعد حنان أيضا!

شربت ليلى جرعة ماء، و مسحت عبراتها بظاهر كفها... ظهرت على شفتيها شبه ابتسامة فيها الكثير من المرارة... نعم، إنها لتحمد الله على سلامتها من الأوبئة التي تنتشر في الأوساط المترفة، حيث يسيطر التفكير المادي على العقول و لا يبقى للقيم و الأخلاق أي أثر... تنهدت في ألم و لوعة... إنها لرحلة شاقة تلك التي تأخذك إلى ماض مر...

جلست مريم على الكرسي المجاور من جديد، تململت و هي لا تدري كيف تخفف عن ليلى... كان من الضروري أن تعلم كل شيء عن أمها و أختها، عاجلا كان ذاك أم آجلا... على الأقل، فلتبك هنا بعيدا عن العيون... ثم تتأقلم مع وضعها الجديد... و الحقيقة القاسية...

قالت مغيرة الموضوع :
ـ زواج فراس و حنان يبقى من النقاط المحيرة بالنسبة إلي! لطالما اعتبرت نفسي فاهمة لطباع ذاك الولد... لكن قراره هذا أغلق علي بالكامل! كان يعتبرها فتاة مدللة و تافهة، و لم تثر إعجابه في يوم من الأيام... بل كان يلوم أمين على تعلقه بها... فكيف وقع هو تلك الوقعة؟ كل هذا لا يبدو منطقيا... إلا إذا...

سكتت المربية و قد سرحت في أفكارها. كان ليلى قد هدأت و شد انتباهها الموضوع الجديد، فاستعجلتها و هي تقول في لهفة :
ـ إلا إذا ماذا؟

ظلت مريم ساهمة و لم تجب، كأنها تدرس الفكرة التي طرأت على ذهنها في الحال... فجأة تناهى إلى مسامعهما صوت منبه سيارة. وقفت الخالة و هي تسوي وشاحها، حين رأت سيارة العائلة تقترب من مدخل المزرعة. حاولت ليلى مرة أخرى :
ـ خالتي... ما الذي خطر ببالك؟

نظرت إليها مريم في تردد، ثم تمتمت :
ـ لا شيء... لا شيء...

تبعتها عينا ليلى في إصرار و خيبة، و هي لا تدري كيف تستخرج منها الكلمات. التفتت إليها العجوز مبتسمة و قالت :
ـ يبدو أن هناك من جاء لأخذك...

نزلت منال من السيارة و هي تهتف من بعيد :
ـ بسرعة ليلى... جهزي نفسك... سنغادر بعد قليل...

قفزت رانيا من السيارة بدورها و ركضت ضاحكة إلى الشرفة و هي تحمل في يدها كرتها الصغيرة، استقبلتها ليلى بذراعيها و حملتها عاليا و الطفلة تطلق صيحات فرح معبرة عن استمتاعها. أنزلتها ليلى، فجذبتها من ثوبها في رجاء :
ـ مرة أخرى... مرة أخرى...

ـ أنت ثقيلة يا حبيبتي، ذراعاي تؤلمانني!

عبست الفتاة و عقدت ذراعيها أمام صدرها و غمغمت في استياء :
ـ عمي فراس يحملني مرات كثيرة و لا يتعب!

أزعجتها المقارنة، و نكاية في فراس فقط... فقط لا غير، انحنت مجددا و حملت الصغيرة في الهواء!

الجزء الرابع عشر




توقفت السيارة أمام مدخل القصر، فقفزت رانيا كعادتها و صعدت الدرجات راكضة... تبعتها منال وهي تحمل باقة كبيرة من الورود الحمراء البرية التي قطفتها من المزرعة. أما ليلى فنزلت بخطى متثاقلة... كانت لازالت تتحسر على ضياع الفرصة منها لتسمع أكثر من الخالة مريم، و لولا اشتياقها للاتصال بوالدها، للبثت في المزرعة يوما آخر! كانت قد قررت أن تطلب من خالها الاتصال به الليلة، فهو الوحيد الذي يمكنه التواصل معه مباشرة...

دلفت إلى البهو الذي يثير اهتمامها في كل مرة تمر به في غدوها و رواحها... أجالت بصرها من جديد في قسميه المتناقضين، و في عينيها نظرة حائرة. ابتسمت منال و هي تتقدمها و تشير بذراعها في حركة مسرحية :
ـ من هنا عالم هاجر... و هنا عالم إيمان!

نظرت إليها ليلى في استغراب، فتابعت منال شارحة :
ـ هاجر، سيدة القصر الأولى، كانت تحب الطابع الكلاسيكي، و قد كان أثاث القصر كله، منذ عهد زوجها الأول، من النوع التقليدي، بل التاريخي، حيث اعتنت باقتناء القطع النادرة و النفيسة و جعلت المكان يبدو كمتحف! لكن إيمان، زوجة خالك الثانية، كانت ثائرة على ذلك النمط، و تتميز بذوق عصري و عملي... لذلك قامت بتجديد أثاث القصر بالكامل، تقريبا... لتمسح عنه آثار هاجر و تترك لمستها الخاصة... لكن عمي نبيل لم يتركها تذهب في حملتها تلك إلى أبعد مدى، فأنقذ هذا الجزء من البهو، حتى يحافظ على ذكرى زوجته الراحلة... و كما ترين، صار بهو الاستقبال مكونا من نصفين مختلفين تماما... و كل منهما يعكس شخصية إحدى الزوجتين!

ابتسمت ليلى و قد فهمت أخيرا سر الديكور العجيب. سبقتها منال إلى الداخل لتقوم بتنظيف الورود و إزالة أشواكها قبل وضعها في المزهرية... كانت ليلى لا تزال تقف في البهو حين تناهى إليها صوت رانيا و هي تصرخ! تلفتت باحثة عن مصدر الصوت، فلفت انتباهها باب جانبي في الطرف الآخر من البهو، لم تكن قد لاحظته في السابق.

خطت نحو الباب في حذر. كان الباب الخشبي الثقيل نصف مفتوح. دفعته بهدوء و أطلت إلى الداخل لتكتشف الغرفة المجهولة. زكمت أنفها رائحة غريبة جعلتها تتراجع خطوة، بدت كأنها رائحة التعقيم التي تنتشر في المستشفيات... لكن ما رأته، تحت الإضاءة الخافتة للغرفة المنبعثة من الكوات الضيقة في السقف، جعلها تحجم عن الانسحاب... للحظات تسمرت في مكانها و على وجهها علامات الانبهار... كان من الجلي أنها غرفة المكتبة، لكنها مكتبة من النوع العملاق... فقد تراصت الكتب على الرفوف على امتداد الجدران الأربعة التي ترتفع خمسة أمتار أو تزيد... تقدمت إلى وسط القاعة و هي تتأمل اكتشافها العظيم... لم تعد الرائحة تضايقها... لم تكن قد رأت مكتبة منزلية بهذا الحجم من قبل. و لكنها تنسى على الدوام أن هذه ممتلكات عائلة القاسمي! لذلك من الطبيعي أن تكون مختلفة عن كل ما رأته من قبل...

أتاها صوت الصغيرة مجددا و هي تئن و تصرخ. التفتت لتجد رانيا و قد حشرت نصفها الأعلى تحت خزانة معدنية صغيرة في الركن البعيد من القاعة. و بدا أنها لم تعد قادرة على استخراج جسدها من هناك! انحنت ليلى و هي تهتف بها عابسة :
ـ ما الذي تفعلينه أيتها الشقية؟

سحبت الصغيرة من وسطها، فأخرجت رأسها و هي تبتسم في اعتذار و تمسك كرتها في يدها :
ـ الكرة هربت مني و تدحرجت إلى هنا...

ضحكت ليلى و هي تسوي خصلات شعر الطفلة الذي تشعث و فسدت تسريحته. حين رفعت رأسها، وقعت عيناها على صندوق فضي مزخرف يستقر على أحد رفوف الخزانة، خلف واجهة زجاجية. كان الصندوق ذا شكل مستطيل، و الجزء الأعلى منه مقبب، مع مساحة بلورية في الوسط، تسمح برؤية ما بداخله... اقتربت من الواجهة في فضول، و رفعت نفسها على أطراف أصابعها لتنظر إلى داخل الصندوق...

فوجئت بما رأت... كان الجزء السفلي مفروشا بالمخمل الأحمر و قد ظهرت فيه فجوات متوازية على امتداد المساحة، معظمها فارغ... أما الفجوات القليلة الملأى، فقد كانت كل منها تحتوي على خنجر صغير، مقبضه فضي، مزين بقطع حجرية زرقاء!

فاجأها صوت منال و هي تهتف عند مدخل الغرفة :
ـ ما الذي تفعلانه هنا؟!

تراجعت ليلى في حرج و شرحت بسرعة ما حصل. اقتربت منال في خطوات سريعة. كانت ليلى لا تزال واقفة قرب الخزانة و قد بدا عليها الاهتمام بالصندوق الفضي. قالت منال هامسة :
ـ هيا اخرجا بسرعة... عمي نبيل لا يحب أن يدخل أحد إلى هنا... لا شك أن أحد الخدم نسي الباب مفتوحا!

نظرت إليها ليلى في دهشة فواصلت منال و هي تجذبها من ذراعها :
ـ المكتبة تحتوي عددا من الكتب النادرة و القديمة، لذلك فإن بها نظام تهوئة خاص للحفاظ على الورق... و يجب أن تبقى مغلقة طوال الوقت... كما أن الدخول إلى هنا ليس مسموحا به للجميع!

أضافت بعد صمت قصير، لتشبع فضول ليلى :
ـ ذاك الصندوق الفضي، في الخزانة الصغيرة، يحوي مجموعة من الخناجر النفيسة التي اقتنتها السيدة هاجر في إحدى رحلاتها في مزاد علني للممتلكات إمبراطور الصين الراحل!

رفعت ليلى حاجبيها في تعجب، فواصلت منال و هي تلوح بيدها في لامبالاة :
ـ لست أدري إن كان ذلك صحيحا... و لكنه ما يقال حول تلك الخناجر الغريبة!

ابتسمت ليلى و هي تهز كتفيها في استهانة... لم يعد من الممكن التمييز بين الحقيقة و الخرافة في هذا المكان الغريب! تابعت منال شرحها :
ـ هاجر أرادت أن يحصل كل فرد من أفراد العائلة على أحد هذه الخناجر، و ينقش عليه اسمه... ذلك لأن الأسطورة الصينية تقول بأن الخنجر يحمي صاحبه و يجلب له الحظ!

ضحكت ليلى في مرح... هل مازال هناك من يصدق هذه الخرافات! تابعت منال و هي تضحك بدورها :
ـ و لكن من المفارقات العجيبة، أن هاجر نفسها استعملت خنجرها الخاص في انتحارها... و كذلك فعلت أماني و حنان!!

حدقت ليلى فيها في حيرة، و أحست لوهلة بأنها تقرأ قصة رعب من الخيال الأمريكي السخيف... لكن صوت منال شدها إلى الواقع، فيبدو أن للقصة بقية :
ـ الصندوق يحتوي على أحد عشر خنجرا... و الخناجر التي لا تزال فيه، خمسة... أربعة منها أعيدت إليه بعد وفاة صاحباتها... هاجر، إيمان، أماني و حنان... و خنجر واحد لا يلمس بعد...

وقفت ليلى مصعوقة... إذن أدوات الانتحار كلها يحتفظ بها في ذاك الصندوق! تذكرت كلمات سحر حول أداة الجريمة... هل يعقل ذلك!

انتبهت إلى نقطة ما في كلام منال فالتفتت إليها في استغراب :
ـ و لكن، لماذا حصلت أماني على خنجر؟ فهي لم تكن من أفراد عائلة القاسمي! أم أنك تقصدين نجاة؟

هزت منال رأسها مؤكدة :
ـ لا... لا، نجاة لم تحصل على واحد, فهي أصلا لم تكن تهتم بالعائلة و لا بطقوس هاجر الغريبة... و لكنني واثقة من أن أماني حصلت على خنجرها... كان ذلك قبل زواجي بياسين، لذلك لم أتساءل كثيرا حول الموضوع... لكن الأمر غريب فعلا! هل كان ذلك لأن ياسين خطبها؟

أحست ليلى بأن في الأمر سرا ما و بدأت أفكار كثيرة غريبة تتزاحم في رأسها في تلك اللحظة. تبعت منال التي أخذت تصعد الدرج و هي تقول :
ـ تعالي، سأريك خنجري إن شئت... لكن لا تقتربي من الصندوق مجددا... عمي نبيل سينزعج من ذلك...



********


دخلت الجناح خلف منال التي لم تتوقف عن الثرثرة عن الخرافات المستحيلة التي يتناقلها الخدم حول طباع هاجر الغريبة و ما تحتفظ به من قطع أثرية مسحورة و تحف عجيبة... كانت تدخل جناح ياسين و منال للمرة الأولى، بل إنها زيارتها الأولى للطابق الثاني، بعد الجولة السريعة التي قادها فيها العم صابر، كبير خدم القصر، في أول يوم لها هنا...

توجهت منال نحو منضدة الزينة، و فتحت صندوقا خشبيا صغيرا يحتوي بعض قطع الحلي و الإكسسوارات، تناولت بحذر خنجرا صغيرا حادا، ذا نصل معقوف و مدته إلى ليلى و هي تقول :
ـ هذا الخنجر حصلت عليه ليلة زفافي! هدية غريبة أليس كذلك؟

قالت ذلك متضاحكة، ثم أشارت إلى خزانة زجاجية في الجانب الآخر من الجناح و قالت :
ـ ياسين يحتفظ بخنجره هناك، و رانيا أيضا حصلت على واحد عند ولادتها! كل واحد نقش عليه اسم صاحبه... انظري!

أمسكت ليلى السلاح الأبيض بين يديها و هي بالكاد تسيطر على انفعالاتها... فقد أصابها الذعر و هي تتخيل ما استعمل من أجله مثل هذا الخنجر. كانت منال قد أحضرت الخنجر الخاص بياسين و ناولتها إياه هو الآخر و هي تقول :
ـ انظري، الخناجر متشابهة جدا، و لا سبيل إلى التمييز بينها! صنعت بدقة وبراعة كبيرة... لذا اعتمدت هاجر فكرة النقش، حتى لا يقع التباس...

دخلت رانيا إلى الجناح و هي تطارد كرتها كالعادة، تدحرجها على الأرض ثم تركض خلفها لتعيد دحرجتها... توجهت نحوها منال و هتفت في حزم :
ـ رانيا! يجب أن تستحمي و تغيري ملابسك... انظري إلى حالتك الرثة!
أمسكت الصغيرة من ذراعها، و هي تصرخ في احتجاج، و جذبتها في قوة إلى غرفة الاستحمام الخاصة بالجناح...

كانت ليلى لا تزال تقف و هي تمسك الخنجرين، تقلبهما بين كفيها في اهتمام، و تعاين النقوش المزخرفة التي تظهر على طرف المقبض بحروف لاتينية... ثم ما لبثت أن هزت كتفيها في استسلام، بعد أن يئست من إيجاد فرق بينهما... هتفت بمنال، التي كانت تسمع صوتها قادما من الداخل وهي تصارع رانيا المتمردة على الاستحمام :
ـ سأعيد الخناجر إلى مكانها...

أجابتها منال و قد كاد صوتها يغيب أمام صوت تدفق المياه في الداخل :
ـ حسن... خنجر ياسين ضعيه في الرف الثاني من الخزانة...

أودعت ليلى خنجر منال صندوقها الخشبي، ثم توجهت إلى خزانة ياسين في طرف القاعة. فتحتها و وضعت الخنجر كما طلبت منها منال. همت بإغلاقها، لكنها توقفت فجأة حين لفت انتباهها وريقات ملفوفة بعناية بخيط أحمر، تستقر على الرف السفلي. لم تكن هذه الوريقات لتشد انتباهها في الظروف العادية، خاصة أن الخزانة تخص شخصا غريبا عنها، لكن لون الورق و زخرفته جعلاها تتردد. مدت يدها لتمسك باللفافة. انتبهت حواسها دفعة واحدة... إنه نفس الملمس! لم يكن ورق مفكرة حنان المميز ليتوه عنها! كانت مضطربة، و قد أخذت أوصالها في الارتعاش... إنها متأكدة من أنها أوراق من المفكرة، نجت قبل الحرق!

لكن كيف وصلت إلى خزانة ياسين؟ و لماذا يحتفظ بها؟ كان الفضول يسيطر عليها، بل رغبتها الملحة لكشف سر ما حصل... هل تروي هذه الصفحات سر زواج فراس و حنان يا ترى؟ يبدو أنها ذات أهمية خاصة! ترددت أكثر... لا، لا يمكنها أن تأخذ اللفافة من الخزانة دون إذن صاحبها!

استيقظ ضميرها و أخذ يقرعها بشدة. مدت يدها لتعيد اللفافة إلى مكانها و الألم يعتصر قلبها. لكنها هذه المرة توقفت من جديد و قد سمرتها الدهشة... في نفس الرف من الخزانة، كانت هناك قطعة لامعة، كانت تختفي خلف أوراق المفكرة، لمعانها ذكرها بشيء تعرفه جيدا... كانت لفافة الورق لا تزال في يدها اليمنى، فمدت يدها اليسرى لتلتقط الحلية ذات الشكل الغريب... قربتها منها في ذهول و هي تتأمل النتوءات الحادة التي برزت في وسطها... كانت الحلية تتدلى من خيط ذهبي رفيع مميز... لكن شكل الحلية كان غريبا عليها. لم تكن قد رأت مثلها من قبل، و مع ذلك، فقد أحست أنها تعني لها الشيء الكثير...

فجأة، انقطع صوت تدفق المياه، فأدركت أن منال ستخرج عما قريب. أعادت الحلية مكانها بأصابع مرتعشة، و توقفت عند لفافة الورق و قد بدا عليها التردد الشديد، و لكنها أخيرا، دستها في حقيبتها و هي تسكت الصوت المعترض في داخلها. ألم يكف أنها فقدت المفكرة في المرة السابقة؟ ستقرؤها سريعا ثم تعيدها قبل أن ينتبه ياسين أو منال... لكن لا يمكنها أن تضيع الفرصة ثانية... هكذا أقنعت نفسها...

تنحنحت لتسيطر على انفعالها و هتفت :
ـ منال، سأذهب إلى غرفتي... أراك فيما بعد...

أطلت منال برأسها مبتسمة و هي تقول :
ـ حسن... أراك على الغداء...

رسمت ليلى على شفتيها ابتسامة سريعة، و حثت الخطى لتخرج من الجناح قبل أن تلاحظ منال اضطرابها...

avatar
شموس
Admin

الجنس : انثى
الابراج : العقرب
عدد المساهمات عدد المساهمات : 17804
العمر العمر : 34
الموقع الموقع : egypt
المزاج المزاج : تمام :D
نبذة مختصرة نبذة مختصرة : الضمير صوت هادئ..يخبرك بأن هناك من يراك دائما

https://www.shmos.net https://www.facebook.com/ShmosNet https://twitter.com/ShmosNet

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية ياقاتلى اين المفر

مُساهمة من طرف شموس في الجمعة أبريل 28, 2017 6:30 pm

الجزء الخامس عشر






أغلقت باب غرفتها بإحكام خلفها و سارعت لتخرج اللفافة من حقيبتها. أخذت تفك الشريط الأحمر و هي تلهث من فرط الانفعال. ماذا لو انتبه ياسين إلى غيابها قبل أن ترجعها إلى مكانها؟ تحركت أصابعها في توتر و هي تحاول أن تنتهي مما بين يديها في أسرع ما يمكن... لم تكن قد فكرت بعد في خطة مناسبة لإعادتها، فأكثر ما يشغلها الآن هو أن تكتشف ما ورد فيها... فردت الوريقات أمامها فوق ملاءة السرير، لا تعلم من أين تبدأ، فهي لم تكن مرتبة. تناولت الورقة الأولى و أخذت تقرأ :

"أذكر ذاك اليوم أكثر من أي وقت مضى... أعاد كلام سارة اليوم إلي كل ذكرياته... بكل التفاصيل، كأن ما حدث كان البارحة! لم أحب أماني يوما، و هي لم تكن تطيقني أيضا... كانت تمنع أمين من الخروج معي، و تضطره إلى البقاء في غرفته و الدراسة... و لكن لم يكن بيني و بينها أية علاقة، كل منا تتجاهل الأخرى... لكنني لم أكن أضيع فرصة للنيل منها. صبيحة ذاك اليوم، كنت قد خرجت في جولتي الصباحية في الحديقة. أمسكت بعض الخنافس و حبستها في كيس صغير، ثم صعدت إلى الطابق الأول لأمارس هوايتي المفضلة : إرعاب أماني! جلست القرفصاء أمام باب الغرفة الزرقاء، فتحت الكيس، و دفعت الخنافس لتتسلل إلى الداخل من خلال الفضاء الضيق أسفل الباب. حبست أنفاسي و أنا أنتظر أن أسمع صراخها كالعادة. لبثت أنتظر لدقائق طويلة، لكن لم يبد عليها أنها انتبهت إلى تسلل الخنافس! استندت إلى الباب و أنا أمد أذني لأسترق السمع... ربما يصلني شخيرها! لكنني فوجئت بالباب يفتح تلقائيا و وجدتني أسقط وسط الغرفة!"

كانت الكلمات تقف عند هذا الحد. بحثت في لهفة عن الورقة التي تحمل تتمة النص، وما لبثت أن تعرفت عليها، فواصلت القراءة :

"وقفت في ارتباك و أنا أحاول استنباط تبرير لما يحصل، لكن الهدوء كان مخيما على المكان. نظرت في اتجاه السرير... كانت أماني تستلقي على ظهرها في استرخاء، ولم يبد أنها قد أحست بوجودي. اقتربت أكثر و قد تملكني فضول غريب. كان وجهها شاحبا تشوبه زرقة. و فجأة، وقعت عيناي على ذراعها اليسرى... كان جرح عميق يقطعها معصمها، و قد تكونت بركة دماء فوق الملاءة و على الأرض. و كان خنجرها الصغير ملقى على الأرض و قد تلطخ بالدماء... لبثت أنظر إليها في ذهول. درت حول السرير مرات عدة، و أنا أتأمل تفاصيل وضعها. ثم بحثت عن خنافسي، جمعتها في سرعة و خرجت من الغرفة في هدوء. لم أتحدث عن ذلك مع أحد. جلست في الحديقة الخلفية، وضعت رأسي بين كفي، و سرحت... هل هذا ما يسمونه الموت؟ كانت أماني تبدو وديعة في موتها، ملامحها مطمئنة، لكن لون الدم المتخثر كان مخيفا! لا أظنني أريد أن أموت مثلها!"

تنهدت ليلى في أسى... لم تكن تريد أن تموت مثلها! لكن لا يبدو أن طريقة موتها كانت مختلفة جدا، طالما أن للخنجر دورا فيها... أمسكت ورقة أخرى و تابعت :

"كنت أعلم أن ياسين يحب أماني منذ فترة طويلة، و إن لم يكن يبدي ذلك أمام الجميع. كانا صديقين منذ الطفولة، و قد كبرا معا، منذ زواج خالي بإيمان... لكنه قبل بضعة أيام من تاريخ الحادثة فاتح خالي برغبته في الزواج منها. كنت في المطبخ أبحث عن الكعكة التي حضرتها مريم في ذاك الصباح، حين لمحت خالي و ياسين يدخلان غرفة المكتب و يغلقان وراءهما الباب. تسللت من المطبخ و اقتربت من باب المكتب في حذر. كان خالي قد عاد من عمله مبكرا على غير عادته، خاصة أنه منذ وفاة إيمان يقضي معظم وقته في الشركة، و لم يعد يطيق أجواء البيت! سمعت صراخا قادما من الداخل. كان خالي يقول بأنه لن يسمح له بالزواج من أماني أبدا. و ياسين كان مغتاظا و فقد أعصابه أمام والده... ابتعدت بسرعة عن الباب حين سمعت وقع خطوات تقترب، و عدت للاختباء في المطبخ. خرج ياسين و الشرر يتطاير من عينيه و غادر القصر بخطوات متوترة. ثم علمت في المساء، أنه سافر إلى منزل العائلة الشاطئي... ربما يريد أن يريح أعصابه"

السيد نبيل كان معارضا لزواج ياسين من أماني؟! كيف و هي شقيقة زوجته التي يحبها؟ كما أنه استقبلها في بيته و ائتمنها على فراس و أمين، تتابع دراستهما و تهتم بمراجعتهما... فما الذي يجعله يرفضها و بكل هذا العنف؟ كانت الدهشة قد تملكت ليلى... هل... هل يكون لذلك علاقة بانتحارها؟ تحولت إلى الورقة الموالية، علها تجد فيها ردا على تساؤلاتها.

"لكن ما حصل في الغد زاد من ريبتي بخصوص نوايا خالي. كنت أجلس في الحديقة مع أمين، حين رأيت أماني تتجه نحو مكتب خالي. دخلت و أغلقت الباب خلفها. لم أتمكن من التصنت على ما يقال في الداخل لأن أمين يلازمني كظلي. لكنني ظللت أراقب الباب في انتباه. بعد دقائق قليلة، خرجت أماني و وجهها شديد الامتقاع. و بدا أنها تجاهد الدموع حتى لا تنفجر باكية. رأيتها تركض إلى الطابق الأول دون أن تنتبه إلى نظراتي. ثم ما لبث خالي أن غادر المكتب بدوره و هو يبدو مهموما أيضا! فهمت أن للأمر علاقة بزواجها من ياسين... و بما أن ياسين لم يكن في المدينة يومها، فربما يحاول خالي أن يقنعها بالابتعاد عنه! في صباح الغد، اختارت أماني أن تضع حدا لحياتها... لم يكن ياسين قد عاد من سفره بعد..."

وصلت ليلى إلى الورقة الأخيرة. تناولتها و هي تتنهد. يبدو أن خالها كان يحاول بشتى السبل إبعادهما عن بعضهما البعض. لا بد أن لديه دافعا قويا! و أماني، كيف استسلمت بتلك السهولة و انتحرت على الفور؟ ما الذي قاله لها نبيل حتى تختار الموت؟!

"كنت قد نسيت حادثة انتحار أماني التي مرت عليها سبع سنوات كاملة. لكن مشهد موتها ظل محفورا في ذاكرة الطفلة التي كنت، و لم أعلم أنني سأتذكره بتلك الدقة حين أثارت سارة الموضوع البارحة. قالت أنها سمعت أمها تتحدث مع خالي منذ فترة طويلة، و قد فهمت من حديثهما أن أماني لم تكن خالتها، بل طفلة يتيمة، أحضرتها جدتها من ملجأ للأيتام بعد أن كبرت بناتها، لتشغل بها نفسها و تؤنس وحدتها! و بعد وفاة الجدة، جاءت أماني لتعيش مع إيمان التي كانت تعتبرها شقيقتها. الآن فقط فهمت سبب رفض خالي لأماني. ففتاة مجهولة النسب، لا يمكن أن تكون أهلا للزواج من أحد أفراد عائلة القاسمي! ربما كان خالي محقا في قراره، لكن حين أفكر في أن ذلك قد قادها إلى الانتحار..."

إلى هنا انتهت المذكرات التي بين يدي ليلى. لملمت الأوراق من جديد و ربطتها بالشريط الأحمر. لم تجد فيها ما يشفي غليلها و يجيب على تساؤلاتها بخصوص زواج حنان و فراس، لكنها سلطت الضوء على قضية أخرى، ربما لا تقل تعقيدا وغموضا... لم تكن تتصور أن خالها قد يكون بهذه القسوة. من المؤكد أنه أهانها و عيرها بنسبها المجهول، و طلب منها أن تبتعد عن سليل العائلة العريقة!! مسكين ياسين. يحتفظ بهذه الأوراق التي تذكره بحبه القديم. كيف تراه تصرف حين اكتشف أن لوالده يدا في انتحارها؟ و كم مضى من الوقت على اكتشافه الحقيقة؟

هنا، عاد بها شريط الذكريات إلى ليلة حفلة الشواء... رأت نفسها تقف مع فراس في ممر الحديقة، ثم فراس ينطلق في اتجاه المبنى، و هي تعود أدراجها إلى المسبح. ثم، تكتشف المذكرة المحترقة... لكن... هناك حلقة مفقودة! لماذا قد يعود فراس أدراجه إلى الحديقة لرمي الكراس في النار، في حين أنه يمكنه أن يتخلص منها بألف طريقة أخرى دون أن يثير انتباه أحد؟ إلا إذا... إلا إذا لم يكن فراس الذي رمى بالمفكرة في النار! انتبهت من أفكارها على وقع طرقات على بابها. سارعت بدس الأوراق تحت وسادتها. فتحت الباب لتجد العم صابر يقف في احترام في انتظارها. نظرت إليه في استغراب فقال :
ـ آنستي... السيد نبيل يدعوك إلى مكتبه على الفور، أرجو أن تتبعيني...

مرت بذهنها صورة ياسين و هو يدخل المكتب، ثم صورة أماني و هي تخرج منه، كما صورتها حنان في مذكراتها، فسرت في جسدها قشعريرة باردة. يبدو أن المكتب يخص المواضيع الهامة و السرية! تبعته في صمت دون أن تجرؤ على سؤاله عن سبب الدعوة. ثم ما الذي جاء بخالها في مثل هذا الوقت؟ ليس من عادته أن يرجع في وقت الغداء! وصلت إلى المكتب، فتركها الخادم و انصرف. ترددت للحظات، ثم رفعت يدها لتدق الباب في لطف. جاءها الإذن بالدخول على الفور. أخذت نفسا عميقا قبل أن تفتح الباب و تدلف إلى الداخل. تقدمت في خطوات متوترة. رأت خالها يجلس خلف مكتبه و يمسك سماعة الهاتف و قد على وجهه ابتسامة هادئة. وقفت غير بعيد عنه، تنتظر أن يفرغ من مكالمته. لكنه نظر إليها، ثم قال مخاطبا محدثه :
ـ ها قد وصلت الأميرة!

ثم مد إليها السماعة و هو يقول :
ـ تفضلي... والدك يريد التحدث إليك!

بدت الدهشة و اللهفة على وجهها في آن. سارعت بأخذ السماعة بأنامل مرتجفة. احتضنتها في شغف و هي تهتف في شوق :
ـ أبـــــــــــــــــي! كيف حالك؟

و لم تتمالك نفسها، فتهدج صوتها و سالت الدموع على وجنتيها و هي تهمس :
ـ لماذا تركتني...؟ و لم تسأل عني طوال هذا الوقت...؟ أنا وحيدة بدونك...

وقف نبيل و غادر المكتب في صمت احتراما لخصوصية المكالمة. جاءها صوت والدها في حنان :
ـ أنا بخير يا صغيرتي... و خالك نبيل يطمئنني عن حالك... ثم لماذا الوحدة؟ أنت بين أفراد عائلتك... خبريني هل أزعجك أحد؟

ردت ليلى على الفور :
ـ كلهم طيبون و يعاملونني بلطف... و لكنني لم أتعود أن تبتعد عني هكذا... اشتقت إليك كثيرا...

لبث يهدئ من روعها و يخفف عنها حتى توقفت دموعها. مسحت آثار العبرات عن وجنتيها بظاهر كفها و قالت و هي تستعيد رباطة جأشها :
ـ كيف حال صفقتك؟ هل تسير الأمور كما ترجو؟

بدا على نجيب بعض الارتباك، لكنه أجاب بسرعة :
ـ لا تقلقي على مشاريعي، فأنت المشروع الأهم في حياتي... و صدقيني، لو لم يكن ذلك في مصلحتك، لما تركتك لحظة واحدة...

انقبض قلبها في صدرها، وقد أحست شيئا غريبا في صوت والدها، ثم تذكرت ما حصل في طريقها إلى الضيعة يوم أمس، فهمست في قلق :
ـ أبي، لماذا لم يصحبك مأمون في رحلتك هذه؟ ظننت أنك تعتمد عليه في كل شيء...

كان صوته متوترا أكثر هذه المرة و هو يجيب في تردد :
ـ مأمون؟ نعم، لقد طلب إجازة لمدة أسبوع... لأن شقيقته مريضة... و قد قام بكل ما يلزم قبل ذلك، لا تقلقي... لكن كيف عرفت أنه لم يصحبني؟

أجابت و قد تضاعف قلقها :
ـ رأيته في المدينة حين كنا في طريقنا إلى الضيعة... هل هالة بخير؟ ربما يجب أن أزورها...

قاطعها على الفور مهدئا :
ـ لا لا تقلقي... مجرد زكام... لكن... زوجها مسافر و... هي بحاجة إلى... اممم... من يهتم معها بالطفلين... !!!

لم يبد عليها الاقتناع بكلامه المتداخل فقالت في اصرار :
ـ لكنك لا تبدو على ما يرام، خبرني...هل هناك ما يقلقك؟ أنا ابنتك الوحيدة، لمن تفضي بهمومك إن لم يكن إلي؟

حينئذ تنهد نجيب بعمق، ثم قال بعد صمت قصير :
ـ صغيرتي... ربما أعود إلى الديار بأسرع مما اعتقدت...

هتفت ليلى في فرح :
ـ أحقا ما تقول؟ متى ستعود؟ وهل سنظل هنا لبعض الوقت أم نعود إلى فرنسا؟

أطلق ضحكة قصيرة، قاطعتها نوبة سعال مفاجئة. هتفت ليلى في قلق :
ـ أبي، هل أنت بخير؟

هدأت النوبة، فقال نجيب متضاحكا، مخفيا اضطرابه :
ـ سامحك الله... هاجمتني بكل هذه الأسئلة، حتى فقدت توازني! نعم يا حبيبتي، سأعود قريبا، بل قريبا جدا... أنا أيضا اشتقت إليك... لم أحجز بعد تذكرة الطائرة... لكن...

لبثت ليلى ساكتة، تنتظر بقية الجملة. تابع نجيب بصوت جاد :
ـ لكن لا أظننا نعود إلى فرنسا... أفكر في الاستقرار في البلاد بصورة نهائية...

غاص قلبها بين ضلوعها، و أحست بألم خفي يسري في أوصالها. هل كانت تتوقع ذلك؟ ربما... لكن إحساسا مريبا لازمها في الأيام الماضية، و هاهو كلام والدها يجيء ليؤكد شكوكها... تنهد من جديد و هو يقول متفهما صمتها :
ـ أعلم أنه لا يهون عليك ترك صديقاتك و زميلات الدراسة اللاتي عرفتهن في السنين الماضية. لكنني أريد لك استقرارا حقيقيا مع أفراد عائلتك التي حرمتك منها منذ طفولتك...

كادت تهتف مستنكرة بأن هذه العائلة لاتهمها، و ما عرفته عنها لم يزدها إلا نفورا... ثم هي تركت قلبها و أحلامها هناك... فما معنى الاستقرار مع أشخاص لا تحس إلى جانبهم بالأمان! أخرجها صوته من أفكارها و هو يقول بلهجة غريبة لم تفهم كنهها :
ـ ليلى... هناك موضوع هام يجب أن أتحدث فيه معك عند عودتي...

ـ خيرا إن شاء الله؟

ـ لا ينفع أن أتحدث فيه على الهاتف. لكن لا تقلقي... خالك نبيل سيخبرك قريبا بموعد عودتي...

وضعت السماعة و تنهدت بقوة. ليست تنهيدة ارتياح... بل تنهيدة قلب متعب أثقلته الهموم، و زادتها مكالمة اليوم حيرة و ألما...
الجزء السادس عشر




خرجت ليلى من المكتب تجر قدميها بصعوبة و الألم يعتصر قلبها، لا تدري أي مفاجأة جديدة يخبئها لها والدها، بعد الخبر القاسي الذي تلقته منذ لحظات...

في تلك الآونة، كانت رجاء التي وصلت للتو، تقطع البهو بخطوات رشيقة محدثة طقطقة متواترة بكعبها العالي و تهز شعرها الذي انسدل على ظهرها في شكل ذيل حصان، متمايلة في مشيتها... توقفت فجأة حين لمحت ليلى تتقدم في اتجاه الدرج و هي لا تكاد تنتبه إلى وجودها من شدة انغماسها في أفكارها... بسرعة، قطعت المسافة التي تفصلهما في خفة، و اعترضت طريقها قبل أن تصل إلى الدرج.

وقفت ليلى على قيد خطوات منها و رفعت عينيها لتطالعها في دهشة و استغراب. ارتسمت على شفتي رجاء ابتسامة صفراء و هي تقول في دلال :
ـ أهلا... ليلى! كيف حالك؟

تمالكت ليلى نفسها بصعوبة، فهي لم تنس الكلمات التي سمعتها منها في لقائهما الأول، و لم تكن لتحتمل جرعة أخرى من سهامها في حالتها تلك... تمتمت في صوت شبه مسموع :
ـ بخير...

و همت بمواصلة طريقها. لكن رجاء اقتربت منها أكثر و قالت و قد تغيرت النظرة في عينيها :
ـ اسمعي يا عزيزتي... لا تحاولي أن تلعبي دور الفتاة البريئة و الطيبة! لأنني أعرف طينتك جيدا، أنت و شقيقتك و كل عائلتك! لا تظني بأن قطعة القماش التي تضعينها على رأسك ستقنعني بأنك ملاك السلام والطهر... و إنني لأحذرك، لا تحاولي أن تلعبي نفس اللعبة التي لعبتها حنان من قبلك!

تابعت و هي تشير بسبابتها إلى ليلى في حركة مهينة :
ـ ما أنت إلا ضيفة هنا، و لفترة محدودة... لذلك لا تحاولي أن تكوني سيدة القصر! فليس معنى أنك حصلت على الغرفة الزرقاء، أنك ستحصلين على كل شيء معها!

لم تكن ليلى قد استفاقت من صدمتها الأولى... تراجعت في ذهول و قد هزتها كلمات رجاء :
ـ ما الذي تقصدينه؟

وضعت رجاء كفها على خدها في حركة مسرحية و قالت بصوت رقيق و هي تمثل التأثر :
ـ ياي! تمثيلك مؤثر حقا! هل تظنين أنني أجهل الهدف الذي اتفقت أنت و والدك من أجله على القدوم إلى هنا؟ أرجوك يا عزيزتي، ليس الجميع مغفلين هنا! و اعلمي أنني لن أسمح لك بتنفيذ المخططات التي في رأسك الصغير!

تمالكت ليلى نفسها بصعوبة و هتفت في عدم تصديق :
ـ أنت... أنت... أنت إنسانة مريضة!!!

شهقت رجاء في حدة و ضربت على صدرها بكفها في ارتياع، ثم صرخت في غضب :
ـ احترمي نفسك يا هذه! و تذكري جيدا من تكلمين!

ثم انحنت لتقترب برأسها من ليلى و همست في صوت كالفحيح :
ـ أنا من ستكون السيدة هنا... أعدك بذلك!

ابتسمت ليلى في سخرية و قالت :
ـ و كأننا نتنافس على شيء ذي بال! الغرفة لك من اليوم إن شئت! و القصر أمامك، ارتعي فيه على راحتك!

تحركت رجاء في اتجاه الدرج و هي تلوح بكفها في استهانة و قالت :
ـ لست مستعجلة... أترك لك الغرفة لبضعة أيام... لكنها ستكون لي عاجلا أم آجلا...

أطلقت ليلى ضحكة قصيرة، فيها شيء من السخرية... و المرارة، و أردفت :
ـ آسفة يا عزيزتي... لكن يبدو أنني سأطيل المكوث هنا، أكثر مما تصورت... و مما تتصورين!

كانت رجاء قد صعدت درجتين، فتوقفت و استدارت إليها في حدة و هتفت في شك :
ـ ماذا تقصدين؟

هزت ليلى كتفيها في تسليم و هي تقول :
ـ يبدو أن والدي ينوي الاستقرار النهائي في الوطن... و قد نقيم جميعا هنا إلى أجل غير مسمى!

ذعرت ليلى من نظرة الحقد التي أطلت من عيني رجاء في تلك اللحظة، و لم تشعر بها إلا و قد وثبت ناحيتها و هي تصرخ في هيجان، و أخذت تشد حجابها في قسوة، كأنها تريد جرها من شعرها، ثم أنشبت أظافرها، التي يمكن تصنيفها ضمن المخالب، في وجهها في شراسة. صرخت ليلى من الألم و القهر، و هي تحاول التخلص من هجمة رجاء الوحشية. لكن رجاء لم تتوقف عن الهتاف و العراك :

ـ أيتها القذرة، الوضيعة... أعلم أنك تطمعين في الثروة... كما كانت نجاة و حنان من قبل... لكنني لن أسمح لك... لن أسمح لك أن تأخذيه مني من جديد... هل تفهمين!

كانت ليلى تصارعها في إعياء و هي لا تفهم شيئا من كلامها... كانت تحس بالتعب، بتعب شديد بعد مكالمتها مع والدها... و كانت كلمات رجاء الجارحة و المجانية هو ما ينقصها حتى تنهار مقاومتها و تخور قواها...

فجأة، أتاهما صوت يصرخ في غضب :
ـ رجــــــــــــــاء!

توقفت رجاء و التفتت إلى المدخل حيث مصدر الصوت. كان فراس قد عاد للتو من عيادته، و ما إن أوقف سيارته قرب المدخل حتى تناهت إلى مسامعه صرخة ليلى، نزل من السيارة بسرعة و ركض إلى الداخل. و ما إن خطا داخل البهو، حتى وصلته هتافات رجاء و شتائمها...

ركضت رجاء نحوه، و قد وضعت على وجهها قناع البراءة، في سرعة خرافية، و هتفت متصنعة الوداعة :
ـ فراس... أرأيت كيف تعاملني ابنة عمتك؟ إنها متوحشة!

تمسكت بذراع فراس الذي كان ينظر إلى ليلى و قد بدا عليه التردد و الحيرة... كانت ليلى تقف في ذهول، و قد فسد هندامها و ارتخى وشاحها على رأسها... و على خدها جرح طويل... رفعت كفها للتحسس موضع الألم فاصطبغت أناملها بقطرات الدم التي أخذت تطل من الجرح. لم تعد تستطيع مقاومة ألمها، النفسي الذي فاق الجسدي بكثير... فسالت العبرات من عينيها أنهارا. راحت تبكي في صمت، و هي تطالع رجاء التي التصقت بفراس، تحاول إخفاء فعلتها :
ـ هي استفزتني... و...

أبعدها فراس عنه في صرامة و أشار إليها بيده كي تصمت. تقدم نحو ليلى و قال في اهتمام :
ـ دعيني أنظف الجرح...

كان يحمل في يده حقيبته الطبية. وضعها على الأرض و بدأ في تجهيز القطن و المعقم... تراجعت ليلى في نفور و هتفت :
ـ لا أريد منك شيئا! فقط اتركني و شأني... اتركوني و شـ... ـأنـ...ـي...

تقطعت كلماتها و قد أخذ جسدها الصغير يهتز في انفعال و هي تضم ذراعيها إلى جسدها، كأنها تحمي نفسها من خطر قادم. و تعالت شهقاتها في ألم يقطع نياط القلب... كطفلة صغيرة، تفتقد الحنان و الأمان... أصبحت مهزوزة فجأة، بكت كثيرا في الأيام الأخيرة... لم تعد تتعرف إلى نفسها... كيف صارت ضعيفة هكذا؟!

احتقن وجه رجاء و هي ترى علامات التعاطف على وجه فراس، فهتفت :
ـ هل تظنين بأنك ستخدعيننا بدموع التماسيح هذه؟! لقد فهمت خطتك منذ اللحظة الأولى... و قد ثبت لي كل شيء بعد أن علمت أنك تخططين للبقاء هنا بصفة دائمة!!

التفت فراس إلى ليلى و هو يعقد حاجبيه في اهتمام :
ـ هل حقا ستقيمين معنا بصفة دائمة؟

التفتت إليه في حدة، و قد أخذ صدرها يهتز من انفعالها... و في فورة ألمها، ترجمت كل مشاعرها الغاضبة الحانقة، في نظرة ملتهبة، رمته بها، قبل أن تهتف في عنف :
ـ ليس ذلك باختياري!

ثم اندفعت إلى الدرج، و قد ملأت الدموع عينيها و جعلت رؤيتها ضبابية. تريد الفرار من هذا المكان برمتّه، لكنها لا تملك سوى الابتعاد لبضعة أمتار فقط، إلى غرفتها! فجأة توقفت، و التفتت ثانية إلى فراس الذي كان يتابع حركاتها في حيرة. نظرت إليه في انهيار و هتفت :
ـ أخبرني... لماذا تزوجت حنان؟

امتقع وجه فراس بشدة، و لبث ينظر إليها بلا حراك، كأنه يبحث في وجهها عن حنان أخرى... لم يكن السؤال مناسبا للموقف أبدا، و لم يكن يتوقع أن يطرح عليه السؤال بتلك الطريقة يوما... لكن رجاء رفعت صوتها و هي تجيب عنه في سخرية لاذعة :
ـ كان ذلك خطأ يا عزيزتي... خطأ لن يتكرر إن شاء الله!

كانت ليلى تنتظر تعليقا من فراس... لكنه لم ينبس بكلمة، بل أشاح بوجهه في صمت ليتجنب نظراتها، أو ربما ليبعد عنه ذكريات قديمة أثارها سؤالها في نفسه... لم تستطع ليلى أن تنتظر أكثر، بل انبرت ترتقي الدرجات بأوصال مرتجفة... تعثرت في سيرها، و التوى كاحلها... لكنها عضت على شفتيها من الألم و هرولت بخطى مرتبكة إلى غرفتها، لا تلوي على شيء...

أغلقت الباب خلفها، تريد اعتزال العالم، و الاختلاء بآلامها... استندت على الجدار في تعب، لكن ما لبثت أن عادت إليها الرجفة، فارتمت على السرير، تبحث في ثناياه عن بعض الدفء...


********


أخذت نفسا عميقا و هي لاتزال مستلقية على ظهرها، تمسك بمنديل ورقي تضغطه على مكان الجرح من خدها. كانت قد هدأت، و استجمعت شتات نفسها. تفكر في مستقبل أيامها... و كل الكلام القاسي الذي رمته رجاء اليوم بوجهها. لم تفهم سر هجومها الشرس، و كلماتها المسمومة... هل كانت تكره حنان و والدتها إلى هذه الدرجة، حتى تعاقبها على انتمائها إليهما؟ أم لأنها تحمل نفس الوجه الذي يذكرها بماض تمقته؟

تنهدت في ألم... هي الأخرى تعتقد بطمع والدتها في ثروة أخيها و أنها سعت إلى تزويج حنان من فراس لهذا السبب... و لأنه المفضل عند والده! لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير في فراس. لا تفهم تعاطفه و اهتمامه... تقابل تصرفاته اللطيفة بردود قاسية... لا تزال كلمات حنان تعود إليها كلما وقع نظرها عليه... لكنها تشعر بالضياع، و تفقد توازنها، أمام التباين الواضح بين الصورة التي رسمتها له حنان في مذكراتها... و الصورة التي تراه عليها في الواقع. رغم تجهمه و صرامته، و جفاف طباعه... إلا أنها ترى فيه لمسة من الإنسانية... و تشعر بالحزن الذي يسكن في أعماقه. لكن ذلك لا يكفي، لا يكفي أبدا لتحكم عليه و تبرئه من مسؤوليته فيما حصل لحنان!

نفضت تلك الأفكار عن رأسها، و تقلبت على جانبها الأيمن... تسلل طرف ورقة بيضاء من أسفل الوسادة. اشتعل ناقوس الخطر في رأسها فجأة. استوت في جلستها و هي تمسك باللفافة الورقية بين يديها. لم تكن قد فكرت في وسيلة إرجاعها من حيث أخذتها. و لكنها يجب أن تتصرف على الفور قبل أن يلاحظ أحد غيابها.

قفزت من السرير و قد نسيت أو تناست ما كان يشغل تفكيرها، و في لحظات كانت قد قطعت المسافة إلى جناح ياسين و منال. وقفت مترددة... أي ذريعة تفسر زيارتها؟ رفعت يدها و طرقت الباب في لطف، و لبثت تنتظر. مرت ثوان، و لم يصلها رد من الداخل. وضعت يدها على المقبض، و أدارته... و بسهولة تامة، انفتح الباب. أطلت برأسها في هدوء و نادت بصوت مرتبك :
ـ منال... منال، أنت هنا؟

لم يأتها أي جواب. دفعت الباب فأحدث صريرا خافتا... خطت إلى الداخل في حذر و هي تقاوم صوتا داخليا يؤنبها في قسوة. كيف تدخل إلى الجناح في غياب أصحابه؟ و لكنها سبق أن أخذت ورقا بدون علم أصحابه... و هاهي تصلح خطأها بخطأ جديد! بدا الجناح هادئا، و لا أحد بالداخل. أغلقت الباب خلفها في رفق، حتى لا يجلب الباب المفتوح انتباه الخدم.

سارت بسرعة إلى ركن الخزانة، فتحتها و أخرجت الأوراق من حقيبتها و هي تتلفت حولها في ارتباك. مدت يدها إلى الرف السفلي، من حيث أخذتها، فشدت انتباهها مجددا القلادة الغريبة. وضعت الأوراق، و رفعت القلادة بين كفيها في رفق، و راحت تتأملها بعمق... سرحت مع أفكارها... تعلم أن القلادة لا تنتمي إلى هذا المكان! لكن كيف وصلت إلى هذه الخزانة؟ تنهدت بصوت مسموع... لشد ما تريد الاحتفاظ بها، قطعة من ماضي عائلتها...

فجأة، سمعت صرير الباب من جديد. التفتت في ذعر إلى باب الجناح، فرأت ما جعل وجهها يفقد ألوانه... كان ياسين يقف عند الباب و يطالعها في هدوء غريب... هل هو الهدوء الذي يسبق العاصفة؟ تمنت لو أنها تملك وسيلة للاختفاء من هناك على الفور، لكنها لم تكن تملك الخيار... ما الذي سيقوله عنها الآن؟ بم تراه يفكر؟ اقترب منها و على وجهه علامات الاهتمام. راقبت حركاته و هي تحاول السيطرة على ارتجافها... و أخيرا، تحركت شفتا ياسين ليتكلم بكلمة لم تتوقعها أبدا في تلك اللحظة :
ـ ما هذا الجرح؟

كان الجرح الذي تسببت فيه أظافر رجاء بارزا على وجنتها، و يشوه وجهها. ظنت لوهلة أنه يسخر منها... أو أنها لم تسمع جيدا، من فرط انفعالها... لكنه أضاف :
ـ هل رآك فراس؟ دعيه يعقمه حتى لا يزداد الأمر سوءا... ما الذي حصل؟

أطرقت في خجل من اهتمامه، و هي التي اقتحمت جناحه و عبثت بمحتويات خزانته. همهمت في خفوت :
ـ مجرد حادث بسيط... سأهتم بالجرح بنفسي...

انتظرت أن يسألها عما تفعله هناك، و أخذت تبحث في رأسها الفارغة عن حجة، و إن كانت تافهة. لكنه فاجأها بسؤال جديد :
ـ أعجبتك؟

نظرت إليه في دهشة، و هي لا تستوعب سؤاله. انتبهت إلى أنه كان ينظر إلى القلادة التي لا تزال بين يديها! ارتبكت، و لم تدر بما تجيب... فقد أمسكها متلبسة في غرفته و بيدها المسروق!

لكنه واصل قائلا :
ـ لا شك أن صاحبتها افتقدتها... لكن من الغريب أنها لم تبحث عنها! وجدتها منذ 4 سنوات أو أكثر، في حديقة القصر... و لم يصرح أحد بفقدانها...

استدار و ابتعد عنها بضع خطوات. توجه إلى الجانب الآخر ليلقي بمفاتيحه على منضدة قريبة، و قال في لامبالاة، دون أن ينظر إليها :
ـ إنها لك، إن شئت...

راقبته في عدم تصديق. ابتعد عنها، في اتجاه الحمام، و قبل أن يختفي داخله قال بصوت هادئ :
ـ إن احتجت إلى أي شيء... فلا تترددي في طلبه...

بقيت ليلى مسمرة في مكانها للحظات، و هي لا تستوعب ما حصل للتو... لكنها ما لبثت أن حثت الخطى إلى الخارج، و هي تقبض على القلادة بقوة، قبل أن يتراجع ياسين في كلامه...

الجزء السابع عشر





أغلقت باب الغرفة في حرص، و خطت في هدوء في اتجاه منضدة الزينة. أخرجت صندوقها الخشبي الصغير... صندوقها الذي تحتفظ فيه بقطع قليلة من الحلي، و بالكثير من الذكريات... تناولته بيسراها و هي لا تزال تقبض على القلادة بيمناها.

جلست على السرير، فتحت الصندوق بيد مرتعشة و أخرجت قلادتها ذات الشكل الغريب. وضعت الحليتين جنبا إلى جنب و راحت تتأملهما في حيرة... إنها متأكدة من أن هذه القلادة لحنان، مذ رأتها و هي تحس بذلك... قلبت الحليتين في جميع الاتجاهات... كانت كلتاهما ذات شكل غريب... قلادتها تشبه الهلال في شكلها، لكن الاستدارة لم تكن مكتملة... أما القلادة الثانية، فقد كانت بيضوية، مع نتوءات غريبة مثل أسنان المنشار تغطي أحد جوانبها... لا شك أنهما من صنع صائغ واحد، نفس الزخرفة و نفس الماسات الصغيرة المصفوفة بعناية...


فجأة، خطرت ببالها فكرة، بدا لها شكل الحلية الثانية، مشابها لشكل الفراغ داخل الهلال. قربت الجزأين من بعضهما البعض، و دفعت أحدهما إلى داخل الآخر... و بسهولة شديدة، التحمت القطعتان، و سمعت تكتكة خفيفة مع تعانق النتوءات التي غطت الجانب الداخلي لكلا الحليتين لتلتصقا و تكونا شكلا واحدا بيضويا! رفعت القطعة المتحدة أمام عينيها و ارتسمت على شفتيها ابتسامة... و أخيرا اجتمع النصفان بعد زمن طويل من الفراق!

كانت الماسات الصغيرة التي رصعت وجه الحلية تتألق بلمعان جذاب، ظلت تقلبها تحت ضوء الشمس الباهت في ذاك الوقت من المساء. قلبتها على الوجه الآخر و مررت أصابعها على النقوش الخلفية... كان اسمها و اسم حنان منقوشين على كل من القطعتين، لكن اسمح حنان كان قد غطي بطبقة رقيقة من الرواسب. دعكتها بإبهامها في حذر محاولة إزالة ما علق بها، و لدهشتها، انزلق الوجه العلوي للحلية من مكانه تحت ضغط أصابعها لتجد بين يديها طبقتين رقيقتين منفصلتين تقريبا، لا تلتقيان إلا في نقطة واحدة في طرف الشكل البيضوي، و تنزلق كل منهما على الأخرى في سهولة في اتجاه دائري...

تأملت في اهتمام الوجه الداخلي لكل طبقة و هي تعقد حاجبيها في استغراب... كان أحد الوجهين يحمل صورة رجل و امرأة... بدا أنهما في ثوب الزفاف! الصورة نقشت على الذهب بخطوط رقيقة و غاية في الدقة و الإتقان... أما على الجانب الآخر، فقد نقشت أرقام غريبة، لم تفهم معناها للوهلة الأولى... دققت النظر في حيرة متزايدة، لكن ما لبثت ابتسامتها أن اتسعت لتملأ وجهها...

كانت الأرقام الغريبة عبارة عن تواريخ! التاريخ الأول كان منذ ستين عاما تقريبا... خمنت على الفور أنه تاريخ زواج جدتها و جدها لأبيها... أما التاريخ الثاني، فكان من الواضح أنه تاريخ زواج والديها! يبدو أن القلادة موروث عائلي! ضحكت بصوت خافت و هي تتأمل اكتشافها في إعجاب. لكن ضحكتها لم تلبث أن تلاشت و حل مكانها الوجوم... هناك تاريخ آخر يجب أن ينقش على هذه القلادة... تاريخ زواج فراس و حنان! ذاك اللغز الغريب الذي يزيدها حيرة يوما بعد يوم.

أعادت الطبقتين إلى وضعهما الأول و فكت جزأي القلادة و قد فتر السرور الذي انتابها لبضع لحظات... تشاغلت بتقليب الحليتين بين أصابعها في توتر... كان من المستحيل تحريك الطبقتين بعد فصل القطعتين! أي نظام عجيب في الداخل! أعادت تركيبهما، و ارتمت على السرير في إعياء... و سرعان ما سرحت مع خيالها و هي تتأمل صورة العروسين. ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة و هي تتساءل... متى سينقش تاريخ جديد داخل القلادة؟



*********


استيقظت ليلى باكرا هذا الصباح... جهزت نفسها في سرعة و حماس على غير العادة... نظرت إلى هندامها في المرآة، و حاولت رسم ابتسامة على وجهها... تحاول أن تكون بشوشة و منطلقة في أول زيارة لها لجامعتها الجديدة! لعل اندماجها في الحياة الاجتماعية و تركيزها على دراستها يشغلانها عن التفكير في المسائل التي تحيرها و تؤرقها... كان ياسين قد اهتم بتسجيلها كما وعدها، فلم تفوت لحظة واحدة...

عبرت الممر مهرولة و نزلت السّلم في وثبات سريعة... لا تريد أن تتأخر عن موعدها مع مدير مركز البحوث في الجامعة! كانت في طريقها إلى الخارج مباشرة حين سمعت صوتا ينادي باسمها. التفتت مبغوتة إلى الخلف. لم تكن قد انتبهت إلى ياسين و فراس الذين وقفا أمام غرفة الطعام و قد بدا أنهما يستعدان للمغادرة كل إلى عمله. ابتسم ياسين و هو يبادرها :
ـ إلى أين في مثل هذه الساعة المبكرة؟

عادت خطوتين إلى الوراء و قد احمرت وجنتاها خجلا من تصرفاتها الطفولية. من المؤكد أنهما رأياها تقفز و تركض كالصبيان! تلعثمت و هي تهمس في حرج :
ـ إلى الجامعة... لدي موعد مع أحد مسؤولي مركز البحوث...

ـ هل تناولت إفطارك؟

لوحت بيدها في لامبالاة و هي تقول :
ـ لا بأس، سأتناول لمجة خفيفة من مطعم الجامعة... لا أريد أن أتأخر عن الموعد...

ـ انتظري إذن سأوصلك!

ابتسمت في امتنان و قالت :
ـ لا تزعج نفسك... سأذهب مع السائق اليوم لأتعود على الطريق، ثم يمكنني الذهاب بسيارتي في الأيام القادمة...

تكلم فراس، الذي كان يتابع حوارهما في صمت، بصوت هادئ، دون أن تتغير ملامح وجهه الجامدة :
ـ السائق لم يعد بعد... أبي غادر منذ قليل إلى الشركة، لذلك فإنه لن يكون هنا قبل ساعة أخرى...

وقفت ليلى في حيرة و تردد. لا تدري لم أحست بأن فراس يشمت فيها و يستمتع بوضعها في مواقف سخيفة... أو ربما هيأت لها هواجسها ذلك! لا تستطيع الاطمئنان إلى ذاك الشخص أبدا...

قاطع ياسين أفكارها و هو يقول :
ـ إذن أوصلك...

لم تكن تريد ركوب السيارة معه بمفردها... ربما كان الأمر سيان مع السائق، لكنه أشبه بسيارة الأجرة... ذاك هو عمله! أما ياسين فهو ابن خالها، و لن يرضى بأن تجلس في المقعد الخلفي في سيارته... موقف محرج حقا! و كأنه فهم ما يدور في خلدها، فأضاف :
ـ سأوصل رانيا أيضا إلى منزل جدتها...

ابتسمت ليلى أخيرا و قد وجدت طوق النجاة. أما فراس، فإنه نظر إلى ساعته في توتر و قال في تجهم كأنه مستاء مما حصل للتو :
ـ يجب أن أذهب الآن... سأتأخر على المرضى... نواصل حديثنا لاحقا...

هز ياسين رأسه موافقا، في حين غادر فراس المكان في خطوات واسعة. مر من جانبها و هو يتجنب النظر إليها... تصرفاته المتعالية تثير غيظها!

نزلت رانيا و هي تقفز في مرح، عانقت ليلى بسرعة، ثم جرت نحو والدها و أخذت تجذب كفه في استعجال و هي تهتف :
ـ هيا، بابا... هيا... سنتأخر!

ابتسم و هو يمسح على رأسها قائلا :
ـ حسن، حسن... اسبقيني إلى السيارة، و خذي معك خالتك ليلى...

قفزت رانيا بسرعة و ركضت نحو ليلى و أخذت تجرها من كفها إلى الخارج. بعد دقائق قليلة كانت السيارة تتحرك في اتجاه الجامعة...


لم تكن المقابلة مع مدير مركز البحوث سريعة كما توقعت. فرغم أن ليلى كانت قد جهزت ملفاتها مسبقا من أجل دراستها العليا في فرنسا، فإن المدير دخل في مقارنات مطولة بين نظام الدراسة المحلي و نظام الجامعات الفرنسية و استغل الفرصة ليطرح عليها أسئلة كثيرة بخصوص المناهج المعتمدة هناك و اختبار مدى تمكنها من المواد المقررة... و في نهاية اللقاء قدمت فكرة مشروعها و اتفقا على مواعيد الدروس و المحاضرات... و بعد أكثر من ساعتين، كانت تغادر الجامعة.

وقفت عند الباب في تفكير... لم يسبق لها أن خرجت إلى المدينة بمفردها، و لم تكن تعلم أين تجد محطة سيارات الأجرة، و لا كيف تتصل بالشركة المختصة حتى ترسل إليها بواحدة. و بينما هي في تفكيرها، ارتفع صوت منبه سيارة غير بعيد عنها. التفتت تلقائيا، فرأت سيارة ياسين! سارت نحوها في استغراب. ابتسم ياسين و هو يراها تقترب :

ـ أخذت رانيا لشراء بعض الهدايا لجدتها... و فكرت في أنك قد تكونين انتهيت من موعدك... لذلك انتظرناك... أليس كذلك رانيا؟

هزت رانيا، التي تجلس في المقعد الأمامي، رأسها في ملل و هي تحتضن أكياس المشتريات... من الواضح أنها تعبت من الانتظار! صعدت ليلى في حرج، و شعرت مجددا بالامتنان لاهتمام ابن خالها الأكبر بكل ما يخصها. هتفت رانيا :
ـ هل سنذهب إلى منزل جدتي الآن؟

التفت إليها ياسين مهدئا :
ـ سنوصل الخالة ليلى إلى القصر أولا... في الأثناء تكون جدتك قد استيقظت و أعدت فطور الصباح... تعلمين أن الجدات يستيقظن متأخرات!

غمغمت رانيا في احتجاج :
ـ جدتي تستيقظ دائما مبكرة!

أطلق ياسين ضحكة قصيرة، و انطلق في طريق العودة...


فجأة تعالى رنين هاتف ياسين الجوال. بدا عليه الاهتمام و هو يرد على الاتصال بكلمات سريعة مقتضبة. ثم ما لبث أن نظر إلى ليلى عبر المرآة العاكسة و هو يقول معتذرا :
ـ هناك أمر عاجل يستدعي وجودي في الشركة على الفور... الطريق إلى الشركة قصيرة من هنا... لذلك سأمر إلى هناك مباشرة... لن أتأخر... خلال دقائق قليلة سأنتهي من الأمر...

هزت ليلى رأسها في تفهم، في حين راحت رانيا تتأفف من التأخير و ياسين يحاول تهدئتها بشتى الوعود و المغريات دون فائدة...


توقفت السيارة أمام المبنى الضخم... نزل ياسين مسرعا و قال قبل أن يختفي في الداخل :
ـ انتظراني في السيارة... سأعود فورا!

كانت ليلى ترى شركة خالها للمرة الأولى. رفعت رأسها لتتأمل العلو الشاهق لطوابق المبنى العشرة و ابتسمت... لم يعد يدهشها شيء في ممتلكات عائلة خالها... و لا عجب أن تطمع حنان و نجاة و رجاء أيضا، في نصيب من هذه الممتلكات! تنهدت في حسرة و هي ترسل بصرها إلى الخارج عبر النافذة...

فجأة، لمحت شخصا يخرج من المبنى في خطى سريعة و يتوجه نحو الموقف و هو يضع نظارته الشمسية على عينيه... تسمرت مكانها في دهشة، لم تكن تتخيل أن تراه ثانية بهذه السرعة... و في شركة خالها بالذات! و دون تفكير أو تردد، فتحت باب السيارة و نزلت... هتفت رانيا في دهشة و هي تراها تبتعد :
ـ خالة ليلى...

أشارت ليلى إليها كي تبقى في السيارة، و أخذت تبحث عنه بعينيها مجددا... رأته يقف عند سيارة غير بعيدة عنها... قطعت الأمتار القليلة في شبه ركض و هتفت و هي تراه يستعد للانطلاق :
ـ مأمون!

التفت في استغراب عند سماع اسمه، و ما لبثت حيرته أن تحولت إلى مزيد من الدهشة و السرور بعد أن تعرف عليها. نزل من السيارة على الفور و تقدم نحوها مبتسما :
ـ آنسة ليلى... كيف حالك؟

ابتسمت في توتر و هي تجيب :
ـ بخير، شكرا لك... سمعت أن شقيقتك مريضة، أرجو أن تكون بخير الآن...

بدت عليه الدهشة للوهلة الأولى، ثم قال بعد تردد قصير :
ـ هالة؟ امممم... نعم، نعم... وعكة بسيطة... إنها بخير الآن، لا داعي للقلق... لكن أخبريني، ما الذي تفعلينه هنا؟

نظرت إليه في حيرة و قالت محاولة أن تحافظ على هدوئها :
ـ كنت سأسألك نفس السؤال! فهذه شركة خالي، إن كنت لا تعلم...

هرش رأسه في حرج و هو يقول في ارتباك :
ـ نعم بالطبع... السيد نبيل القاسمي خالك... كيف غاب عني هذا...

عقدت حاجبيها و هي تقول في شك :
ـ إذن ماذا كنت تفعل في شركة خالي؟

لوح بكفيه و هو يبتسم :
ـ لا شيء مهم... كانت لدي بعض الأعمال التي أوكلني بها والدك... و قد انتهيت منها...

عقدت ليلى ذراعيها أمام صدرها و قالت في حزم :
ـ مأمون... أرجوك، أخبرني ما الذي يحصل هنا؟ ما علاقة شركة خالي بأعمالك مع والدي؟

سكت مأمون في تردد واضح و بدا عليه التفكير... نظرت إليه ليلى في استعطاف و هتفت :
ـ مأمون! أنت تخفي عني أمرا ما! أرجوك... أريد أن أفهم!

زفر أخيرا في استسلام و هو يقول :
ـ حسن... والدك كان يريد أن يترك الخبر مفاجأة لك، لكن ماذا أفعل... أمري إلى الله... والدك قرر أن يصفي حساباته في فرنسا، و يستثمر قسما كبيرا من مدخراته في فرع شركة نبيل القاسمي الجديد... لذلك أرسلني حتى أهتم بكل الأمور القانونية إلى حين عودته...

نظرت إليه ليلى في ذهول... لم تكن تتوقع ذلك أبدا! لماذا يشارك والدها خالها بعد كل هذه السنين؟ و لماذا أخفى عنها ذلك، و اختلق عذرا لتواجد مأمون في المدينة؟ عادت إليها اتهامات رجاء و كلماتها المسمومة... اتهمتها بالطمع في الثروة و التخطيط إلى الحصول عليها... و هاهي تطرح على نفسها تلك الأسئلة مجددا... لماذا أرسلها والدها إلى هنا، و في نفس الوقت، أرسل مساعده للتجهيز لتعاقده مع خالها... ماذا يعني كل هذا؟

نظرت إلى مأمون في ريبة :
ـ مأمون... اصدقني القول... هل أفلست شركة أبي و اضطر إلى البيع؟

أطلق مأمون ضحكة قصيرة ثم قال مطمئنا :
ـ ليس الأمر كذلك أبدا... لم نصل إلى الإفلاس على أية حال!

ثم قال بصوت هادئ :
ـ لا داعي للقلق... كل شيء سيكون على ما يرام... لا تشغلي نفسك بهاته المسائل...

عادت مجددا إلى سيارة ياسين بعد أن شيعت بنظراتها سيارة مأمون و هي تبتعد... لكن القلق لم يشأ أن يفارقها... إلام تخطط يا نجيب كامل؟

avatar
شموس
Admin

الجنس : انثى
الابراج : العقرب
عدد المساهمات عدد المساهمات : 17804
العمر العمر : 34
الموقع الموقع : egypt
المزاج المزاج : تمام :D
نبذة مختصرة نبذة مختصرة : الضمير صوت هادئ..يخبرك بأن هناك من يراك دائما

https://www.shmos.net https://www.facebook.com/ShmosNet https://twitter.com/ShmosNet

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية ياقاتلى اين المفر

مُساهمة من طرف شموس في الجمعة أبريل 28, 2017 6:31 pm

الجزء الثامن عشر





غادرت غرفة المكتب و هي تكاد تقفز في الهواء من الفرح... صعدت الدرجات المؤدية إلى الطابق الأول في وثبات مرحة... قطعت بضع خطوات في الممر، ثم توقفت عند صورة حنان، تلك الصورة التي تشهد على مرورها من هنا، و على كونها جزءا من تاريخ هذا المكان. رنت إليها لأول مرة و ابتسامة جذلة على شفتيها، و همست كأنها تخاطب الصورة :
ـ هل تعلمين؟ أبي يعود اليوم من سفره! سنذهب لاستقباله بعد قليل... كم أنا سعيدة!

أطلقت ضحكة خافتة و واصلت طريقها في اتجاه غرفتها. فتحت صوان الملابس و أخذت تنتقي ثوبا مناسبا... لا تدري لماذا انجذبت إلى سترتها الزرقاء التي كرهتها منذ أيام قليلة! تناولتها في حنين و اتسعت الابتسامة على شفتيها... لن ترتدي غيرها! تحس بأن حياتها ستعود إليها... ربما لن تعود كما كانت، لكن وجود والدها إلى جانبها يشعرها بالأمان... و لن يعني لها اللون الأزرق شيئا بعد الآن!

ارتمت على السرير في ارتياح و أطلقت تنهيدة حارة... لا تعلم أي خطة يخفيها والدها بخصوص حياتهما الجديدة على أرض الوطن... و إن كانت لا تعتقد أنهما قد يقيمان في القصر، إلا أن أحاسيس غريبة تنتابها و تنبؤها بأن مغامرتها هنا لم تنته بعد!

تناولتها هاتفها و كونت رقما... تريد أن تشارك أحدا ما فرحتها. منال لم تكن هناك، فقد أخذها ياسين لزيارة والدتها و إحضار رانيا... لا شك أنهما سيقضيان السهرة معها...

حين دعاها خالها إلى غرفة المكتب، أحست أن للأمر علاقة بوالدها. لكنها لم تتصور أن يأتيها الخبر المنتظر بمثل هذه السرعة... لم تستطع أن تعانق خالها و تشكره على النبأ السار، كما تفعل مع والدها... لا تزال تحس بمسافة بينهما. تحس بتلك الهالة من الجدية و الوقار التي يحيط بها خالها نفسه، رغم محاولته ممازحتها بين الحين و الآخر... ربما كان ذلك بسبب الجفاء الطويل الذي كان بين العائلتين... أو ربما هو الانطباع الموحش الذي تركه لديها هذا المكان، مما أضفى نوعا من البرود العام على علاقتها مع أهله!

كانت تلك الأفكار تراودها و هي تستمع إلى رنين الجرس من الجانب الآخر دون أن يرد أحد على الاتصال. تأففت و هي تلقي بهاتفها جانبا... لماذا لا أجدك في مثل هذا الوقت يا سحر!
تناولته ثانية، و كتبت لها رسالة قصيرة تعلمها بعودة والدها...

لكن ذلك لم يؤثر على معنوياتها، فقامت على الفور و أخذت تجمع حاجياتها في نشاط... تشاغلت بتجهيز حقيبة سفرها. ليست متأكدة من مغادرتها للقصر الليلة، لكنها تريد تفريغ طاقاتها في عمل ما!

تعالت دقات موقعة على باب غرفتها... ابتسمت و قد تعرفت على صاحبها على الفور. فتحت الباب لتجد أمين أمامها. مستعدة لتحمل تفاهاته و تصرفاته الصبيانية أكثر من أي وقت مضى! ربما لأن حالتها النفسية المنشرحة تجعلها تتقبل أي شيء و كل شيء، في سبيل الحفاظ على روحها المعنوية المرتفعة...

فاجأتها نظرته الحزينة، رغم الابتسامة الباهتة التي علت شفتيه. نظر إليها مطولا قبل أن يقول في صوت منكسر :
ـ تبدين في حالة جيدة! هل كل هذا لأنك ستتركيننا؟

نظرت إليه في دهشة و هتفت على الفور :
ـ لماذا تقول هذا؟ أنا سعيدة لأنني اشتقت إلى أبي... هذا كل ما في الأمر!

ابتسم في سخرية و قال :
ـ لا تحاولي إقناعي بأنك تتمنين البقاء... و لا ألومك!

سكتت في حيرة. ربما كان كلامه صحيحا... بل من المؤكد أنه كذلك. إقامتها هنا لم تحمل إليها سوى الآلام و الأحلام المزعجة و المخاوف... لكنها لا تنكر أن الجميع كان طيبا معها... ما عدا رجاء! حتى فراس... مع أنها لم تكن ترتاح إليه، إلا أنه عاملها بمنتهى اللطف... طبعا إن استثنت نظراته الجامدة، و ملامحه الواجمة! ياسين و منال كانا دائما جاهزين لمساعدتها و الأخذ بيدها... و أمين، هو الآخر لم يدخر جهدا لتسليتها، رغم أنها كانت تصده... هل ستشتاق إليهم بعد مغادرتها هذا المكان؟ على أية حال، لن تبتعد كثيرا، طالما أنها ستقيم في نفس المدينة... و طالما أن والدها يشارك خالها في أعماله، من المؤكد أن العلاقات ستستمر... تنهدت حين وصلت بتفكيرها إلى تلك النقطة.

انتبهت إلى أمين الذي كان لا يزال يقف قبالتها. ابتسم و هو يهمس :
ـ هيا بنا... أبي ينتظرنا في الأسفل...

تبعته في هدوء و ابتسامة رقيقة تزين محياها... سأشتاق إليكم حتما!



**********



وقفت ليلى في قاعة الاستقبال و هي تتطلع في لهفة إلى بوابة خروج المسافرين. كانت تقف على أطراف أصابعها و تشرئب بعنقها لتحصل على رؤية أوضح... نظر إليها نبيل، و لم يتمالك نفسه أن ضحك و هو يقول في ود :
ـ صبرا يا صغيرتي... طائرته لم تصل بعد!

احمرت وجنتاها حرجا و تراجعت خطوتين، إلى حيث وقف أمين الذي أصر على مرافقتهما لاستقبال نجيب... استندت على أحد الأعمدة في ملل، تأخرت الطائرة عن موعدها. دنا منها أمين و قال مطمئنا :
ـ الرحلة من الولايات المتحدة إلى هنا طويلة جدا... و من الطبيعي أن تحصل بعض التأخيرات... لا داعي للقلق...

هزت رأسها في تفهم، و أخذت تجيل بصرها في القاعة بدون تركيز... فجأة، أحست بشخص يتوقف غير بعيد عنها، التفتت، فألفت مأمون ينظر إليها مبتسما :
ـ ليلى... كيف حالك؟

بادلته الابتسامة و هي تقول في مرح :
ـ أظنني سأكون بخير، إن لم تتأخر الطائرة أكثر!

عقد حاجبيه و هو يقول :
ـ نعم... تأخرت الرحلة قرابة الساعة... خيرا إن شاء الله...

تنحنح أمين كي ينبههما إلى وجوده، فأسرعت ليلى بالتعريف بينهما. نظر أمين إلى مأمون في حذر... كان مأمونا شابا وسيما، يقترب من الثلاثين من عمره، طويل القامة، و إن كان أمين يفوقه طولا... لكن مأمون بدا أكثر اتزانا و ثقة في بدلته الرسمية الأنيقة و ربطة العنق التي لا تكاد تفارقه... طالعه أمين في اهتمام، كأنه يدرس خصما لا يستهان به، ثم بادره في برود واضح :
ـ أشك في أن عمي نجيب قد يرغب في مناقشة أمور العمل منذ وصوله!

أحست ليلى بالحرج من موقف أمين العدائي، لكن مأمون ابتسم و هو يقول في هدوء :
ـ و من أقل أنني سأحدثه في العمل حال وصوله؟ علاقتي بالسيد نجيب ليست مجرد علاقة عمل... بل علاقتنا الشخصية أقوى بكثير... نحن مثل العائلة الواحدة...

ابتسمت ليلى دون أن تعلق، في حين احتقن وجه أمين من الغيظ... لا يدري لمَ لم يرتح إلى مأمون على الإطلاق! قطع الصمت الذي خيم على ثلاثتهم إعلان وصول الطائرة القادمة من الولايات المتحدة، فسارعت ليلى بالتقدم نحو بوابة الوصول، و تبعها مأمون و أمين و كلاهما يحاول تجاهل وجود الآخر...

مرت الدقائق بطيئة على ليلى و هي تتصفح وجوه الوافدين تبحث عن وجه أبيها بينها... و أخيرا، لمحته يتجاوز البوابة و هو يدفع عربة الحقائب... اندفعت نحوه و هي لا تكاد ترى شيئا أمامها، كأنها لم تره منذ سنوات... مع أن فترة غيابه لم تتجاوز الأيام العشرة! تلقاها بين ذراعيه في حنان، و استمر عناقهما لبضعة لحظات قبل أن يهتف نبيل من خلفها :
ـ ليلى... هلا سمحت لنا باستقباله معك؟ مرت سنوات طويلة منذ التقينا آخر مرة!

ابتعدت ليلى في حرج، و تعانق الرجلان في حرارة... ثم جاء دور مأمون و أمين. نظر نجيب حوله كأنه يبحث عن شخص ما، ثم نظر إلى نبيل و قال :
ـ أين فراس و ياسين؟

ـ لم يعلما بوصولك بعد... لكنهما سيزوران حتما، في أقرب وقت...

أحست ليلى بارتياح خفي يسري في شرايينها... من الواضح أن والدها لا ينوي الإقامة في القصر! تأبطت ذراعه في طريقهما إلى موقف السيارة، في حين تولى مأمون أمر الحقائب. لكن ليلى كانت قلقة بعض الشيء، فقد بدا وجه والدها شاحبا، و كأنه فقد بعض الأرطال من وزنه في الأيام القليلة الماضية! ربما لم تناسبه ظروف السفر و العمل هناك... توقف نجيب قرب السيارة و أخرج سيجارة من جيب سترته. نظرت إليه ليلى في عتاب و هي تقول :
ـ ألم تنو بعد مفارقتها؟!

ضحك ضحكة خفيفة قاطعتها نوبة من السعال... ثم قال بعد أن هدأت :
ـ التدخين ممنوع في الطائرة... لذا يجب أن أعوض!

نظر إليه نبيل و تنهد تنهيدة طويلة و لم يعلق. ابتسم نجيب و هو يشعل سيجارته و ينفث الدخان من فيه، ثم قال بصوت خافت :
ـ على أية حال... فات الأوان...

تطلعت إليه ليلى في حيرة و هي لا تفهم ما يدور بينهما من نظرات. تلاشت ابتسامة نجيب، و هو يرى القلق في عينيها. بدا عليه التردد... أخذ بضعة أنفاس من سيجارته، ثم ألقاها على الأرض و داسها بقدمه في توتر. تابعت ليلى حركاته في تساؤل... أخيرا، رفع عينيه إليها و قال محاولا الابتسام :
ـ ليلى حبيبتي... يجب أن تعلمي بأمر ما...

هزت ليلى رأسها لتشجعه على المواصلة و هي تعقد حاجبيها في اهتمام. تنهد بقوة، كأنه يستجمع قواه ليقول ما عنده. ابتعد نبيل، ليمنحهما بعض الخصوصية، و قال مخاطبا أمين و مأمون :
ـ تعاليا... لنضع الحقائب في السيارة...

راقبهم نجيب و هم يبتعدون... و أخيرا قال و هو ينظر في عيني ابنته في قوة :
ـ ليلى... عهدتك قوية و صابرة... و أعلم أنك تتقبلين قضاء الله و قدره...

لم تفهم سبب كلامه، و لكنها باتت تتوقع الأسوأ. الأمر خطير حتما حتى يفاتحها فيه في المطار! تجمعت العبرات في عينيها بسرعة... ليلى تغيرت يا نجيب... ليلى عادت طفلة صغيرة تحتاج الحب و الحماية... التجربة التي مرت بها في الأيام الماضية غيرت فيها الكثير... لم تعد تعرفها!

ـ تعلمين أنني لن أعيش من أجلك إلى الأبد... و أنني سأرحل عنك في يوم ما... و ربما كان هذا اليوم أقرب مما تتصورين...

قاطعته و قد أخذت العبرات طريقها على خديها :
ـ ما الذي تقوله؟ أطال الله عمرك يا أبي و أبقاك إلى جانبي... فأنت كل عائلتي...

ضمها نجيب في حنان و هو يستطرد :
ـ لا، يا ليلى... لا، عائلة خالك عائلتك أيضا... و لذلك أرسلتك للإقامة معهم، حتى تتعرفي عليهم... لأنني لا أريدك أن تبقي وحيدة إن أنا رحلت عنك...

هتفت مجددا بين دموعها :
ـ بعد عمر طويل إن شاء الله...

تنهد نجيب مجددا و هو يقول في ألم :
ـ الأعمار بيد الله يا صغيرتي... لكن والدك مريض يا ليلى... مريض جدا...

رفعت ليلى عينيها إليها و هي تأمل أن تجد في ملامحه ما يدل على المزاح، و إن كان مزاحا ثقيلا على قلبها. لكنه كان يبتسم ابتسامة باهتة، و قد ذبلت عيناه و كسا ملامحه الوجوم. واصل قائلا :
ـ لم أرد أن أخبرك قبل الآن... لأنني أملت أن أجد العلاج المناسب، في الولايات المتحدة... لكن يبدو أن المرض وصل إلى مرحلة متقدمة... و لم تعد تجدي العقاقير...

غطت ليلى فمها بكفها لتكتم شهقاتها، و ضمت والدها بذراعها الأخرى بقوة... الآن فقط... الآن فقط فهمت سبب كل ما يحصل... فهمت سر مجيئها إلى هنا، و سر تصفية والدها لأعماله في فرنسا و عودته إلى الوطن... الآن فقط، فهمت سر تكتم والدها على سفره إلى أمريكا و عدم مرافقة مأمون له في رحلته... الآن فقط، أدركت أن أحلامها بعودة الاستقرار إلى حياتها لم تكن سوى أحلام يقظة...

تابع نجيب و هو يربت على رأسها ليهون عليها، و هو أحوج إلى من يهون عليه مصيبته :
ـ لقد حجزت جناحا في مستشفى خاصة، حتى يتابع الأطباء حالتي عن كثب... و الشفاء من عند الله، و إن يئس الأطباء!

مسحت ليلى دموعها بسرعة... كيف استسلمت لدموعها و هي تعلم أنها بذلك تزيد من ألمه... يجب أن يراها قوية، كما تعود... حتى لا ينشغل عليها... رسمت ابتسامة واهنة، تداري بها حزنها و لوعتها... لم تدم فرحتها بعودته طويلا، حتى فاجأها بهذه الفاجعة... لكن عليها أن تتجلد على الأقل أمامه. رنت إليه في حب، ثم قالت بصوت خافت :
ـ نعم... الشفاء من عند الله... فلتكن ثقتنا برحمة الله كبيرة...

سارا باتجاه السيارة التي سبقهم إليها نبيل و أمين، في حين ركب مأمون سيارته و انطلق في اتجاه المستشفى. نظرت ليلى إلى والدها و قالت في تردد، كأنها تتوقع الجواب و تخشاه :
ـ أبي... ممَ تشكو؟

ابتسم في ضعف و هو يسرح بنظراته بعيدا :
ـ سرطان الرئة...

أطرقت ليلى في ألم. إنه خطؤها... لم تكن حازمة معه في موضوع التدخين. تركته يهلك نفسه و يستهلك صحته و هي تكتفي بعتاب بسيطة بين الفترة و الأخرى... كان بإمكانها أن توقفه! تسللت دمعة متمردة، فمسحتها بسرعة قبل أن ينتبه إليها. أدخلت يدها في جيب سترته و أخرجت علبة السجائر. تابع نجيب حركاتها و هي تضعها في حقيبتها أمام عينيه. نظرت إليه ليلى و قالت في جدية :
ـ الثقة في رحمة الله وحدها لا تكفي... علينا الأخذ بالأسباب...
الجزء التاسع عشر






وقفت ليلى في المطبخ إلى جانب العم هاشم و هو يعد الوجبة التي طلبتها منها، و أخذت تهز قدمها في عصبية... قالت و هي تستعجله :
ـ هل انتهيت من الحساء؟

ابتسم الرجل و قال و يداه لا تتوقفان عن العمل :
ـ لم يبق سوى تزيين الحلويات، ثم أضع كل ما يلزم في سلة الطعام...

تحركت ليلى و بسرعة لتحضر السلة و هي تقول :
ـ هات عنك... سأنظمها بنفسي هنا... أرجو أن تجهز الحلويات بسرعة... لا أريد أن أتأخر أكثر!

أطل أمين من الباب. لم تنتبه إليه ليلى التي كانت منهمكة في عملها. عقد ذراعيه أمام صدره و استند إلى دفة الباب و راح يتأملها و على شفتيه ابتسامة خفيفة... كم تبدو بريئة و عفوية و هي تتنقل هنا و هناك في حيوية، تضع لمساتها المميزة على كل ما حولها... كل ما يخص والدها يدخل على قلبها السرور... كم تغيرت منذ عودته، رغم الألم و الخوف إلا أن وجوده قريبا منها هو كل ما يهمها...

رفعت رأسها فرأته، ابتسمت على الفور، في حين بادرها هو :
ـ تحتاجين إلى بعض المساعدة؟

ـ انتهيت تقريبا... أنتظر الحلويات التي يهتم عم هاشم بتزيينها...

استدار ليغادر و هو يلوح بالمفاتيح :
ـ أنتظرك في السيارة... منال سبقتك...

هزت رأسها علامة لموافقة ثم التفتت من جديد إلى العم هاشم تراقب عمله...


لم يسمح لها ليلة البارحة بالبقاء إلى جانب والدها في المستشفى. غادرته و في قلبها غصة... لم تستطع النوم و هي تفكر في مرض والدها، و حياتها القادمة... لا يجب أن تستسلم، هكذا حدثت نفسها... يجب أن تكون قوية من أجله. إن كل ما يؤرقه في مرضه هو خوفه عليها... لذلك يجب أن تطمئنه عليها و أن تستعيد توازنها حتى تقف إلى جانبه كما يجب...

وصلت السيارة إلى المستشفى. ترجل أمين و بادر بحمل سلة الطعام في حين سبقته ليلى و منال إلى الداخل... كان نجيب مستلقيا في سريره يطالع جريدة محلية. لم يعد يتحمل القيام بأي مجهود عضلي، و رحلة الأمس أرهقته كثيرا... لذلك فإن الطبيب أمر بملازمته للفراش لبعض الوقت... يحس بخدر في عضلات ساقيه، و تنفسه غير منتظم... لم يبق في العمر الكثير يا نجيب... هكذا كان يحدث نفسه حين دخلت عليه ليلى... سالت على خده دمعة يتيمة لم يستطع كبح جماحها في اللحظة المناسبة. هرعت إليه ليلى و احتضنته في حب. همست في أذنه و هي تبتسم :
ـ اشتقت إليك يا أغلى الآباء...

ابتسم بدوره و هو يربت على رأسها :
ـ و أنا أكثر يا أغلى البنات...

تقدمت منال التي لم يرها بعد و عرفت بنفسها بعد أن سلمت عليه بدورها. بادرها على الفور :
ـ أين زوجك؟

ـ لديه بعض الأعمال في الصباح... لكنه وعد بزيارتك حالما ينتهي منها...

نظر نجيب إلى ليلى و سألها :
ـ و أين الدكتور فراس؟ لمَ لم يأت معكم؟

هزت ليلى كتفيها كأنها تقول : لا علاقة لي به! في حين تبادل أمين و منال نظرات حائرة. كان من المفترض أن يصل إلى هنا قبلهم، فقد أعلن البارحة أنه سيمر على المستشفى قبل ذهابه إلى العيادة. تكلم أمين موضحا :
ـ لا شك أن أمرا ما شغله... فقد حسبت أنه زارك باكرا هذا الصباح!

فجأة، رن هاتف ليلى الجوال... كانت سحر المتصلة. لا شك أنها تلقت رسالتها القصيرة و تريد التهنئة. لكن كل شيء تغير بين الأمس و اليوم! خبر الأمس المفرح، لم تتبق منه سوى ظلال قاتمة تخيم على قلبها الصغير الذي اشتاق إلى النور... اعتذرت و خرجت إلى الممر لترد على الاتصال.

ـ ليـــــــــــلى، مبارك! الحمد لله على عودة والدك سالما! سعدت كثيرا من أجلك...

قاومت ليلى حتى لا تتمرد دموعها على إرادتها مجددا
ـ شكرا لك يا عزيزتي...

ـ ليلى؟ لماذا لا تبدو السعادة في صوتك؟ هل حصل أمر ما؟

تنهدت بعمق، قبل أن تسمح لعبراتها الحبيسة بالتسلل من نوافذ عينيها
ـ أبي مريض يا سحر... مريض جدا! لم يسافر للعمل... بل للعلاج!

سكتت سحر و قد ألجمتها المفاجأة، لا تدري كيف تواسي صديقتها... تذكرت شيئا ما
ـ ليلى... هناك أمر آخر...

أبعدت ليلى السماعة عن أذنها حين وصلها اتصال ثان على الخط الموازي... لم تتعرف على الرقم

ـ سحر، لحظة... وصلني اتصال آخر... ثوان و أعود إليك...

مسحت دموعها و أخذت نفسا عميقا قبل أن ترد على الاتصال
ـ السلام عليكم

ـ و عليكم السلام و رحمة الله

اهتزت أوصالها بقوة حين وصلها الصوت... و تدفقت الدماء بشدة إلى وجنتيها
ـ ليلى... كيف حالك؟

تسارعت دقات قلبها أكثر فأكثر... بالكاد تمالكت نفسها لتسأل باضطراب :
ـ من المتصل؟

لم يكن الصوت العميق و النبرة الدافئة التي تبعثر كيانها لتخفى عليها... لكنها أرادت التأكد، قبل أن تستسلم للحلم... فقد باتت الأحلام صعبة المنال في الأيام القليلة الماضية...

ـ أنا عمر... آسف لأنني اتصلت دون إذنك... لكنني علمت أن والدك قد عاد من السفر... و ظننت أن الفرصة قد تكون مناسبة لــ... أتحدث إليه...

سالت دموعها مجددا، من التأثر هذه المرة... لم ينسها رغم أنها سافرت دون أن تعلمه أو تطمئنه إلى موافقتها... لم يتخل عنها رغم بعد المسافات و رغم عدم وفائها بوعدها بطلب موعد له مع والدها... أحست بالنور يتسلل إلى قلبها من جديد... و تمنت أن تكون سعادتها حقيقية هذه المرة، و ليست مجرد أوهام سرعان ما تتبخر...

ـ سأكون في مدينتكم بعد يومين... لدي بعض الندوات و المحاضرات... و أود أن أستغل الفرصة للقاء والدك إن أمكن...

لبثت صامتة و هي لا تدري بما تجيب... هل تخبره بمرض والدها؟ هل الوقت مناسب للقائهما؟ ربما كانت خائفة على صحة والدها، لكن خبرا كهذا سيسعده بالتأكيد... يهمه أن يطمئن على مستقبلها...

ـ ليلى... هل كل شيء على ما يرام؟

تكلمت أخيرا، بصوت مبحوح :
ـ لا... لا بأس... سأكلم والدي في الموضوع...

بدا الارتياح في صوته و هو يقول :
ـ حسن إذن، موعدنا بعد يومين إن شاء الله... سأتصل بك حال وصولي لتأكيد الموعد...

ـ حسن...

همت بإنهاء المكالمة، لكنه استوقفها :
ـ ليلى...

ـ نعم؟

ـ اهتمي بنفسك جيدا...

تنهدت في ارتياح و هي تغلق الخط و ظلت الابتسامة معلقة على شفتيها... تذكرت فجأة أنها تركت سحر تنتظر على الخط الآخر! عادت إليها بروح مختلفة.
ـ آسفة تأخرت عليك...

ثم هتفت متظاهرة بالغضب :
ـ من سمح لك بإعطاء رقمي لعمر؟ و لماذا لم تخبريني كي أستعد؟!

انفجرت سحر ضاحكة و قالت في مرح :
ـ إذن اتصل بهذه السرعة! كنت سأخبرك بذلك... لكنك لم تمهليني... أو بالأحرى هو لم ينتظر حتى أضعك في الصورة...

ابتسمت ليلى و هي تقول في سرور واضح :
ـ تصوري... سيكون هنا بعد يومين ليقابل أبي...

شهقت سحر و راحت تصرخ :
ـ هذا غش! يعتذر عن محاضراته متذرعا بـ"ظروف خاصة" و هو ذاهب ليلتقي حبيبة القلب! سأفضحه في الجامعة... سترين إن لم تصبحا حديث الساعة بين الطلبة، فلست أنا سحر التي تعرفينها!

ضحكت ليلى بصوت خافت، و هي تحس بوخزة في صدرها... لم يرد أن يشعرها بالحرج لأنه سيسافر من أجلها فقط! في حين تنهدت سحر و هي تقول في سعادة :
ـ نعم، اضحكي... الحمد لله أنك سأطمئن عليك قريبا... و أخلي مسؤوليتي منك!

ضحكت ليلى من جديد، ثم اعتذرت لأنها تأخرت على والدها و ضيوفه. أنهت المكالمة و قد أحدثت في نفسها تغييرا عميقا... ربما كان الغد أكثر إشراقا مما تتصور... فقط لو يمن الله بشفاء والدها...

استندت على حائط الممر و هي تحتضن الهاتف الذي حمل إليها المكالمة الغالية... و ارتسمت على شفتيها ابتسامة حالمة...


كان فراس قد عبر مدخل المستشفى للتو، و راح يجيل بصره باحثا عن الغرفة المقصودة و هو يستعيد في ذهنه الحوار الذي دار بينه و بين والده هذا الصباح. كان يستعد للخروج لزيارة السيد نجيب، حين استوقفه والده و دعاه إلى المكتب... لم يستوعب بعد كل ما قيل، لكن ما سمعه جعله ينفعل و يتشاجر مع والده... عقله يرفض الفكرة بشدة... لكن هناك أمور كثيرة يجب أن يحسمها بينه و بين نفسه قبل أن يصل إلى قرار مناسب... لكن هل سيعني قراره شيئا أمام تصميم والده؟

تنهد بعمق و هو يدلف إلى الممر المقصود... فجأة رآها... كانت تقف وحيدة على بعد بضعة أمتار، نظراتها تائهة في الفراغ و كفها تضم هاتفها إلى صدرها... لم يبد أنها انتبهت إلى وجوده. لمح الابتسامة الرقيقة على شفتيها فأحس بشيء غريب في صدره... نظر إليها في شك... تلك الابتسامة حيّرته. هل... هل تكون عاشقة؟!! هيأتها و وقفتها و ابتسامتها و الهاتف في يدها... كل ذلك جعلها تبدو كمراهقة تلقت مكالمة من حبيبها جعلتها تحلق إلى عالم آخر... لا يدري لمَ أزعجه الخاطر، مع أنه قد يريحه من مشاكل كثيرة و تختفي ليلى من حياته إلى الأبد...

توقف في ارتباك و عاد بضع خطوات إلى الوراء... وقف للحظات في المنعطف، مسح وجهه بكفه في حركة عصبية. ما بك يا فراس؟ اهدأ... ليس هناك ما يستحق الانفعال! كان منزعجا من نفسه، و من المشاعر الغريبة التي انتابته فجأة... تقول فجأة؟ لم يعد واثقا من الأمر... لطالما أثرت فيه ابتسامتها، و نظراتها الخجلة... حركاتها العفوية المحتشمة، و دموعها... آه من دموعها... لطالما قاوم اجتياحها لحياته بالتكشير و العبوس، ظن أن ذلك سيكفي لإبعاد خيالها عنه... ضغط على رأسه بين كفيه ليطرد الصور و الهواجس التي عادت إليه... مجرد أوهام يا فراس... مجرد أوهام، لا تستسلم إليها...

أخذ نفسا عميقا و استرجع رباطة جأشه، ثم عاد أدراجه إلى الغرفة... حين أطل من الممر لم يرها... تنهد في ارتياح، و تقدم بخطى ثابتة و ثقة عالية بالنفس...


كانت ليلى قد انصرفت إلى الحمام حتى تتخلص من آثار الدموع... لا تريد أن لا يلاحظها أحد، حتى إن كانت دموع فرح... كان في طريق عودتها إلى غرفة والدها حين لمحت مأمون قادما من الطرف الآخر للممر يحمل باقة ورود بيضاء، غاية في البساطة و الجمال. ابتسمت ليلى و هي تتأمل الباقة في إعجاب :
ـ كم هي جميلة!

سألها مأمون و هو ينظر في ساعته :
ـ جيد أنني رأيتك هنا... هل هناك زوار غيرك؟

هزت رأسها علامة الإيجاب و هي تقول :
ـ نعم، هناك أمين، و زوجة ابن خالي الأكبر...

تذكر أمين لقاءه السابق مع أمين فقال بسرعة :
ـ حسن إذن، لا أريد أن أفسد عليكم الجلسة العائلية... كما أنني مستعجل بعض الشيء... أرجو أن تسلميه هذه الباقة مع تمنياتي بالشفاء...

أخذت ليلى منه الباقة، و قد عادت إليها مشاعر الحزن التي تناستها لبضع دقائق. نظرت إليه في عتاب و قالت :
ـ كنت تعلم... و أخفيت عني! كلكم أخفيتم عني! حتى خالي كان يعلم...

تنهد مأمون في ألم و هو يقول معتذرا :
ـ كنا نأمل أن يجدوا علاجا له في الولايات المتحدة، و لا نضطر إلى إخبارك... أنت ابنته الوحيدة، و أقرب الناس إليه... لم نرد أن نؤلمك...

هزت رأسها في تفهم و هي تقاوم دموعها...

ـ إن احتجت إلى أي شيء، لا تترددي في الاتصال بي... أنت أختي الصغرى كما اتفقنا... أليس كذلك؟

ابتسمت في امتنان و قالت :
ـ شكرا جزيلا لك... وقوفك إلى جانب والدي في هذه اللحظات الحرجة لن أنساه ما حييت...

في تلك اللحظة، خرج فراس من الغرفة بعد زيارته القصيرة للمريض... رأى ليلى أمامه مع شاب لا يعرفه، يتهامسان في الممر... و باقة ورود بين ذراعيها... لم يكن الموقف يحتاج إلى المزيد من التساؤل... هاهو الجواب أمام عينيه!! التفتت ليلى حين انفتح الباب، و رأته يقف في صمت... تقدم بخطوات سريعة و عصبية، رماها بنظرة قاسية و ابتعد دون أن ينطق بكلمة واحدة... تابعته في حيرة و استنكار... لطالما كان فظا و باردا معها، لكن أن يعاملها بقلة احترام أمام شخص غريب فهو ما لم تتوقعه منه أبدا! طفح الكيل يا فراس!

تنحنح مأمون و هو يهم بالانصراف :
ـ آسف ليلى... يجب أن أذهب... سأتأخر عن موعد هام...

انتبهت إلى أنها كانت تضغط على الباقة بين يديها تكاد تهشمها...
ـ حسن... شكرا لك مجددا...

انصرف مأمون، و لبثت ليلى واقفة في الممر و الحيرة تملؤها... متى وصل فراس؟ و ما الذي حصل في الداخل حتى يغادر بهذه السرعة، و بمثل هذا الشكل؟!!
الجزء العشرون




جلس الجميع على مائدة العشاء في الوقت المعتاد، و ظل المقعد المقابل لليلى شاغرا. التفتت رانيا التي تجلس على المقعد المجاور و هتفت في حيرة :
ـ أين عمي فراس؟

لم يكن فراس قد عاد إلى القصر بعد، مع أنه كان دوما من أكثر المحافظين على موعد العشاء المحدد... دقيق جدا في مواعيده. و مع أن السيد نبيل ينزعج في العادة كلما تأخر أحد أفراد العائلة عن الموعد، إلا أنه هذه المرة كان يتناول حساءه في هدوء و لم يعلق بكلمة... كأنه يدرك جيدا سبب غياب فراس و يتفهمه... تكلم أمين مبديا استغرابه :
ـ لم يكن طبيعيا اليوم! حين جاء إلى المستشفى هذا الصباح بدا مرتبكا... كأنه أضاع شيئا ما، ثم غادر بسرعة... أشك أن لديه مشاكل في العيادة...

أكملت ليلى شطيرتها في هدوء و قد سرحت نظراتها إلى الفراغ... يبدو أنه لم يكن طبيعيا مع الجميع... أمره غريب ذاك الـ فراس! تمر لحظات من الهدوء تراه فيها طبيعيا، و لحظات أخرى يدهشها فيها بنظراته القاسية و تصرفاته المحيرة... هل تكون تلك أعراض الاضطراب النفسي الذي لازمه منذ وفاة حنان؟ تنهدت بصوت مسموع و هي تضع المزيد من الحساء في صحنها...


كانت الليلة حارة نوعا ما. لم تستطع النوم و هي تفكر في والدها و في قدوم عمر بعد يومين فقط... لم تعد ألغاز القصر تشغل تفكيرها مثل السابق... لديها ما يكفيها من الهموم الشخصية! تقلبت في سريرها دون جدوى... و بعد لأي، ارتدت ملابسها ثانية و قررت النزول إلى الحديقة...

كان القصر مظلما تقريبا و قد أوى أغلب سكانه إلى النوم. سارت في هدوء في الممر المضاء بمصابيح ليلية خفيفة الإنارة ثم نزلت إلى الأسفل، مرورا بالبهو... كانت الحديقة هادئة، لا يسمع فيها سوى صوت الصراصير الليلية التي لا تمل الغناء، و حفيف أوراق الشجر التي يحركها النسيم بين الفينة و الأخرى.

اتخذت مجلسها على الأرجوحة الكبيرة في الفناء الأمامي، استرخت و أخذت تهزها في حركة بطيئة إلى الأمام و إلى الخلف، مثل مهد الطفولة... لشد ما تحتاج الآن إلى من يهدهدها و يمسح على شعرها حتى يغلبها النعاس... أمها لم تكن الشخص المناسب أبدا لمثل هذه الحركات... و أبوها يحتاج إلى من يرعاه في هذه الفترة. و هي؟ من يرعاها و يخفف عنها و يواسيها في محنتها؟ سالت العبرات على وجنتيها في صمت... كانت قررت أن لا تبكي أمام والدها حتى لا تشغل باله عليها... و لا تريد أن تبكي أمام منال أو أمين حتى لا يعتقدا بضعفها و قلة حيلتها... لكن على الأقل يمكنها أن تستسلم لدموعها حين تخلو إلى نفسها... حيث لا أحد يشهد على ألمها سوى النجوم و نسيم الليل الذي يداعب وجهها...


فجأة انتبهت إلى ظل شخص يقف غير بعيد عنها. لكن الإنارة كانت مسلطة على الأرجوحة في حين خيم الظلام على بقية أنحاء الحديقة، إلا من أعمدة إضاءة قليلة متفرقة... لم تتمكن من تمييز ملامح الشخص الواقف أمامها كأنه تمثال لا يبدي حراكا. لفت السترة على جسمها في إحكام و هتفت في شك :
ـ من هناك؟

بعد صمت قصير، جاءها صوت مألوف...
ـ إنه أنا...

قال ذلك و هو يتقدم إلى دائرة الضوء حتى تتمكن من رؤيته...

كان فراس قد عاد إلى القصر منذ دقائق قليلة و قد تجاوزت الساعة منتصف الليل... كان قد خرج في نزهة ليلية بعد يومه المتعب، ليروح عن نفسه، و يتفادى لقاء والده مجددا... لم يتصور أن الموضوع قد يشغل باله إلى تلك الدرجة. فقد كان تركيزه قليلا طوال النهار و قد أضناه التفكير المتواصل في كل ما يحصل معه في الأيام القليلة الماضية...

دخل من البوابة الخلفية، و تسلل في هدوء إلى المدخل الجانبي... لكن استرعى انتباهه ضوء الفناء الأمامي الذي كان مفتوحا على غير العادة، خاصة في تلك الساعة المتأخرة... اقترب في حذر ليتثبت من الأمر... و هناك رآها، كما لم يرها من قبل... كانت مستلقية على الأرجوحة العريضة، مطمئنة إلى وحدتها... تضم ذراعيها حول جسدها رغم حرارة الطقس... كأنها... كأنها تحمي نفسها، تغلق أبواب صدرها على آلامها و تخفيها داخلها في حرص... قفز إلى ذاكرته مشهد مشاجرتها مع رجاء منذ يومين... نفس الحركة، التي أشعرته بضعفها و خوفها... بحاجتها إلى مصدر أمان في حياتها... لكن والدها لم يعد قادرا على إشعارها بالأمان بعد الآن... فمن يمكنه ذلك؟ هل هو صديقها الذي أهداها باقة الورود؟ انقبض صدره لهذه الفكرة... لماذا انزعج اليوم حين رآهما في الممر؟ بل لماذا تضايقه فكرة وجود شخص ما في حياتها؟ أرقه هذا السؤال طوال اليوم، و هو لا يفهم لتصرفاته معنى يريحه... و يرضيه!

لبث مسمرا في مكانه يتأملها في صمت، يحاول أن يقرأ أفكارها... في من تراها تفكر الآن؟ ابتسم في سخرية و هو يقول في نفسه : ليس فيك على أية حال! فجأة حركت رأسها، فلمح آثار الدموع تلمع على وجنتيها... أحس بألم في صدره. إنها تبكي مجددا، و هو لا يحتمل أن يراها تبكي... تذكره بدموع حنان... لا... لا، دموعها مختلفة... دموع ألم و خوف... أما دموع حنان...

انقطع حبل أفكاره حين رفعت رأسها في اتجاهه... و رأته. لم يستطع أن يختفي بعد أن افتضح أمره. ما الذي جاء به إلى هنا، و كيف نسي نفسه و هو يطالع الفتاة بكل وقاحة؟! لا يدري كم مضى عليه من الوقت في وقفته تلك... لم يعد بإمكانه الهروب. تقدم بعد تردد قصير، و رأى الدهشة في عينيها حين تعرفت عليه...

اقترب حتى لم يعد يفصلهما سوى مترين أو ثلاثة و هو يخفي كفيه في جيبي سرواله... أطرق و هو يقول بصوت هادئ :
ـ كيف حالك ليلى؟ آسف لأنني أخفتك...

بدت متفاجئة من هدوئه بعد انفعاله الظاهر هذا الصباح. مسحت دموعها بكمها و حاولت أن ترسم ابتسامة على وجهها و هي تهمس بصوت شبه مسموع :
ـ لا بأس... أنا بخير...

رفع رأسه ببطء لينظر إليها، و ابتسم بدوره... تلك الابتسامة النادرة التي تحوله إلى شخص آخر مختلف تماما! قال بصوت دافئ و هامس :
ـ يحزنني ما يحصل ما والدك حقا... و أتمنى لو كان بيدي أن أقدم شيئا... لكن ما أريده منك هو تطمئني إلى وجود عائلة إلى جانبك، يهمها أمرك و تحرص على حمايتك... مهما حصل في المستقبل، أنت ستبقين فردا منا... تأكدي من ذلك...

نظرت إليه في ذهول و هي لا تكاد تصدق أذنيها... فراس بنفسه يرحب بها بينهم؟! هل صفا قلبه تجاهها أخيرا؟ و نظراته هذا الصباح؟ هل يكون قد استوعب أخيرا أنها شخص آخر غير حنان؟ همهمت في امتنان :
ـ شكرا لك... فراس...

خيم الصمت عليهما قبل أن يحس فراس بحرج الموقف بالنسبة إليها. قال أخيرا :
ـ تأخر الوقت... قد يكون من الأفضل لو تعودين إلى غرفتك...

وقفت على الفور، كأنها تنتظر إشارة منه، عبرت الفناء بخطوات سريعة... ثم توقفت عند المدخل و التفتت... كانت ابتسامتها واضحة و هي تقول :
ـ تصبح على خير...

هز رأسه و هو يهمس بدوره :
ـ تصبحين على خير...

ظل واقفا مكانه لبضع دقائق بعد اختفائها... لا يدري لماذا فعل ذلك... لكنه لم يستطع أن يقف متفرجا على ضعفها... أراد أن يشعرها بالأمان و لو للحظات... و تصرفه ذاك خلف في صدره ارتياحا غريبا، لم يستشعره منذ زمن...



********


استيقظت كعادتها مبكرة، لتشرف على إعداد وجبة الغداء الخاصة التي يحضرها العم هاشم لوالدها... تذكرت موقفها مع فراس ليلة البارحة و هي تسوي وشاحها أمام المرآة، فارتسمت على شفتيها ابتسامة... ما إن عادت إلى غرفتها و وضعت رأسها على الوسادة، حتى راحت في سبات عميق... نامت مرتاحة البال، كأن الأمر الذي كان يشغلها قد حل بعصا سحرية! عجيب أنت يا فراس...

قبل أن تغادر، تذكرت شيئا... فتحت الصندوق الخشبي الصغير و تناولت القلادة... القلادة المكتملة بشقيها المتلاصقين. تأملتها للحظات، ثم وضعتها حول عنقها، و خرجت على الفور لتلحق بخالها الذي يرافقها اليوم إلى المستشفى...


وضعت سلة الطعام على الطاولة و خرجت من غرفة المريض لتغير الماء في آنية الزهور... حين عادت، كان والدها و خالها منسجمين في حديث هامس... ما إن دخلت حتى توقفا و التفتا إليها في نفس الوقت. بدا لها الأمر غريبا، كأنهما يخفيان عنها أمرا ما... ربما يتحدثان عن الشراكة التي بينهما و يظنان أنها لا تعلم بعد! ضحكت في سرها... أمركما مكشوف عندي، لو تدريان!

بعد قليل، دخل فراس رفقة الطبيب المشرف على علاج والدها... يبدو أنهما على معرفة سابقة... تشاغلت بتصفيف الورود في الآنية، ريثما قام الطبيب بالفحص الروتيني... أما فراس فقد كان مطرقا طوال الوقت، يتجنب نظرات والده الذي لم يتوقع أن يجده هنا...

حين انصرف الطبيب، التفت نجيب إلى ليلى و هو يقول :
ـ تعالي ليلى... اقتربي...

تركت ليلى الورود التي لم تنته من تنسيقها بعد، و هبت إليه على الفور، تناولت كفه بين كفيها الصغيرتين و قالت باسمة :
ـ ها أنا عندك... أمرك!

نظر إليها والدها مطولا، ثم التفت إلى فراس الذي كان يتابع المشهد في بعض التوتر... ابتسم مجددا و هو يقول محدثا ليلى :
ـ صغيرتي... هناك موضوع هام، أود أن أتحدث معك فيه...

امتقع وجه فراس و كأنه عرف مسبقا أي موضوع هو... تنحنح و هو يقول مقاطعا :
ـ أستأذن أنا إذن... و أترككم على راحتكم...

استوقفه والده قائلا :
ـ انتظر قليلا، سننصرف معا بعد قليل...

نظر إليه فراس في استعطاف و قال بصوت خفيض :
ـ أنا آسف... يجب أن أذهب الآن...

ابتسم نجيب و هو يهز رأسه متفهما و قال :
ـ نعم يا بني... انطلق إلى عملك... لا بأس يا نبيل، دعني أهتم بالأمر...

ثم انسحب فراس يتبعه نبيل من الغرفة. في حين ظلت ليلى في حيرة من أمرها. كانت تعتقد أنها على علم مسبق بالموضوع الهام، لكنها لم تفهم سر توتر فراس المفاجئ... التفت إليها والدها مجددا و على شفتيه ابتسامة غامضة... فجأة، انتبه إلى القلادة التي تزين صدرها. مد أصابعه إليها في عدم تصديق، قلبها ليتأكد من أنها القلادة المكتملة، ثم فتحها ليطالع الصورة التي بداخلها و الأرقام المنقوشة. نظر إلى عينيها اللتين اغرورقتا بالدموع، و قال :
ـ مضى وقت طويل... مذ رأيتها مكتملة آخر مرة! سبعة عشر عاما أو تزيد...

نزعت القلادة عن عنقها و مدتها إليه. ضغطت على كفه، و هي تقاوم رغبتها في البكاء... قالت بصوت خفيض :
ـ المهم أننا استرجعناها الآن...

هز نجيب رأسه مجددا و هو لا يزال يتأمل القلادة و في عينيه نظرة حزينة. ثم ما لبث أن تنهد بعمق و رفع رأسه قائلا :
ـ أنتظر اليوم الذي ينقش فيه تاريخ زواج ابنة الوحيدة داخل القلادة...

احمرت وجنتاها و غضت بصرها في حياء و قد تسارعت دقات قلبها. هل الفرصة مناسبة لتحدثه عن عمر؟ واصل والدها قائلا :
ـ نعم يا ابنتي... لا يمكنني أن أرحل عن هذا العالم و أنا غير مطمئن إلى مستقبلك، و إلى وجود رجل إلى جانبك، يحميك و يضعك في عينيه... رجل يستحقك و يناسبك...

ربتت على كفه مجددا و هي تهمس :
ـ أطال الله عمرك... حتى ترى أحفادك... الله كريم...

ابتسم ابتسامة فاترة و هو يتذكر كلمات الطبيب التي يخفيها عنها، ثم قال :
ـ نعم... أسأل الله أن أراهم و أهتم بهم و أدللهم كما دللتك... رحمة الله واسعة...

ابتسمت في ارتياح... والدها مستعد للحديث في هذا الأمر، لذا يمكنها أن تدخل في الموضوع مباشرة و تمهد لزيارة عمر القريبة... أخذت نفسا عميقا و همت بالكلام... لكن والدها قاطعها فجأة و هو يقول بصوت جاد :
ـ ليلى... ما رأيك بفراس؟

أطبقت شفتيها دون أن تنطق و نظرت إليه في حيرة... فراس؟ ما علاقة فراس بموضوعنا؟
حين رأى أنها لم تعلق، واصل نجيب قائلا :
ـ خالك نبيل طلبك مني، لابنه فراس...

ثم نظر إليها مبتسما و أضاف :
ـ و أنا وافقت!

تسمرت في مكانها من الدهشة و الحيرة و الفزع و الارتياع... كل تلك المشاعر تجسدت في نظراتها الجامدة و هي تطالع والدها... ما الذي يقال هنا؟ إنها بالتأكيد تحلم! والدها يريد منها الزواج من فراس؟!

تكلمت أخيرا و هي لم تستفق بعد كليا من صدمتها :
ـ و لكن... فراس...

أجابها والدها على الفور :
ـ نعم، أعلم أن فراس كان زوج حنان... و أنه عانى كثيرا بعد وفاتها و أصيب بصدمة عنيفة، لا تزال آثارها قائمة إلى يومنا هذا... لكن هذا لا يمنع أنه إنسان متميز، و فيه من الخصال التي أتمناها في زوج ابنتي الكثير...

لم تعرف هل من حقها أن تحدثه بالشكوك التي أثارتها في نفسها مذكرات حنان، و عن نقاط الاستفهام الكثيرة التي تدور حوله... لكنها لا تملك دليلا، و ليس من الهين أن توجه إليه أصابع الاتهام بدون مبرر منطقي قوي... ظلت صامتة لبضع لحظات، تبحث في رأسها عن ترتيب مناسب للكلام.

واصل نجيب قائلا :
ـ هل تعلمين... طوال السنوات الماضية، بعد طلاقي من نجاة، ظللنا على اتصال... كنت أحاول الاطمئنان على حنان بين الفترة و الأخرى، و أحيانا أسافر لألتقي نبيل و أسأله عن أحوالها... لكنني لم أكن قريبا بما فيه الكفاية... تركت نجاة تفعل ما تريده بابنتها... كان بيننا اتفاق، أن لا يتدخل أحدنا في حياة الآخر، و أن يربي كل منا "ابنته" على طريقته... كنت أعلم أن نجاة ليست أما صالحة... لكنني لم أستطع التدخل... أعترف أنني أخطأت حين وافقتها على كل هذه المهزلة و تخليت عن ابنتي ببساطة... لكن لم يكن لدي خيار آخر...

كانت علامات الأسى بادية على وجهه و هو يشد على ملاءة السرير بقبضة متشنجة. سكت نجيب، فاحترمت صمته و أفكار كثيرة تعج في رأسها... التمعت الدموع في عيني نجيب و هو يستطرد :
ـ لكن، حين أخبرتني بأن فراس تقدم لحنان... أرسلت أشخاصا ثقات ليسألوا عنه، عن شخصيته... و عن أخلاقه... عن كل شيء يخصه... نجاة أيضا حدثتني عن مواقفه معها... و عن أشياء كثيرة، جعلته يكبر في عيني... و صدقيني، اقتنعت أن أفضل ما حصل مع حنان في حياتها هو زواجها من فراس!

نظرت ليلى إلى والدها في عدم تصديق... أنت لا تعلم بما كتبت حنان في مذكراتها! لن تصدق مقدار التعاسة التي عاشتها بعد زواجها منه!

تنهد نجيب و هو يقول في هدوء :
ـ أنت و فراس... كلاكما يحتاج إلى الآخر... فراس لا يزال يعاني من عقدة نفسية منذ وفاة حنان... و أنت قادرة على إخراجه من أزمته!

عقدت ليلى حاجبيها في دهشة :
ـ أنا؟!

هز رأسه مؤكدا و هو يردف :
ـ نعم أنت... أنت قادرة على إخراجه من سجن الذكريات التي لا يزال يعيش داخلها... أنت بإمكانك الأخذ بيده حتى ينسى المأساة التي شهدها و يغير نظرته إلى الحياة... إنه ليحزنني حقا أن أراه على هذه الحال!

أطرقت ليلى في صمت... و مشاعر كثيرة تتنازعها... ما الذي عليها فعله؟

avatar
شموس
Admin

الجنس : انثى
الابراج : العقرب
عدد المساهمات عدد المساهمات : 17804
العمر العمر : 34
الموقع الموقع : egypt
المزاج المزاج : تمام :D
نبذة مختصرة نبذة مختصرة : الضمير صوت هادئ..يخبرك بأن هناك من يراك دائما

https://www.shmos.net https://www.facebook.com/ShmosNet https://twitter.com/ShmosNet

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية ياقاتلى اين المفر

مُساهمة من طرف شموس في الجمعة أبريل 28, 2017 6:32 pm

الجزء الواحد و العشرون




جلس فراس في سيارته الباسات البيضاء المتوقفة غير بعيد عن الساحل الصخري. لا يدري كيف وصل إلى هناك... لكنه خرج من المستشفى، و أخذ يقود السيارة بدون تركيز... ضرب بيده على مقود السيارة في حنق... لا شك أنها تعلم الآن! لماذا لم ينتظروا؟ لماذا لم يمهلوني حتى أحسم أمري؟ ضرب المقود بقبضته في عنف أكبر... أي موقف أنت فيه يا فراس!

أسند رأسه على الكرسي المريح و أغمض عينيه في إعياء... زفر بقوة و أفكار كثيرة تتداخل في رأسه... يحتاج إلى بعض الهدوء و التركيز... يحتاج إلى وقفة جادة مع نفسه حتى يفهمها...
استقام في جلسته من جديد، تناول الهاتف و كون رقما ما... انتظر لثوان قبل أن يصله الرد.

ـ آنسة هند... أرجوك، ألغي جميع مواعيد اليوم و أغلقي العيادة... لا يمكنني المجيء اليوم...

ـ هل كل شيء على ما يرام دكتور فراس؟

ـ بعض الأمور العائلية فقط لا غير... سيكون كل شيء على ما يرام...

أغلق الخط و سرح بتفكيره بعيدا... هل سيكون كل شيء على ما يرام حقا؟

نزل من السيارة و تقدم في اتجاه الشاطئ... إلى ملاذ الحيارى... كم تحمل يا بحر بين أمواجك من حكايا... لفح النسيم العليل وجهه فأطفأ شيئا من النيران التي تحتدم داخله... راح يتمشى بخطوات تائهة، مطرقا، و كفاه مختبئان في جيوب سرواله... كيف كانت ردة فعلها يا ترى؟ هل تعيش حيرة مثل حيرته... أم تراها حسمت أمرها منذ الوهلة الأولى؟ تذكر مشهد الهاتف... و باقة الورود... هناك رجل ما في حياتها، هذا مؤكد! لماذا تتعب نفسك إذن؟ الأمر محسوم منذ البداية!

لكن... لكن شيئا ما هناك... في صدره... يتحرك، يريد أن يعبر... ربما ينفجر قريبا... لكنه شيء مزعج، مزعج حقا... يفقده التركيز، يعبث بدقات قلبه، بألوان وجهه... شيء لم يعرفه من قبل... و لا يريد أن يعرفه! يرفضه بكل قوته... مثل جسم دخيل... يصارعه منذ أيام، دون أن ينتصر عليه...

تنهد بعمق... أنت الخاسر الوحيد في هذه اللعبة! خاسر قبل أن تبدأ... و لم يعد بإمكانك أن تنسحب...


*********


ألقت ليلى نفسها على الفراش في إعياء... لبثت تحدق في السقف بنظرات جامدة... كأنها لم تستوعب الأمر بعد... فراس؟! غير معقول... مستحيل... لماذا فراس بالذات؟! ربما لو لم تكن قرأت مذكرات حنان لكان الأمر مختلفا... لكنها لا تستطيع تجاهل ما قرأته عنه، حتى لو كان رأي جميع المحيطين به مختلفا، فهناك ذرة من الشك...

و عمر؟! عمر سيكون هنا غدا! أتى خصيصا للقاء والدها... ترك كل شيء وراءه و جاء من أجلها! لا يمكنها أن تخبره بكل بساطة بأنها خطبت لابن خالها الذي عرفته منذ أقل من أسبوعين! غطت وجهها بكفها و هي تحس بالضياع... يا إلهي، ألهمني الخيار الصواب...

لا تريد أن تخالف والدها الذي سبق واتفق مع خالها... و لكن في نفس الوقت، لا يمكنها أن تتجاهل مشاعرها، و خاصة بعد أن أعطت عمر الأمل، و وعدته بمحادثة والدها...

ترددت كثيرا قبل نزولها وقت العشاء. لا يمكنها أن تواجهه بهذه السهولة... لكنها تريد أن تبدو عادية، و غير متأثرة, ريثما تتوصل إلى حل للخروج من هذا المأزق. تقدمت في حذر و يدها على صدرها... أطلت من الباب. كان الجميع قد اتخذوا مقاعدهم حول المائدة، تقريبا... كرسيها و كرسي فراس كانا شاغرين. تنفست الصعداء و تقدمت بهدوء. حانت منها التفاتة إلى خالها... كان يطالعها و ابتسامة صغيرة على شفتيه. خفضت عينيها بسرعة. لم يبد أن أحدا من أفراد العائلة قد علم بالموضوع، عدا المعنيين بالأمر. انتهت من عشائها بسرعة... لم تأكل شيئا تقريبا، تظاهرت بتحريك ملعقتها حتى لا ينتبه خالها، ثم صعدت إلى غرفتها.

فراس لم يعد بعد... تذكرت ليلة البارحة. تلك اللحظات في الحديقة، كانت غريبة... أحست بقشعريرة تسري في جسدها حين تذكرت كلماته، نظراته، نبرة صوته... كل شيء فيه كان مختلفا... كان شخصا آخر... ليس هو نفسه، فراس الذي يصيبها بالرعب... كانت في حاجة إلى يد تطبطب عليها، و هو كان تلك اليد التي أعادت إليها الطمأنينة... تنهدت بعمق... أي سر عميق أنت يا فراس؟!


*********


وصلت إلى المستشفى بسيارتها... نزلت منها و هي تتأفف، ضلت طريقها و لبثت تقطع الطرقات جيئة و ذهابا حتى وجدت المستشفى أخيرا. و حركة المرور المزدحمة لم تكن ذات عون كبير لها. لكنها أصرت على الذهاب بمفردها، رغم محاولة أمين إقناعها باصطحابها... لا تريد أن تتحدث إلى أحد، لا تريد أن ترى أحدا... و لا تريد خاصة أن يسألها أحد عما بها... كانت تعبر الممر المؤدي إلى غرفة والدها حين رن هاتفها. تطلعت إلى الرقم المحلي المجهول في ارتياب. أجابت بصوت مرتعش و هي تتوجس خيفة :

ـ السلام عليكم

ـ و عليكم السلام و رحمة الله...

غاص قلبها بين ضلوعها. إنه هو! لقد وصل!
ـ حمدا لله على سلامتك...

كان صوته مفعما بالشوق، و الارتياح :
ـ شكرا لك ليلى... وصلت منذ ساعتين فقط...

ابتلعت لعابها بصعوبة. موقف صعب... رفعت عينيها فلمحت مأمون يخرج من غرفة والدها...

ـ هل من سبيل إلى لقاء والدك اليوم؟

كان مأمون يتقدم باتجاهها مبتسما... بادلته الابتسامة... عليها أن تنهي المكالمة بسرعة...
ـ حسن... أعطيك العنوان...

وقف مأمون ينتظرها ريثما أملت عنوان المستشفى على عمر. ثم أنهت المكالمة بسرعة...
ـ تبدين مرهقة...

لم تنم ليلة البارحة تقريبا... بضع ساعات بعد صلاة الفجر. بالكاد أراحت جسدها، قبل أن تستيقظ مجددا لتستقبل يوما جديدا، الله وحده يعلم كيف سينتهي! أجابت في لامبالاة :
ـ بعض الأرق فقط...

هز رأسه متفهما
ـ إن احتجت إلى أي شيء، اتصلي بي على الفور... لا تنسي ذلك!

ودعته بابتسامة امتنان و دخلت على والدها. لم يثر معها الموضوع من جديد... يمنحها الفرصة حتى تفكر بروية... ستقتنع بمفردها، هذا مؤكد... هكذا كان يفكر... أما هي فقد كانت تتطلع إلى هاتفها باستمرار في توتر ملحوظ... بعد نصف ساعة تقريبا، رن هاتفها من جديد... خرجت على الفور بعد أن استأذنت من والدها

ـ أنتظرك في مقهى المستشفى...

ذهبت إليه في خطوات متعثرة، تكاد دموعها تتساقط على خديها من ألمها. ماذا ستقول له؟

رأته يقف مستندا على طاولة المشرب الدائرية، و قد ولى ظهره للمدخل، بقامته الفارعة و منكبيه العريضين، يرشف قهوته في سكينة... وجوده يطغى على كل شيء في المكان... إنه هو، فارسها... أخذت نفسا عميقا و تقدمت في اتجاهه... أحس بوقع خطواتها فالتفت إليها مبتسما... دون أن تشعر، ارتسمت ابتسامة عذبة على شفتيها استجابة إلى نداء التفاؤل الذي نطقت به ملامحه المنشرحة...

ـ ليلى... كيف حالك...

لم تكن قد رأته منذ ذاك اليوم... حين عبر للمرة الأولى عن رغبته في الارتباط بها... و هاهو اللقاء يتكرر... في مكان غير ذاك المكان... و ظروف غير تلك الظروف...

ـ الحمد لله على كل حال...
قالت ذلك و هي تتنهد... آه لو تعلم يا عمر كم يحمل هذا القلب الصغير من العذاب... لا يمكنها أن تسترسل في الحديث و تفضي إليه بمكنونات صدرها...

ـ إذن والدك في المستشفى؟ عسى أن يكون بخير...

هزت رأسها نافية، و سالت العبرات على وجنتيها في هدوء. قالت بصوت تخالطه الغصة :
ـ أبي مريض... مريض جدا...

أخذ يدعك جبينه بأصابعه في توتر. لم يكن يتوقع أن يجدها في مثل هذه الحال. ربما لم يكن الوقت مناسبا... هل استعجل المجيء؟ نظر إليها في عطف، و قال مترفقا :
ـ شفاه الله... أنا آسف حقا... يبدو أن توقيتي ليس مناسبا... لكنني أريد أن أكون إلى جانبكم في هذه الظروف...

أضافت موضحة، لعله يفهم... أي توقيت آخر قد يعني فوات الأوان!
ـ إنه يموت يا عمر! أصابه المرض الخبيث في رئتيه!

نزل الخبر كالصاعقة عليه... ما الذي يمكنه أن يفعله من أجلها؟
ـ أنا آسف حقا...

بماذا يفيدها أسفك؟ كان مرتبكا، لا يجد الكلمات المناسبة ليخفف عنها... و هل هناك ما يخفف عنها في هذه الحال؟ فجأة رآها تترنح، تكاد تفقد توازنها... هب بسرعة ليدني منها المقعد القريب... ألقت بنفسها على المقعد في إعياء... لم تأكل شيئا منذ صباح الأمس، و البكاء و التفكير و السهاد... كل ذلك زاد من ضعفها. وقف عمر أمامها، يطالعها في قلق
ـ ليلى أنت بخير؟

هزت رأسها في صمت، لتطمئنه، ثم قالت بصوت هامس :
ـ أحس ببعض الضعف... لم آكل جيدا...

تناول على الفور فنجان القهوة الذي كان أمامه على طاولة المشرب. جلس على المقعد المجاور و قرّب الفنجان من فمها. قال بصوت حنون :
ـ اشربي هذا... القهوة الدافئة ستشعرك بتحسن...

تناولت من يده الفنجان و ابتسمت في ذبول
ـ شكرا لك...

في تلك اللحظة حانت منها التفاتة إلى مدخل المقهى... تسمرت مكانها حين رأت الشخص الذي يقف عند المدخل دون أن يبدي حراكا، كأنه تمثال من الشمع. كان فراس يطالعهما بنظرة غريبة، لكنها واثقة بأن فراس الذي أمامها هو فراس المرعب الذي عرفته... لا يمت بصلة إلى فراس الذي ظهر للحظات في ظلمة تلك الليلة...

كان فراس قد وصل إلى المستشفى منذ لحظات... إحساسه بواجبه تجاه السيد نجيب و معرفته الوثيقة بالطبيب المعالج جعلاه يعوده يوميا، ليطمئن على تطور حالته... خرج من مكتب الطبيب و هو يحس بألم شديد في رأسه. كلامه كان قاسيا و مخيفا... كان يفكر في ليلى و في مصيرها إن حصل مكروه لوالدها... أحس بحاجة إلى فنجان من القهوة، مع أنه ليس من مدمنيها... قدره ساقه إلى ذاك المكان، و في تلك اللحظات بالذات. ما إن خطا داخل المقهى، حتى أوقفته الصدمة في مكانه. رآها تجلس على أحد المقاعد، و شاب يجلس قبالتها، شاب آخر غير صاحب الباقة! يميل عليها و يدني فنجانه من شفتيها و هي تأخذه من يده مبتسمة! كان الموقف قاسيا... قاسيا جدا عليه... ليلى!! إنه لا يصدق ما تراه عيناه... ظننتك مختلفة... ظننتك طاهرة نقية... فتاة عفيفة، نادر وجودها في هذا الزمان! و لكن لا... تاه عنه أنها ابنة نجاة، و توأم حنان! مهما اختلفت المظاهر، فنفس الدم الفاسد يجري في عروقها! كان يجب يعلم أنها لا تختلف عنهن... كيف خدع فيها؟ كيف؟!!! والدها على فراش الموت و هي تجلس إلى الرجال في المقاهي، تشرب من يد هذا، و تتلقى الورود من ذاك!

لبث للحظات ينظر إليها في ذهول... لم يعد هناك أدنى شك... ذاك الشيء الذي في صدره، يجب أن يسكت إلى الأبد... إلى الأبد... تراجع بسرعة و غادر المكان لا يلوي على شيء...

انتبهت ليلى على صوت عمر و هو يقول ثانية :
ـ ليلى... أنت على ما يرام؟

هزت رأسها في ذهول... لكن عقلها سرح بعيدا... و عشرات من الأسئلة تتاقذفها...

الجزء الثاني و العشرون






قادت سيارتها في اتجاه القصر، و هي تحس بتعب شديد. لم يتركها عمر حتى تناولت فطورا كاملا أمام عينيه أعاد إليها بعضا من القوة التي فقدتها، ثم غادرها على أمل العودة بعد يومين آخرين، ريثما تكون قد استعادت صحتها و فاتحت والدها في موضوعهما...

بالكاد استطاعت التركيز على الطريق و قد أخذت الهواجس تتنازعها... والدها أعطى موافقته لخالها دون أن يسألها رأيها! و فراس فاجأها رفقة عمر في المقهى... ما الذي يظنه بها الآن؟ تنهدت بعمق و هي توقف سيارتها أمام المرآب...

لأول مرة تغادر المستشفى خلال النهار... اعتذرت منه بسبب تعبها... متعبة، متعبة جدا... كم يقدر قلبها الصغير على التحمل! صعدت الدرج بخطوات واهنة في اتجاه غرفتها. تريد أن تلقي بنفسها على السرير و تنام... هذا كل ما تتمناه في هذه اللحظة... بعض الراحة. فوجئت حين رأت أمين يقف أمام غرفتها مستندا على الحائط و على وجهه علامات الغضب، كأنها ينتظرها منذ فترة. ما إن رآها قادمة من آخر الممر حتى هب للقائها في لهفة. اعترض طريقها و هو يهتف في عنف :
ـ ليلى... أخبريني أنك رفضت! أرجوك... رفضت أليس كذلك؟

نظرت إليه في برود. لم تعد تستطيع التعبير حتى، و قالت بصوت ضعيف :
ـ أمين أرجوك... أنا متعبة، هلا أجلنا الحوار إلى ما بعد؟

همت بتجاوزه في اتجاه غرفتها. لا تستطيع الكلام. متعبة، متعبة... ألا يفهم هذا! لكن أمين أمسكها من ذراعها بسرعة ليستوقفها و هو يهتف بقوة أكبر :
ـ ليلى! لا تتجاهليني! لا تتجاهلي ألمي! يجب أن ترفضي فراس!

نظرت إليه في قسوة و هي تقول في صوت هادئ و حازم في آن :
ـ أبعد يدك عن ذراعي!

أطلق ذراعها في استسلام، فابتعدت عنه دون أن تضيف كلمة واحدة. حين وصلت إلى الباب التفتت إليه و قالت في برود قاس :
ـ أمين... ما الذي تريده بالضبط؟

نظر إليها في تردد... كانت لهجتها مؤلمة و نظراتها مخيفة. قال أخيرا :
ـ أريد حمايتك من فراس!

سكت للحظات ليرى وقع كلماته عليها. لكنها بدت جامدة، كأنها تنتظر بقية الكلام. واصل بصوت مختلج من الانفعال :
ـ ليلى... ألا تحسين بي؟ أنا... أنا...

قاطعته و هي تقول في ضيق :
ـ أمين... شكرا على عرضك حمايتي... لكنني لست في حاجتك، أستطيع الاهتمام بنفسي... و رفضي لفراس أو قبولي به سيكون قرارا شخصيا... و لا أريد أن يؤثر علي أحد...

دلفت إلى الغرفة و أغلقت الباب وراءها، مخلفة أمين يضرب الهواء بقبضته في حنق... ارتمت على السرير و لبثت تحدق في السقف المنقوش في سهوم... آسفة أمين، كان يجب أن أكون قاسية معك... يجب أن تفهم أنني لست حنان، و لن أكون حنان... أغمضت عينيها تبحث عن النعاس، تستجديه أن يزور جفونها... ما لبث أن استجاب لرجائها، و غابت في نوم عميق...



**********



فتحت عينيها في فزع، و جلست على السرير و هي تلهث بشدة... بسم الله الرحمان الرحيم... مسحت على وجهها بكفها... كان كابوسا... تعالت الطرقات على بابها من جديد... نعم، لقد أيقظتها الطرقات من نومها. قامت في تثاقل و هي تستند إلى الكرسي... من تراه يكون؟ لا شك أن خبر تقدم فراس لها قد انتشر الآن، و ستصلها الزيارات بين مهنئ و معارض! ابتسمت في سخرية... كيف ستنتهي هذه المهزلة يا ترى؟

فتحت الباب، فطالعها وجه لم تتصور أن تراه عند بابها. كانت رجاء! نظرت إليها في حذر و رفعت كفها لتلمس خدها بصفة تلقائية. كان الجرح قد التأم و لم تعد يظهر منه سوى خط رقيق مزعج. دفعت رجاء الباب في حدة و خطت إلى داخل الغرفة في جرأة. نظرت إلى ليلى التي لاتزال تطالعها إليها في ذهول، و هتفت :
ـ أغلقي الباب... أريد أن أحادثك في أمر هام!

لم تكن ليلى مطمئنة إلى زائرتها، و ذكرياتها عن آخر لقاء لهما لم تكن مبشرة. لكنها أغلقت الباب كما طلبت و لبثت ترمقها في صمت. نظرت إليها رجاء في ثقة و قالت بصوت جاد :
ـ لن آخذ من وقتك الكثير... لكنني أردت أن أنبهك إلى أمر هام... إن كنت تعتقدين أنك الرابحة في الصفقة، فاعلمي أن هناك من هو أدهى منك!

عقدت ليلى حاجبيها و هي لا تفهم بعد إلام ترمي رجاء. فتحت رجاء حقيبتها على الفور و أخرجت رزمة من الأوراق ألقتها على سرير ليلى و هي تضيف :
ـ تريدين أن تعرفي لماذا تزوج فراس من حنان؟ إليك التفسير!

اقتربت ليلى من السرير و تناولت إحدى الورقات في اهتمام. قالت رجاء موضحة :
ـ هذه نسخ من كشوف حسابات شركة خالك العزيز... قبل زواج حنان و فراس و بعده... التواريخ واضحة و جلية. الشركة كانت في أزمة مالية كبيرة... كانت موشكة على الإفلاس! و نجاة كانت تملك السيولة المالية الكافية لحل الإشكال و إنقاذ الشركة... نبيل كان في حاجة إلى ملايين أخته المكنوزة و كان يجب أن يتصرف! بزواج حنان من فراس أصبح فراس شريكا لحنان في كل ما تملك... و نجاة كانت قد كتبت كل ثروتها لابنتها... و بعد وفاة كليهما، عادت الأموال إلى فراس... هل تفهمين الآن؟

كانت ليلى تقلب الأوراق بين يديها في ذهول... ما الذي يعنيه كل هذا؟ إنها لا تعي ما تقول! خالها... السيد نبيل... هو الذي خطط لكل هذا؟ و فراس... سايره في مخططاته و قام بما يلزم!! و وفاة نجاة، ثم حنان في فترة وجيزة بعد الزواج... ماذا يعني كل هذا؟! جلست ليلى على طرف السرير محاولة أن تستعيد هدوءها... كانت لا تزال تحملق في الأوراق بين يديها غير مصدقة.

كانت رجاء تراقب انفعالاتها في اهتمام، فتابعت و هي ترى وقعا جيدا لكلماتها :
ـ أمين كان متعلقا بحنان... لذلك لم يكن الشخص المناسب لتنفيذ الخطة... أما فراس، فهو ابن أبيه المدلل، و لا يرفض له طلبا! لا أعلم إن كان مشتركا في خطة التخلص من حنان و والدتها فيما بعد... لكن أشك في أنه حزن من أجل إحداهما!

رفعت ليلى رأسها إلى رجاء و هي ترفض التصديق. قالت بصوت حاولت أن يكون هادئا :
ـ لماذا تخبرينني بكل هذا الآن؟

هزت رجاء كتفيها و هي تبتعد في اتجاه الباب و قالت مبتسمة :
ـ كنت أخبئ تلك الأوراق إلى أن تحين اللحظة المناسبة... و أظنها قد حانت! لا يجب أن تتزوجي فراس!

واصلت بحماس أكبر :
ـ أؤكد لك بأن نفس المخطط يتكرر للمرة الثانية! لا أملك بعد الإثباتات الكافية، لكن اصبري قليلا، و سوف أحصل على المستندات التي تثبت صحة كلامي! خالك يقوم بفتح فرع جديد للشركة، و البنوك ترفض إقراضه بسبب المشاكل المتكررة التي تعرض لها في السنوات الأخيرة... المشروع في حاجة إلى تمويل، و ليس من السهل أن يجد من يشاركه... و فجأة يجد أمامه الحل المثالي! صديق عمره على فراش الموت، و ابنته الوحيدة في حاجة إلى من يقف إلى جانبها في محنتها... يقترح على صديقه أن يرسل ابنته لتقيم عنده، بما أنها ابنة أخته في نفس الوقت... ثم رويدا رويدا يحوك الشباك حوله لإقناعه بالمصاهرة و عقد شراكة... مصالح مشتركة... و فراس الذي شارك في تنفيذ الخطة الأولى هو الشخص المثالي للمشاركة في الثانية! هل فهمت الآن يا عزيزتي؟

تمالكت ليلى نفسها و نظرت إليها في برود :
ـ ظننت أنك تكنين بعض المشاعر إلى فراس!

قلبت رجاء شفتيها في امتعاض و هي تقول في حقد :
ـ يوما ما سيدرك أنني الأنسب إليه! لكن إلى أن يحصل ذلك، لن أقف مكتوفة اليدين...

ـ هل تعلمين أنه قد يدخل السجن، إن ثبتت عليه التهم التي توجهينها إليه؟

ابتسمت رجاء ابتسامة صفراء و قالت :
ـ أفضّل أن يدخل السجن، على أن يتزوج من أخرى للمرة الثانية! عندها، لن يجد غيري ليقف إلى جانبه، و حينها سيدرك قيمتي...

وضعت يدها على المقبض و واصلت و هي تهم بالمغادرة :
ـ أترك الوثائق بين يديك... لتفكري على مهلك في مصيرك... لا تستعجلي القرار!

ثم توارت عن أنظار ليلى التي ظلت جالسة على طرف السرير، تنظر في الأوراق التي بين يديها و هي غير قادرة على التفكير بوضوح...



**********



جمعت حاجياتها في سرعة. أخذت حقيبة صغيرة تضم بعض الملابس الكافية لثلاثة أيام أو أكثر... تحتاج إلى الابتعاد عن هذا المكان لبعض الوقت... إلى الابتعاد عن فراس و أمين... و رجاء أيضا... لم تعد تحتمل المزيد من الإرهاق العصبي. صحتها النفسية و الجسدية في تدهور يوما بعد يوم... تحتاج إلى قسط وفير من الراحة، بعيدا عن هنا... حتى تواجه الموقف... جمعت الأوراق التي أحضرتها رجاء أيضا. تريد مراجعتها لاحقا بأعصاب هادئة... تنهدت و هي تلقي نظرة أخيرة على الغرفة... أخذت كل ما تحتاج إليه في الأيام القادمة. نزلت في هدوء و هي تتلفت حولها. تتمنى أن لا تقابل أحدا في طريقها إلى الخارج. و لكن إلى أين ستذهب؟ ليس لديها خيارات كثيرة، فهي غريبة في هذه البلاد... و لا تعرف فيها الكثيرين. يمكنها البقاء في نزل مثلا. أو ربما الذهاب إلى المزرعة... يجب أن تقرر بسرعة...

ـ ليلى...

التفتت على حين غرة، حين وصلها صوت مألوف ينادي باسمها. كان ياسين يقف أسفل الدرج و يطالعها في اضطراب. بالتأكيد، منظر حقيبتها الصغيرة يثير استغرابه! ربما كان ياسين أكثر الأشخاص الذين وقفوا إلى جانبها من هذه العائلة، لكنها لا تريد من أحد أن يتدخل في شؤونها في هذه الظروف بالذات.

ـ ليلى, هل من الممكن أن أتحدث إليك قليلا؟

همت بالاعتذار... لكن أمام نظرة عينيه الملحة، تراجعت. هزت رأسها موافقة، في استسلام... فتح ياسين باب مكتب والده وسبقها إلى الداخل. تبعته في تردد، و هي على يقين بأنه يريد محادثتها بشأن هذا الزواج! دخلت، فأغلق ياسين الباب خلفها في هدوء. نظرت إليه في شك. ما الذي يفعله؟ همت بالاحتجاج، لكنه بادرها بصوت جاد :
ـ ما سأخبرك به يجب أن يبقى بيننا... الأمر هام جدا و خطير!

عقدت حاجبيها في اهتمام، في حين واصل ياسين قائلا :
ـ عديني أولا بأنك لن تخبري أحدا... و لا حتى والدك!

نظرت إليه في دهشة... يبدو أن الأمر خطير بالفعل! أجابت في ذهول :
ـ أعدك... و لكن ما الأمر؟

أخذ نفسا عميقا، ثم أردف في جدية :
ـ ليلى... لا يجب أن تتزوجي من فراس!

حملقت فيه و قد تزايدت دهشتها : حتى أنت يا ياسين!

استطرد ياسين بصوت حزين، و قد تجمعت حبيبات من العرق على جبينه :
ـ فراس أخي، و أحبه كثيرا... و لا أتمنى له إلا الخير... و لكنني خائف عليك منه...

ـ خائف علي منه؟!

هز رأسه مؤكدا و هو يواصل :
ـ فراس شخص هادئ و طيب القلب جدا... لكنه أحيانا يصبح عنيفا و تصرفاته خارجة عن السيطرة!

مرت بذهنها كلمات حنان في مذكراتها... فراس ممثل بارع... فراس ذو شخصية مزدوجة... فراس يعذب حنان و يعاملها بقسوة! و هاهو ياسين يؤكد لها ذلك!! لكن من أين يستقي ياسين معلوماته؟ تذكرت وريقات المذكرات التي وجدتها في خزانته... ماذا لو أنه... بادرته على الفور :
ـ هل قرأت مذكرات حنان؟

حان دوره ليرفع رأسه إليها في دهشة :
ـ هل قرأتها أنت؟

ـ قرأت جزءا يسيرا منها... بعد أن احترق معظمها!

نظر إليها ياسين لوهلة و قد بدت على وجهه علامات الذهول. لكنه ما لبث أن أطلق ضحكة قصيرة ساخرة و هو يقول :
ـ رغم كل ما فعلته لأتخلص منها، يبدو أنها وصلت إليك!

ـ أنت؟ تتخلص منها؟!

هز رأسه بهدوء و تابع قائلا :
ـ جميعنا كنا نعلم أن حنان كانت تكتب مذكراتها... و بعد وفاتها، بحثنا عنها في كل مكان، علنا نجد فيها تفسيرا لما حصل لها، لكن دون جدوى... لكنني كنت أبحث عنها لأتخلص منها، لأنني كنت أشك بأن ما كتب فيها سيوجه أصابع الاتهام إلى فراس! الجميع ظن أنها تخلصت منها، لكنني اعتقدت أن فراس نفسه أخفاها عن العيون، أو تخلص منها بنفسه. ثم أتيت أنت و اكتشفت مكان المفكرة عند تغييرك لورق الجدران... منال أخبرتني بأنك لم ترغبي بقراءة ما فيها و قررت تسليمها لفراس... لذلك... راقبتك في ذلك اليوم... رأيتك و أنت تذهبين للقاء فراس، فاختبأت في الحديقة، في انتظار مرور فراس... كنت أعلم أنه سيرغب في قراءة ما جاء فيها، و أنه سينسحب من الحفلة على الفور... لذلك انتظرته هناك، و أخذت منه المفكرة. خفت أن ينتبه إليها أحد أو تقع في يد أي كان و لكن لم يكن لدي أفكار كثيرة للتخلص منها... فكرت في إحراقها... و رأيت المشواة غير بعيد عني... عدت أدراجي إلى هناك... اقترحت على هاشم أن أعوضه قليلا في شوي اللحم ريثما يحضر بعض المعدات من المطبخ... وافق على الفور و رحب بالمساعدة. و كانت فترة غيابه كافية حتى أردم المفكرة تحت الفحم. ظننت أن الأمر سينتهي عند ذاك الحد! لكن يبدو أن هناك من انتبه إليها رغم كل شيء!

نظرت إليه ليلى و هي لا تكاد تصدق ما يقول و قالت :
ـ لكن، كيف اقتنع فراس بإعطائك المفكرة و قد كان منفعلا جدا حين أخذها مني!

ـ أقنعته بأنه لا فائدة من قراءة ترهات حنان... و أنه من الأفضل إليه أن يتجاوز الماضي المؤلم الذي ستذكره فيه تلك المذكرات اللعينة... فيكفيه ما عاناه من بعد وفاتها... إنه لا يزال يتألم من تلك الذكريات الرهيبة، و ألمه جعله يستمع إلي، و يسلمني الكراس دون مقاومة كبيرة...

لم تكن ليلى مقتنعة بما يرويه ياسين. هتفت في إصرار :
ـ و لكن كيف يعطيك الكراس و هو يعلم أن فيها اتهامات موجهة إليه؟ ألم يخف أن تقرأها؟

هز ياسين رأسه ببطء و هو يقول شارحا :
ـ لم يكن لديه الكثير ليخفيه عني، بعد أن رأيته بنفسي في إحدى نوباته الانفعالية!

ـ ماذا؟!!

ـ نعم، كان ذلك قبل زواجهما بفترة قصيرة، رأيتهما في الحديقة... كان فراس منفعلا بصفة رهيبة... رأيته يضربها حتى سقطت أرضا! ركضت إليهما حتى أخلصها من قبضته... ففرت حنان بسرعة في اتجاه القصر في حين أخذت أهز فراس بقوة حتى عاد إليه هدوءه... و هل تدرين بم علل عنفه معها؟ بأنها عادت متأخرة من المدرسة و خرجت للتسكع! مع أنها تتسكع كل يوم، و تتأخر كل يوم، و ليس من عادة أحد أن يهتم... لم يكن انفعاله مفهوما! لذلك... لذلك فإنني أخاف عليك من انفعالاته المشابهة التي لا يسيطر عليها! فراس ليس سيئا، بل يكون هادئا في العادة... لكن تلك الانفعالات لا يسيطر عليها أبدا...

كانت ليلى تستمع إليه في إطراق... إن كان كل ذلك حصل قبل الزواج، فلماذا تزوجته؟

تابع ياسين في هدوء :
ـ يومها، سقطت من حنان قلادتها... لم تكن تضعها كثيرا... لكن بعد أن انصرافا، وجدتها على الأرض... كان فيها بعض الاعوجاج، بسبب دوس فراس عليها... فأخذتها إلى الصائغ على أن أعيدها إليها لاحقا بعد إصلاحها... لكن ما حصل في الأيام الموالية جعلني أنسى أمرها تماما!

ـ ما الذي حصل؟

ـ تقدم فراس المفاجئ لخطبة حنان، و موافقتها الغريبة! أنا متأكد من أن أبي و نجاة ضغطا عليها من أجل هذا الزواج! لا يمكن أن تكون قد وافقت بإرادتها خاصة أنها كانت تحمل مشاعر لأمين! حاولت أن أثني فراس عن ذلك, لكنني وجدت منه أذنا صماء!

راحت ليلى تفكر في صمت... هل يكون كل من أمها و خالها قد طمع في ثروة الآخر فأصرا على إتمام الزواج؟ أم أن بينهما اتفاقا من نوع آخر لا يعلمه غيرهما؟

واصل ياسين روايته :
ـ كنت قد نسيت أمر القلادة و لم أعد لاستلامها من عند الصائغ، و حنان نفسها لم تبحث عنها... و بعد وفاتها بأيام قليلة، تلقيت اتصالا من الصائغ يذكرني بها، بعد أم مرت شهور على إحضارها! لذلك، احتفظت بها عندي كل هذه المدة... لم أعلم ما الذي يجب أن أفعله بها... كانت شاهدا على تعاسة تلك الفتاة و معاناتها التي و لا شك تواصلت بعد زواجها، حتى أدت بها إلى الانتحار! ثم حين رأيت قلادتك التي تشبهها كثيرا الأسبوع الماضي، تذكرتها و أخرجتها حتى أسلمك إياها... لأنها من حقك... ذكرى وحيدة من أختك التوأم...

تحسست ليلى القلادة التي تتدلى على صدرها في حزن... نعم ذكرى أخيرة!
اقترب منها ياسين و هو يقول في عطف :
ـ ليلى... أنا لم أكن قادرا على حماية حنان في الماضي... لكنني سأحاول حمايتك هذه المرة... لا تتزوجي فراس! إنه لا يناسبك... كما أنك لا تناسبينه... تذكرينه بالماضي و بآلام الماضي... كلاكما سيسبب ألما للآخر!

نظرت إليه ليلى في حيرة و قالت :
ـ و لكن أبي و خالي اتفقا دون استشارتنا! كيف السبيل إلى إبطال هذا الاتفاق؟

هز ياسين رأسه في تفهم و قال :
ـ اتركي الأمر لي... سأحاول التحدث إلى فراس...

خرجت من المكتب و قد أصبحت رؤيتها ضبابية، بسبب ستار الدموع الذي غطى عينيها... حزينة حقا لما سمعته من ياسين... تحمل في حقيبتها أدلة رجاء... و في قلبها آلاما كثيرة...

الجزء الثالث و العشرون




وصلت إلى المزرعة و هي تحس بتعب شديد. ليست متعودة على شوارع المدينة بعد... أخطأت الطريق الزراعية في البداية، و اضطرت إلى العودة مجددا إلى مركز المدينة لتبحث عن المنفذ الجانبي المناسب! كادت تستسلم و تقرر النزول في أحد الفنادق، خاصة أن الشمس كانت قد بدأت تميل إلى الغروب... لكنها أخيرا تعرفت على المسار الذي سلكته سابقا بضع مرات... لكن الرحلة كانت أطول من العادة!

نزلت من سيارتها و تناولت حقيبتها الصغيرة... كانت السماء شبه مظلمة. حمدت الله لأنها وصلت في الوقت المناسب... فهي لم تتعود السياقة في الليل! كان المنزل الريفي هادئا كالعادة، و ضوء خافت يصل من ناحية المطبخ. دلفت من الباب الأمامي الذي يؤدي مباشرة إلى قاعة الجلوس المفتوحة، و هتفت بصوت عال لتلفت انتباه ساكنة المنزل :
ـ خالة مريم... أنت هنا؟... خالة مريم!

أطلت المربية العجوز من باب المطبخ في نهاية الممر و قالت في همس :
ـ ليلى... تعالي إلى هنا... لا تحدثي ضجة!

نظرت إليها ليلى في استغراب، فأشارت مريم إلى أريكة في قاعة الجلوس. التفتت ليلى على الفور، للتسمر مكانها من المفاجأة... على الأريكة العريضة المقابلة يرقد آخر شخص كانت تتوقع أن تلقاه هنا و قد غاب في نوم عميق : فراس! لبثت تتأمله للحظات... كان يستلقي على ظهره و يضع ذراعيه خلف رأسه و وجهه إلى السقف... كان يعقد حاجبيه حتى و هو نائم! غريب أمر ذاك الرجل...

لحقت بالخالة مريم إلى المطبخ. ما إن رأت حقيبتها حتى ابتسمت و قادتها إلى الطابق الأول. قادتها إلى غرفة النوم التي استعملتها في زيارتها السابقة. وضعت حاجياتها و أدت صلاة المغرب قبل انقضاء وقتها، ثم جلست على طرف السرير و هي تفكر... ما الذي ستفعله الآن؟ أرادت الفرار من مواجهة فراس فإذا بها تجده هنا! لا تستطيع المغادرة الآن، فهي بالكاد وجدت الطريق في وضح النهار، فكيف بها بعد أن غابت الشمس؟ خاصة أنها تخاف السياقة ليلا... تنهدت في حيرة. يبدو أنها لا تملك خيارات كثيرة... لكن ربما كانت الفرصة مناسبة حقا... طالما أنها وجدت نفسها مع فراس في مكان واحد دون تخطيط منها، فربما كان في ذلك حكمة من الله... لمَ لا تتحدث إليه إذن؟ إنه معني بالأمر مثلها، و بغض النظر عن كل الكلام الذي سمعته اليوم، لا ضير من المحاولة!

نزلت إلى المطبخ في هدوء و انضمت إلى المربية التي كانت تعد طعام العشاء... جلست إلى المائدة في إطراق و قد سرحت أفكارها بعيدا... لبثت صامتة لبضع دقائق، ترتب أفكارها و تستعد للمواجهة القريبة... أنهت مريم عملها و اقتربت منها. جلست قبالتها و قالت مبتسمة :
ـ ما الذي يشغل صغيرتي؟

تنهدت ليلى و هي تضع وجهها بين كفيها و تسند مرفقيها إلى المائدة، ثم قالت في ضجر :
ـ أخبرك عن موضوع الزواج، أليس كذلك؟

هزت مريم رأسها موافقة :
ـ نعم أخبرني...

صمتت لبعض الوقت ثم أضافت و هي تطالع ليلى في دهاء :
ـ لكنه أخبرني عن أشياء أخرى أيضا...

التفتت إليها ليلى في استغراب :
ـ أشياء أخرى؟

تكلمت مريم ببطء و هي تصاحب كل كلمة بنظرات ذات معنى :
ـ عن باقة الورود... و القهوة...

حملقت فيها ليلى للحظات في دهشة، ثم ما لبثت أن عبست و هي تقول :
ـ غير معقول! باقة الورود و القهوة! ماذا بشأنها؟

صمتت الخالة لبعض الوقت ثم أضافت :
ـ المواقف التي رآها تثير نقاط استفهام كثيرة...

هتفت ليلى في احتجاج :
ـ نقاط استفهام؟ بخصوص ماذا؟ كيف وصل به الأمر إلى التشكيك في أخلاقي؟ ألم يكن بإمكانه أن يتأكد من الأمر قبل أن يحوك القصص و ينشرها؟

ربتت مريم على كفها مهدئة و هي تقول :
ـ هوني عليك يا صغيرتي... ليس الأمر كما تظنين، لكن أخبريني ما الذي حصل بالضبط؟

هزت كتفيها في لامبالاة و هي تقول :
ـ مأمون، مساعد والدي أحضر له باقة ورود البارحة... لكن كان هناك ضيوف بالداخل فلم يرد أن يزعجهم، و كنت قد خرجت لبعض الأمور فالتقيته في الممر فطلب مني أن أوصل الباقة إليه مع تمنياته بالشفاء... هذا كل ما في الأمر! و قد فوجئت حقا حين رأيت فراس يخرج من غرفة والدي و ينظر إلي بتلك الطريقة الغريبة، كأنني ارتكبت بحقه جرما!!

ـ حسن، و ماذا عن القهوة؟

ابتسمت في سخرية و هي تقول :
ـ مساعدة إنسانية! الرجل رآني أكاد أسقط على الأرض لأنني لم آكل شيئا لأكثر من أربع و عشرين ساعة، فأسعفني ببعض القهوة... فتحولت إنسانيته إلى تهمة ضدي و ضده! أمر لا يصدق!!

اتسعت ابتسامة المربية و هي تقول في ارتياح :
ـ رائع! حلت المشكلة الطرف الأول! و أنت، أخبريني الآن... ما الذي يزعجك في الزواج من فراس؟

لم تفهم ليلى إلامَ ارمي مريم بملاحظتها، لكن سؤالها شدها، فنظرت إليها و قد اكتست ملامحها الاهتمام و الجدية و قالت :
ـ في المرة الماضية، قلت أن لديك فكرة عن أسباب زواج حنان و فراس... أرجوك أخبريني عنها، أحتاج إلى أن أفهم طبيعة علاقتهما!

همهمت المربية في تردد :
ـ و لكنني... لست متأكدة...


ـ أنا سأخبرك بما تريدين!


التفتتا في نفس الوقت إلى باب المطبخ حين وصلهما صوت رجالي هادئ... كان فراس يستند إلى الباب و قد عقد ذراعيه أمام صدره. أضاف و هو يتقدم ليجلس على أقرب مقعد :
ـ اسألي ما شئت... سأجيبك عن كل شيء...


كان فراس قد استيقظ منذ قليل و هو يحس بألم في رأسه... ذهب إلى العيادة في الفترة الصباحية، لكنه لم يستطع المكوث أكثر. آلام مفاجئة داهمته في رأسه و صدره لم يستطع مقاومتها... اعتذر من مرضاه لليوم الثاني على التوالي، و أجل مواعيده إلى الغد... يجب أن يرتاح لبعض الوقت، و يسيطر أكثر على انفعالاته. خيبة أمله كانت من النوع الثقيل. مع أنه تعود على الألم و الكتمان، إلا أن هذه المرة كانت أقسى من كل المرات السابقة. لم يكن يعلم أن الصورة التي رسمها لها في خياله غالية إلى تلك الدرجة... و تحطم الصورة بتلك السرعة و القسوة أثر فيه كثيرا...

حين وصل إلى المزرعة، كان شبه منهار، لم يكن بإمكانه العودة إلى القصر و رؤيتها مجددا بعد أن تشوهت صورتها في عينيه... كان ذلك ليكون مؤلما جدا... و لم يستطع أن يكتم حزنه و ألمه عن الخالة مريم. كانت ملامحه تفضح ما في صدره، و كان في حاجة إلى المواساة... ما إن سألته، حتى وجد نفسه يقص عليها الحكاية منذ البداية... مختلف الأحاسيس التي راودته... من النفور إلى اللامبالاة إلى الاحترام إلى الإعجاب... إلى ذاك الشيء الغريب الذي يحسه في صدره منذ أيام... وصولا إلى الألم الشديد الذي أخذ يمزق أحشاؤه منذ هذا الصباح... كان يحس بالضعف و هو يلفظ أمامها مشاعره التي تعود كتمانها... يلفظها كشيء سخيف، يحتقره، و يسبب له الكثير من المعاناة...

استسلم إلى النوم و دموعه على وجنتيه، مثل طفل صغير. بكى من القهر... بكى من استيائه من نفسه، و من مشاعره. بكى ضعفه المفاجئ و ألمه الذي لم يقدر على السيطرة عليه. حين استيقظ، كان لا يزال يحس بصداع شديد... سمع صوت الخالة مريم و هي تحرك القدر في مطبخها... ظل مستلقيا في مكانه، يفكر بما ألمّ به... فجأة تناهى إليه صوت أقدام تنزل الدرج الخشبي المؤدي إلى الطابق الأول في حذر... تسمر في مكانه ينتظر في استغراب، من يكون الشخص الثالث الذي انضم إليهما؟ و ما لبث أن سمع صوتها و هي تتحدث إلى الخالة مريم في خفوت... كأنهما تخشيان إيقاظه...

تسارعت دقات قلبه بجنون و قام على الفور من رقاده. ما الذي جاء بها إلى هنا؟ مسح وجهه بكفه في ضيق... اقترب من المطبخ بهدوء، يحاول أن يستمع إلى محادثتهما... وقف ينصت لبضع دقائق و كانت قسمات وجهه تتغير مع كل كلمة و ضربات قلبه على جدار صدره تعلو... إذن هذا كل ما في الأمر؟ إنها بريئة من كل ما اتهمها به! و إنه ليعجب الآن من نفسه، كيف وضعها في نفس المرتبة المتدنية مع حنان و نجاة! كيف تسرع في الحكم عليها مع ما يعلمه من نقاء سريرتها؟ استند إلى الحائط الفاصل بين قاعة الجلوس و المطبخ في إرهاق... يحس كأنه قطع مسافة طويلة من الجري دون توقف... العرق يملأ وجهه... لكن هناك، في صدره، كانت العضلة التي تسمى القلب تضخ الدماء إلى جسده بكرم لا مثيل له و تنشر معها ذاك الشيء الذي أزعجه في السويعات القليلة الماضية، و تمنى لو يخنقه... تبثه في جميع خلايا جسمه بسرعة رهيبة، فيسري خدر عجيب في أوصاله... مزيج من الارتياح و السعادة و الألم! ألغام تتفجر في صدره و الموسيقى الداخلية التي تعزفها نبضاته تطغى على حواسه الخارجية كلها... لم يعد يقاوم... لم يعد يريد المقاومة... ربما كان في ذاك الشيء راحته بعد رحلة التعب الطويلة !

لم يكن اتصاله بالعالم الخارجي قد انقطع بعد... سمعها و هي تسأل ذاك السؤال الذي أخفى إجابته عن الجميع طوال السنوات الماضية... تمالك نفسه و استقام في وقفته... عليه أن يريح قلبها، مثلما أراحت قلبه... هكذا فكر و هو يخطو باتجاه المطبخ، كأنه يخطو نحو مرحلة جديدة من حياته، ربما آن لها أن تبدأ...


نظرت ليلى في دهشة إلى الشخص الذي تقدم نحوها في هدوء و جلس غير بعيد عنها، و في عينيه نظرة غريبة. ليست تلك النظرة التي تثير ذعرها و ارتيابها... و لكنها أشبه بتلك النظرة التي تربكها و تشعرها بصفاء و دفء الشخص الماثل أمامها... لم تستطع أن تحرك ساكنا أمام الذهول الذي اعتراها. أي الأشخاص أنت يا فراس؟ قطع عليها تأملاتها و هو يستطرد بصوت متعب :
ـ لم أكن أنوي أن أتحدث إلى أي كان بما حصل، لكن أجدني في موقف حرج يجبرني على البوح بكل ما كتمته طوال السنوات الماضية...

تعلقت عيناها بشفتيه و هو يتابع :
ـ سأروي لك الحكاية كلها منذ البداية... و إن بقيت لديك تساؤلات بعدها فلا تترددي...

هزت رأسها موافقة دون أن تتكلم. لا تكاد تصدق أنه هنا أمامها و مستعد ليشرح كل شيء بنفسه! إنه أقصى ما كانت تطمع فيه! تنهد فراس و هو يردف قائلا :
ـ الحكاية، لست أدري كيف بدأت بالضبط... حكاية ضياع حنان... و انحراف عمتي... نجاة... لكن حكايتي مع حنان بدأت في يوم ما، منذ ثلاث سنوات و نصف تقريبا... يوما تلقيت اتصالا من مجهول، يعلمني بأن حنان موجودة في إحدى حانات الحي الشعبي، و يطلب مني أن أذهب لأخذها!

هتفت ليلى في دهشة :
ـ اتصال من مجهول؟ حانة؟

هز رأسه مؤكدا ثم واصل قائلا :
ـ لست أدري لماذا و كيف وصلني ذاك الاتصال... و إلي أنا بالذات... لكن منذ ذاك اليوم، أصبحت مسؤولا عن حنان بدون اختيار مني! ذهبت إلى العنوان الذي أملاه علي المتصل المجهول، وجدته بعد بحث طويل، فالأحياء الشعبية مليئة بالأزقة المتعرجة، و العنوان وحده لا يكفي للعثور على مكان ما... المهم، وصلت إلى المكان المقصود... دفعت الباب فطالعني مشهد مقرف...

تغيرت ملامحه، كأنه يطالع المشهد من جديد، بعيني ذاكرته :
ـ كان داخل المبنى مظلما تقريبا و الروائح العفنة تتصاعد منه، مختلطة مع روائح الخمور التي يتعاطاها رواد المكان... لم أصدق أن حنان قد ترتاد مكانا كهذا، و ظننت أن صاحب الاتصال قد أخطأ، لكن بعد أن تعودت عيناي على الظلام، أجلت بصري في الداخل، فلمحتها... في مشهد مخز... حنان شبه ثملة، تترنح بين ذراعي شاب ثمل هو الآخر، و ضحكاتها تملأ المكان! لم أصدق عيني، و لم أستطع أن أبعدهما عن المنظر المؤلم... لبثت مسمرا في مكاني لبعض الوقت، لا أقدر على الحراك من الصدمة، لكنني انتبهت إلى نظرات مريبة من بعض الأشخاص المحيطين بي من فاقدي العقول بصفة مؤقتة... فاندفعت إلى طاولتها بسرعة، جذبتها من ذراعها بشدة و قدتها أمامي إلى السيارة...

تنهد بصوت مسموع قبل أن يستطرد :
ـ لم أكن أعلم كيف أتصرف. دفعت إليها قارورة ماء كي تشرب و تغسل وجهها، علها تستيقظ و تدرك ما كانت تفعله. فتاة في السابعة عشر من عمرها، تدخل الحانات، و تتصرف بفجور! في الطريق ظللت صامتا، و هي كانت مطرقة. ظننت أنها نادمة. حين وصلنا إلى القصر نزلت و سبقتني إلى الداخل. لحقت بها في الحديقة و استوقفتها. أردت أن أتأكد من أنها واعية بخطئها و لن تعيد الكرة. لكنها نظرت إلي بوقاحة، و هتفت بأن ذلك ليس من شأني و أنها حرة في أفعالها ! لم أصدق ما أسمع، و لم أستطع تحمله... فار الدم في عروقي، و للمرة الأولى و الأخيرة في حياتي... ضربتها! كنت قاسيا عليها... ما هكذا يعامل المراهقون في عمرها... لكنني لم أكن أملك خبرة في التعامل مع مثل هذه المواقف الحرجة، و هي استفزتني ببرودها و إصرارها على رأيها...

قالت ليلى بصوت هادئ :
ـ و حينها، رآكما ياسين...

التفت إليها في دهشة :
ـ كيف عرفت؟

هزت كتفيها في استهانة و هي تقول :
ـ ليس ذلك مهما، واصل أرجوك...

ـ أقسم أنها كانت المرة الأخيرة التي وضعت فيها يدي عليها... لم ألمسها بعد ذلك اليوم بخير أو شر...

طالعته ليلى في دهشة، ثم همست في اهتمام :
ـ ما الذي حصل بعد ذلك؟

تنهد مجددا، فالحديث الذي يحمله في صدره ذو شجون...
ـ حاولت في الفترة الموالية أن أراقبها و أمنعها من التهور ثانية... لكن مشاغلي كانت كثيرة، خاصة مع تزايد الضغط في السنوات الأخيرة من الدراسة... لذلك لم يكن لدي الكثير من الوقت لأخصصه لرعاية المراهقة التي كانت، خاصة بعد أن تركت الدراسة و ملكت حريتها كاملة! عمتي كانت تعيش في عالم آخر... سهرات و رحلات و أعمال كثيرة... والدي لم يكن شخصا متفرغا ليهتم بأمر حنان، و ياسين مسؤول عن عائلته الصغيرة، بعد ولادة رانيا... لم أرد أن أزعجه بهذه المسؤولية الإضافية... أما أمين، فكان يجب أن يبقى خارج المسألة بأسرها، لأنه سريع التأثر بكل ما يخص حنان! خشيت أن تأخذه معها في طريقها... كما أنني من ناحية أخرى، أحسست بأن لوصول ذاك الاتصال إلي أنا بالذات حكمة ما... حكمة لا يعلمها إلا الله... لذلك قررت ستر أمرها، فربما تعود إلى الجادة قريبا... ربما...

نظرت إليه ليلى بعينين مليئتين بالدموع. كم كان يبدو صادقا في كل كلمة قالها. كم بدا متعبا و هو يتحدث عن تلك الأحداث التي تحملها بمفرده في الماضي... لكن يبدو أن القصة لا تزال في بدايتها...

ـ بعد أسابيع قليلة، تبين إلي أن أملي في هدايتها قبل أن يصيبها مكروه ذهب أدراج الرياح! فقد واصلت حماقاتها المتهورة، و لم يكن شيء ليردعها عن تحقيق ما في رأسها الصغيرة... في ذاك المساء، طرقت حنان باب غرفتي... دخلت و هي ترتعش بشدة، كورقة خريف تعصف بها الرياح بقوة... ألقت بنفسها عند قدمي و أخذت تبكي و تتوسل و تتحدث بكلمات مبهمة... في البداية، لم أفهم شيئا من كلامها... لكن رويدا رويدا بدأت العبارات تتضح و تتخذ معان في رأسي... معاني قاسية و محطمة! ما لم أكن أعلمه، هو أن ذاك النوع من الحانات، يهيئ لرواده غرفا خاصة في الطابق الأول للممارسة الرذيلة!! حنان، المراهقة ذات السبعة عشر عاما، سقطت في الفخ بسهولة... و بعد مغامرة من مغامراتها، وجدت نفسها حاملا! حاملا من شخص مجهول الهوية!

شهقت ليلى بقوة و غطت فمها بكفها لتكتم صرخة كادت تنطلق من حلقها. حنان... شقيقتها التوأم... كانت حاملا قبل زواجها؟! في السابعة عشر من عمرها؟! أين مراقبة الأهل؟ أين مسؤوليتهم في رعايتها؟! يا للمأساة! يا للفضيحة!

أطرق فراس و هو يقول في ألم :
ـ للأسف، لم أكن في مستوى المسؤولية... لم أستطع أن أمنعها عن ذاك الطريق و هاهي تصل إلى نقطة اللارجعة! جاءت إلي ترجوني أن أساعدها لتقوم بعملية... الإجهاض! بما أنني في المرحلة النهائية من دراسة الطب، و لأنني على علم سابق بجزء من سرها، فكنت الشخص المناسب الذي يمكنها اللجوء إليه! في اليوم الموالي، رافقتها إلى المستشفى للقيام بالإجهاض، لكن الطبيب قال أن بنيتها ضعيفة جدا، و لا يمكن التخلص من الجنين دون تعريض حياتها إلى خطر محقق! رجعنا خاليي الوفاض، و حنان أخيرا بدأت تدرك فظاعة ما صنعته بنفسها... في تلك الليلة، لم أستطع النوم... ظللت أفكر طوال الليل في جميع الحلول الممكنة... فكرت في العار الذي سيلحق العائلة كلها إن افتضح الأمر... والدي لم يكن ليتحمل المزيد، بعد انتحار أماني... فكرت في أمين المتعلق بها إلى درجة غير معقولة... بإمكانها أن تقنعه بسهولة بالزواج و الهرب، أو أي شيء مجنون آخر، لحماية نفسها... و أمين لم يكن ليرفض! و فكرت في الصغير المسكين الذي لا ذنب له، كيف سيأتي إلى الحياة و هو مجهول النسب، فوالدته متعددة العلاقات! في تلك السن الصغيرة، تسمح لكل وحش بأن ينهش جسدها الغض ثم يرميها... و هي الخاسرة الوحيدة في نهاية المطاف!

شقت عبرات ليلى طريقها على خدها في صمت. نظرت إلى فراس في إكبار و إشفاق و ندم، ثم همست في ألم :
ـ لذلك قررت أن تتزوجها؟

هز رأسه و هو يستطرد :
ـ لم يكن أمامي الكثير من الحلول... كان ذاك هو الحل الذي يخرجنا من المشكلة بأخف الأضرار... ضمان مراقبة حنان، حفظ سمعة العائلة من الفضيحة، إبعاد حنان عن أمين، ضمان نسب للطفل القادم... حل مناسب على جميع المستويات!

همهمت الخالة مريم في حزن و هي تمسك بكف فراس و تحتضنها بين كفيها :
ـ يا بني... فكرت في كل شيء، كل شيء... لكنك لم تفكر في نفسك!

ابتسم في مرارة و هو يواصل :
ـ كنت أنوي أن يدوم زواجنا إلى حين ولادة الطفل، ثم أجد عذرا مناسبا للطلاق... لم أفكر جيدا في المرحلة الموالية، فقد كان كل همي هو الخروج من المأزق الحالي... لكنني لم أكن أعلم أن الأمور قد تتطور بتلك الطريقة، و تصل بها إلى تلك النهاية...

تكلمت ليلى بصعوبة و هي تقاوم دموعها :
ـ ثم... ما الذي حصل بعد ذلك؟

..................................................

avatar
شموس
Admin

الجنس : انثى
الابراج : العقرب
عدد المساهمات عدد المساهمات : 17804
العمر العمر : 34
الموقع الموقع : egypt
المزاج المزاج : تمام :D
نبذة مختصرة نبذة مختصرة : الضمير صوت هادئ..يخبرك بأن هناك من يراك دائما

https://www.shmos.net https://www.facebook.com/ShmosNet https://twitter.com/ShmosNet

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية ياقاتلى اين المفر

مُساهمة من طرف شموس في الجمعة أبريل 28, 2017 6:34 pm

الجزء الرابع و العشرون




.............................................. .

تكلمت ليلى بصعوبة و هي تقاوم دموعها :
ـ ثم... ما الذي حصل بعد ذلك؟

تنهد فراس بعمق قبل أن يتابع :
ـ في الغد، تحدثت إلى والدي و طلبت منه أن الزواج من حنان و بسرعة... لم يعارض و لم يلح في السؤال مثلما توقعت، بل وافق على الفور! و في أسابيع قليلة، وجدت كل الترتيبات تمضي على قدم و ساق استعدادا للحفل المرتقب... في الأثناء، بدأت أحس بجسامة الأمر... كل شاب و كل فتاة له أحلام خاصة عن شريك الحياة المنتظر، و عن ليلة العمر و شهر العسل... لكنني أدركت حينها أنني وضعت كل أحلامي جانبا و تورطت في زواج لا أريده و لا أرضاه لنفسي! كدت أتراجع مرات عديدة و أنا أرى الموعد يقترب و أفكر في الحلول البديلة... لكنني في النهاية استسلمت لقدري و أنا أتمنى انقضاء أشهر الحمل بسرعة حتى أسترجع حريتي! و في المقابل، كنت أرى حزن أمين و صدمته بل و كراهيته لي... و أنا غير قادر على إخباره بحقيقتها. سبحان الله... كيف تكون فتاة أحلام أخي، كابوسا في حياتي! عمتي لم تعارض أبدا، و كأنها على علم بالأمر، و حنان كانت مستسلمة أيضا... فلم تكن لديها خيارات كثيرة لتداري فضيحتها! المهم، تم كل شيء و تزوجنا... لا أذكر شيئا عن حفل الزفاف، لأنني كنت في عالم آخر تماما... أشك أن كل المدعويين تفطنوا إلى سعادة العروسين الغائبة عن الحفل! ثم سافرنا في شهر العسل... والدي هو الذي أصر على ذلك، مع أنني حاولت الامتناع و التعلل بقرب اختبارات نهاية السنة... لكننا في النهاية سافرنا إلى لندن لمدة أسبوعين... كانا أسبوعين من الوحدة في غرفة النزل لحنان، و أسبوعين من التسكع في الشوارع بالنسبة إلي!

ابتسم في تهكم و هو يقول ذلك، ثم أردف :
ـ لم أكن أستطيع النظر في وجهها... كلما رأيتها أمامي تملكني الغضب! لو لم تكن حماقتها لما كنا وصلنا إلى هناك! حين تجلس بجانبي في مكان ما، الحافلة أو سيارة الأجرة أو الطائرة، أتمالك نفسي بصعوبة كي أحافظ على هدوئي... لكنني في المقابل، حاولت أن أحافظ على كرامتها أمام الجميع، حتى لا ينتبه أحد إلى مدى سوء العلاقة بيننا... أو فلنقل، غياب العلاقة النهائي بيننا! كانت زوجتي بصفة صورية، لم أقترب منها يوما، و إن حادثتها فلضرورة... أظنها كانت أشهرا طويلة من العذاب لي و لها! مع أنني كنت أشفق عليها بين الحين و الآخر، حين ألمح نظراتها الذابلة، و علامات الضعف و الندم التي تركت آثارها على جسدها... كان الحمل مرهقا بالنسبة إليها، و هي كانت أقرب إلى الهزال منها إلى متانة العود... إلا أنني مضيت في عقابي إلى النهاية... لم أكن أدرك أنها قد تضع حدا لحياتها بتلك الطريقة الشنيعة...

أشاح بوجهه ليخفي دمعة التمعت في مقلتيه... سرحت ليلى مع كلماته و هي تتذكر كل ما كتبته حنان في مذكراتها...

"... لست مضطرا إلى تحمل أخطائي و لا إلى تحمل مسؤولية زلاتي... لكن معك حق، فشخص مثلي لا أمل له في الحياة..." "... أعلم أنك تحتقرني، بل تكرهني... و لا تحتمل حتى النظر في وجهي. لكنني لم أعد أحتمل إهاناتك المستمرة و نظراتك السامة التي تطالعني بها كلما صرنا بمفردنا..."

الآن ترى الصورة بشكل أوضح. فراس كان يعاقب حنان بالفعل... و حنان كانت تتعذب... لكنها جنت على نفسها، فاستحقت العقاب...
أسند فراس جبينه على كفه و هو يقول بصوت متعب :
ـ أنا السبب... أنا السبب في انتحارها... لم أساعدها على التوبة، بل جعلت مشاعر الغضب و الحقد تعميني عن واجبي تجاهها بعد أن ارتبطت بها على سنة الله و رسوله... لم أقم بواجبي معها، و لم أرعها كما ظننت أنني سأفعل، بل قدتها إلى نهاية شنيعة...

وقفت الخالة مريم و هي تهتف في حزم :
ـ ليس الخطأ خطأك... هي أذنبت بحق نفسها و حق عائلتها، فاستحقت ما حصل لها... أما أنت فقد حاولت، لكنك حملت نفسك ما لا تطيق، فلا تلمها على ذلك!

نظر إليها في ذهول، و قد بدا أنه يغالب دموعه... دموع القهر و تأنيب الضمير...
أطرقت ليلى في تفكير و خجل من نفسها... خجلة من شكها فيه طوال الفترة الماضية و خوفها منه... لا تدري كيف يمكنها الاعتذار على ظنونها، و هو الذي دفع بنفسه إلى تلك المغامرة دون تفكير في العواقب... حنان هي الأخرى كانت صادقة في ما كتبت... كانت تشعر بالوحدة و العزلة، ربما ندمت و تابت، لكنها لم تجد تشجيعا و مساندة... من الملام؟ ليس فراس بالتأكيد، فلم يكن بوسعه أن يقدم أكثر... يكفي أنه أخرجها من محيطها الفاسد و أبعدها عن أسباب انحرافها... انتحارها لم يكن متوقعا... لكنها اتخذت قرارها!

عادت الخالة مريم و هي تحمل صينية شاي مع بعض الكعك و قالت و على شفتيها ابتسامة واسعة :
ـ مناسبة اليوم تستحق الاحتفال... بعد أن تصافت القلوب...

احمر وجه ليلى حين تذكرت ما سهت عنه لفترة... عرض الزواج و اتفاق خالها و والدها! الوقت مناسب. رفعت رأسها، فلمحت شبح ابتسامة على شفتي فراس و هو يرفع كأس الشاي الساخن ليرتشف منه. ترددت... لكنها قالت أخيرا بلهجة جادة :
ـ فراس... أحتاج إلى مساعدتك في أمر ما...

أعاد كأسه إلى الصينية و التفت إليها في اهتمام :
ـ طبعا... تفضلي... أنا في الخدمة...

بلعت ليلى ريقها بصعوبة ثم قالت في حياء و هي تتجنب النظر إليه :
ـ بالنسبة إلى موضوع... الزواج... يجب أن نفعل شيئا...

تعلقت عيناه بشفتيها في لهفة و قد تسارعت ضربات قلبه. واصلت ليلى بصوت أكثر وضوحا و ثباتا :
ـ إذا رفضنا أنا و أنت كل من جهته، فإن والدينا لن يجبرانا على زواج لا رغبة لنا فيه...

اختفت الضربات فجأة، كأنه قلبه توقف... أو أن الضباب الذي لف عقله للحظات أخفاها عنه. لم يصدق ما سمعه. لبث يحدق فيها في ذهول... يرى شفتيها تتحركان، لكنه لم يستوعب شيئا بعد تلك الكلمات... إنها ترفضه! تقول له في وجهه لا أريد هذا الزواج! ارتعشت أصابعه على الطاولة. بحث عن شيء يتشبث به ليخفي توتره... شد على كأس الشاي بكفيه الاثنتين. لسعته الحرارة، فاستيقظت حواسه من جديد... مهلا، قد تكون رافضة لزواج مدبر و ليس لشخصه هو... ربما تظنه غير راغب فيها، يطيع والده فحسب! و لكن... هناك احتمال آخر... أن يكون أحد ما قد سبقه إليها، و احتل قلبها... تسارعت أنفاسه في اضطراب... يريد إنهاء معاناته بسرعة...

كانت لا تزال تتكلم، عن حق الأبناء في تقرير مصيرهم، و اختيار شريك الحياة... حين قاطعها بصوت واهن :
ـ هل هناك شخص آخر في حياتك؟

نظرت إليه في دهشة، فقد فاجأها بسؤاله غير المتوقع... لكن سرعان ما تضرج وجهها و خفضت رأسها حياءا و هي تقول في خفر :
ـ نعم...

لبث يحدق فيها بعينين جامدتين... كم بدت سعيدة و بريئة و هي تطلق السهم الذي اخترق صدره... يحس له ألما حادا في معدته... كأنه هناك، عالق بين ضلوعه... يحس بذرات الهواء تتناقص تدريجيا... كأن شيئا ما يسحبها إلى خارج رئتيه... يحس بالاختناق... اشتد ارتعاش يديه حتى أوشك الكأس أن ينسكب لولا أنه أفلته في اللحظة المناسبة... و هي... كانت غارقة في أحلامها... لا تنتبه إليك... لا تشعر بك... لست شيئا في حياتها... مجرد وجه من الوجوه الكثيرة التي مرت بها... كان يجب أن تعلم أنه لا أمل!

انتبهت الخالة مريم التي كانت تتابع حوارهما إلى تغير وجهه و سوء حالته، و هي العالمة بكل ما يجول بخاطره، فالتفتت إلى ليلى على الفور و هي تقول :
ـ تعالي يا ابنتي... ساعديني في وضع مائدة العشاء...

ـ حالا يا خالتي...

وقفت ليلى و اتجهت إلى ركن الأواني... رنت مريم إلى فراس في إشفاق قبل أن تلتحق بها...

لم يعد بإمكانه الجلوس هناك أكثر... يحتاج إلى الاختلاء بنفسه إلى بعض الوقت، ريثما يتعود على إحساسه الجديد... خرج من الباب الخلفي و وقف في الشرفة و قد خيم الظلام في الخارج... هبت ريح قوية، هزت قميصه و بعثرت خصلات شعره... تنهد في حرقة... ليتها تنتزع الألم الذي في صدره معها... لم يعد يستطيع الاحتمال... كل هذه الانفعالات القوية التي هزت قلبه الغر في يوم واحد! كل تلك الاهتزازات العنيفة التي تارة تطير به إلى السماء، و أخرى تهوي به إلى الحضيض... من أقصى حالات الارتياح إلى أقسى لحظات الألم... لم يكن قد عرف أيا منها من قبل... لذلك قلبت كيانه بشدة... لكن سعادته لم تدم سوى دقائق قليلة... و رحلة الألم قد تطول...

لطالما اعتبر المشاعر ضعفا، فقاومها... حاول تحصين قلبه ضدها... لكنه في لحظة واحدة، ترك حصونه كلها تنهار... فتح لها أبوابه على مصراعيها و تركها تتغلغل في أعماقه، لكنه الآن يدرك فداحة خطئه... يدرك أنه ترك التيار يجرفه بعيدا... و رحلة العودة وعرة و شاقة... أسند رأسه إلى العمود الحجري... لم يعد يتحمل ثقلها... أغمض عينيه و استنشق الهواء بقوة... صدره يضيق و دمه يحتاج إلى كمية أكبر من الأكسيجين...

ـ فراس... هل أنت بخير؟

التفت في ذعر حين وصله صوتها. كانت تقف على عتبة الباب، تطالعه في قلق. اقتربت منه أكثر، فتسارعت أنفاسه أكثر... يحتاج إلى الهواء! خفضت رأسها في خجل وهي تقول :
ـ أنا آسفة... لأنني ذكرتك بأحداث مؤلمة... لا شك أنها أثرت فيك كثيرا طوال السنوات الماضية...

اجتهد كي يبتسم، و يهز رأسه في صمت... يخاف أن يخونه صوته إن هو تكلم. واصلت قائلة :
ـ هناك شيء آخر أردت سؤالك عنه...

نظر إليها في اهتمام، فمدت إليه يدها... تراجع في دهشة. لكنه سرعان ما انتبه إلى أنها تمد إليه أوراقا! يا لغبائك يا فراس... ما الذي كنت تتصوره! أخذ منها الأوراق في ارتباك... لا شك أنها لاحظت تصرفاتك الغريبة. لكنها تابعت و هي تشير إلى الأرقام التي على الأوراق :
ـ رجاء زارتني اليوم و أحضرت إلي هذه الملفات... حسابات الشركة للفترة السابقة و الموالية لزواجك من حنان، ثم وفاتها... الملفات تثبت أن الشركة مرت بأزمة مالية، و أن الأزمة انفرجت مباشرة بعد وفاة حنان... رجاء قالت بأن خالي كان مستفيدا من وفاة حنان، و أن الأموال التي ورثتها عن نجاة أنقذت الشركة من الإفلاس... هل كنت على علم بذلك؟

أمسك الأوراق و أخذ يحملق فيها بدون تركيز... لا تزال حواسه تائهة. رفع رأسه إليها في دهشة و همهم بذهن مشتت :
ـ ماذا تقصدين؟ لم أكن أعلم شيئا عن هذا!

تنهدت ليلى و هي تأخذ منه الأوراق من جديد و قالت :
ـ لا بأس... ربما كانت كذبة ملفقة لا أساس لها من الصحة...

خطت بعيدا عنه باتجاه المدخل... عادت إليه ذكريات مشوشة... هتف فجأة :
ـ انتظري لحظة...

التفتت إليه في انتباه... قال محاولا التركيز في كلامه :
ـ بعد وفاة عمتي، أصبحت الوصي على حنان... لكن أبي اقترح علي أن أترك الوصاية له، و أنه سيستثمر أموالها و ينميها لها... فتنازلت له عنها عن طيب خاطر، فقد كان آخر ما أتمناه أن أكون مسؤولا عن مالها... لكن هل يعني ذلك شيئا؟

حدقت ليلى للحظات في الفراغ... هل يعني ذلك شيئا؟




*********



لم تكن قد استسلمت إلى النوم بعد. أوت إلى غرفتها منذ ساعتين تقريبا، لكنها لم تعرف إلى النعاس طريقا لبثت مستلقية على ظهرها، تحدق في الفراغ و قد سرحت مع أفكارها... حديثها اليوم مع فراس فاق جميع تصوراتها. كانت خائفة من مواجهته، تهاب نظراته الحادة و سحنة وجهه القاسية... لكنها لم تكن تعلم كم من الألم يخفي خلف قناع التجهم و العبوس الذي يضعه على وجهه... تذكرت مشاهد الصفاء القليلة التي رأته عليها... حين اصطدمت به في الممر بعد حفلة الشواء... حين أراد الاعتناء بجرحها بعد عراكها مع رجاء... حين فاجأها على الأرجوحة بعد عودة والدها... كان ذاك هو فراس الحقيقي... فراس الكريم، ذو الإحساس المرهف و القلب الحنون...

دمعت عيناها و تسللت العبرات على خديها في صمت... كانت تجربة قاسية عليه... مع الإحساس بالذنب الذي لازمه بعد انتحار حنان و أثر على حياته كلها... لكنه أخطأ أيضا، أخطأ في قراره ذاك... ما كان عليه أن ينسب الطفل لنفسه... كان ليشارك في الجريمة دون يدري... جريمة اختلاط الأنساب!

تنهدت و هي تغير وضعيتها لتستلقي على جانبها الأيمن... ربما كان ما حصل أفضل له و للجنين... لكنه قطعا الأسوأ بالنسبة إلى حنان... سوء خاتمة و العياذ بالله! تململت في ضيق، تبحث عن وضعية مريحة... لكن عبثا، النعاس جافى جفونها... عادت بأفكارها إلى سهرة الليلة... فراس لم يكن طبيعيا. كان يتحاشى النظر إليها على مائدة العشاء، و يسرح كثيرا و إذا تحدثت إليه الخالة مريم رد في توتر... هل أعادت إليه الذكريات انزعاجه من الشبه الذي بينها و بين حنان؟ مسكين أنت يا فراس...

تنهدت من جديد و هي تتقلب للمرة الألف... فجأة سمعت صوتا غريبا يأتي من الأسفل. صوت ضربات على باب المدخل الرئيسي... ليست طرقا، بل... بل كأن أحدهم يحاول خلع الباب بالقوة... استوت جالسة على سريرها و قد تسارعت دقات قلبها... من يكون هناك؟ تعالى القرع أكثر فأكثر ثم سمع دوي مكتوم، كأن الباب استسلم و انفتح! وقفت على الفور و ارتدت ملابسها في ذعر و اضطراب... يجب أن توقظ فراس! فتحت باب غرفتها، فلمحت فراس قد سبقها إلى خارج غرفته... كأنه لم ينم بعد هو الآخر... أشار إليها أن تبقى في الخلف و تحافظ على الهدوء و تقدم في اتجاه السلم و أخذ ينزل درجاته في حذر... لم تستطع ليلى أن تقف متفرجة تنتظر، لحقت به بخطوات متعثرة تحاول استطلاع ما يحدث في الأسفل. التفت فوجدها تنزل على إثره، شد على أسنانه و أشار إليها بالبقاء في الخلف... كانت نظراته قوية و حازمة. وقفت في منتصف الطريق، في حين تابع هو النزول... حين وصل إلى الأسفل، رأى الباب مفتوحا على مصراعيه، و نسيم ليلي بارد يتسلل إلى الداخل... أجال بصره في المكان يبحث عن المقتحم... كان قد تسلح في طريقه بعصا المكنسة، فربما يحتاج إلى استخدامها... لكنه لم ير أحدا... فجأة سمع وقع أقدام خلفه، فاستدار بسرعة و رفع العصا متحفزا... غطت ليلى وجهها بذراعيها و أطلقت صرخة صغيرة من الذعر حين التفت إليها بتلك الهيئة. أبعد العصا و هو يتنهد في ارتياح، ثم نظر إليها مقطبا مؤنبا و هو يهمس :
ـ ألم أطلب منك أن تبقي في غرفتك؟

أبعدت ذراعيها عن وجهها و هي تبتسم في اعتذار :
ـ ماذا وجدت؟


ـ كنت أعلم أنني سأجدكما هنا!


التفتا في نفس الوقت حين قطع عليهما حوارهما الهامس صوت رجالي قوي... حدقا في الظل الذي ظهر أمامها على حين غرة في دهشة. كان يقف أمام باب المطبخ مختبئا في الظلام... تقدم في اتجاههما، و ضغط على زر الإنارة، فظهر لهما وجهه و الشرر يتطاير من عينيه... هتفت ليلى في دهشة حقيقية :
ـ أمين!

هز رأسه و هو يقول في تهكم :
ـ نعم، أمين المغفل! أمين الذي ظن قلقا عليك طوال الليل، يبحث عنك في كل مكان، و يتصل بالمستشفيات و مراكز الشرطة... و أنت هنا... تقضين الليلة مع حبيب القلب!

قاطعه فراس في صرامة :
ـ أمين... انتق ألفاظك، و احترم نفسك!

استدار أمين لينظر إليه عن كثب و قال متضاحكا في استهزاء :
ـ آه... أصبحت تتكلم أخيرا! مبارك! لكن لا تظن أنني سأسمح لك بالسخرية مني للمرة الثانية! ستدفع الثمن غاليا على كل شيء!!

حدقت فيه ليلى في قلق و توجس و همست في توسل :
ـ أمين... ليس الأمر كما تتخيل... اهدأ أرجوك و دعنا نتحدث...

رنا إليها أمين و قد لانت نظراته فجأة، و التمعت العبرات في عينيه... كأنه يعاتبها في صمت... لكن سرعان ما توجهت عيناه مجددا إلى فراس و قد اشتعلت نظراته حقدا و هتف :
ـ لا تحاولي ردعي... فقد آن أوان تصفية الحسابات... لن أسمح له بتحقيق مخططاته مهما كلفني ذلك!

و في لحظة خاطفة، كان قد أدخل يده في جيبه و أخرج جسما معدنيا و أشهره في وجه أخيه... شهقت ليلى من الذعر... كان الخنجر... الخنجر المعقوف ذي المقبض الأزرق المنقوش... لا يمكنها أن تخطئ تلك الخناجر المميزة من مجموعة هاجر الأثرية... هتفت في استجداء و هي تندفع نحوه تحاول إبعاد الخنجر :
ـ اعقل يا أمين... ما هكذا تسوى الأمور...

أتاها صوت فراس هادئا حازما :
ـ ليلى، ابتعدي أرجوك...

ثم توجه إلى أمين قائلا بنفس الهدوء العجيب :
ـ لو كنت تعلم أي جميل أسديته إليك بإبعادك عن حنان، لما حقدت علي كل هذه السنين...

ضحك أمين في سخرية لاذعة ثم قال صرخ بصوت هادر :
ـ أنت... لك فضل علي؟! أنت دمرت كل أحلامي، و ضحكت من مشاعري!

التفت إلى ليلى و قد غلف الحزن نظراته :
ـ و أنت أيضا... تجاهلتني، و ركضت إليه! لا تنكري هذه المرة!

هزت ليلى رأسه نافية و قد سيطر عليها الذهول، و هتفت :
ـ صدقني يا أمين، أنت تفهم كل شيء بشكل خاطئ... حين أتيت إلى المزرعة لم أكن أعلم أن فراس هنا... كل شيء كان بالصدفة... صدقني...

ـ إذن... تهربين معي؟

حدقت فيه في دهشة متزايدة، يبدو أنه فقد عقله! هتفت في اعتراض :
ـ ما الذي تقوله... لا يمكنني الهرب إلى أي مكان ووالدي على فراش المرض!

صر على أسنانه في حنق و هو يتمتم : كفاك تعلات سخيفة! أنت مثلها تماما... تسخرين مني...

ثم تغيرت نبرة صوته إلى الانفعال و هو يتقدم باتجاه فراس :
ـ واجهني إذن يا فراس! لن أتركك تسخر مني إلى الأبد!

صرخت ليلى بقوة و هي تراه يرفع يده و يهوي بالخنجر نحو صدر فراس، و هو يزمجر من الغضب و الحقد الذين أعميا بصيرته... تحرك فراس في اللحظة المناسبة ليتفادى الطعنة و مال بجسده إلى اليمين... لكن ليس بما فيه الكفاية ليبتعد تماما عن مسارها... صرخ فراس مع انخراط ليلى في بكاء مرير... أما أمين فقد وقف مذهولا و كأن أصوات الصراخ و البكاء أيقظته من جنونه، و ترددت عيناه بين نصل خنجره الذي غطي بالدماء، و بين أخيه الذي سقط يتلوى على الأرض... كان الخنجر قد أصاب فراس في عضده... جرح عميق أخذ ينزف بشدة. انهارت ليلى على ركبتيها إلى جانب فراس الذي أمسك عضده و هو يعض على شفتيه من الألم... رفعت عينيها الباكيتين إلى أمين و صرخت فيه :
ـ ماذا فعلت أيها المجنون!

ثم قامت بسرعة إلى المطبخ، و هي تتعثر في ثوبها، تبحث في الأدراج في سرعة و جنون، تدور حول نفسها باحثة عما يمكن استعماله لوقف النزيف... عادت أخيرا و هي تحمل مناديل المطبخ، لم تجد غيرها... ساعدت فراس على لفها على منطقة الجرح بأصابع مرتعشة و هي تتألم لألمه... كل ما يحصل له بسببها...

نزلت الخالة مريم أخيرا، بعد أن أفسد الصراخ نومها... نظرت إلى الجميع في حيرة و هي لا تكاد تفهم ما يحصل... هتفت ليلى و هي تسرع إلى الأعلى، لتحضر مفاتيح سيارتها :
ـ خالتي، سنأخذ فراس إلى المستشفى، تعالي معي...

تمتمت مريم و هي لا تفهم شيئا :
ـ مستشفى؟

لكن ليلى كانت قد ارتقت الدرجات في وثبات رشيقة... صحيح أنها تخاف القيادة ليلا، لكن للضرورة أحكام... عليها أن تفعلها... نزلت من جديد، و خرجت رفقة فراس و المربية... في طريقها ألقت نظرة أخيرة على أمين، فيها شيء من الحزن و الشفقة... و الاحتقار...

لبث أمين وحده في المنزل الريفي الذي عاد إليه الهدوء مجددا... ألقى خنجره على الأرض، ثم استند على الجدار ليمنع نفسه من السقوط وراءه... خارت قواه دفعة واحدة، فانهار على الأرض تسبقه دموعه... جملة واحدة ظلت تتردد في ذهنه بصدى مؤلم "ماذا فعلت أيها المجنون!"

avatar
شموس
Admin

الجنس : انثى
الابراج : العقرب
عدد المساهمات عدد المساهمات : 17804
العمر العمر : 34
الموقع الموقع : egypt
المزاج المزاج : تمام :D
نبذة مختصرة نبذة مختصرة : الضمير صوت هادئ..يخبرك بأن هناك من يراك دائما

https://www.shmos.net https://www.facebook.com/ShmosNet https://twitter.com/ShmosNet

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية ياقاتلى اين المفر

مُساهمة من طرف شموس في الجمعة أبريل 28, 2017 6:35 pm

الجزء الخامس و العشرون





أوقفت ليلى السيارة أمام المستشفى الخاصة و هي تتنهد من الانفعال. كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة بعد منتصف الليل، و هي لم تتعود أبدا قيادة السيارة في مثل تلك الساعة المتأخرة... الظلام كان مخيما طوال الطريق الزراعية، ما عدا أعمدة إنارة قليلة و متباعدة، قبل أن تصل أخيرا على شوارع المدينة المضاءة بشكل جيد... لكنها كانت مقفرة تقريبا من السيارات... فتحت الباب الخلفي، و أفسحت المجال لفراس كي ينزل. كان يكتم أنينه بصعوبة طوال الرحلة، فالجرح العميق لم يتوقف عن النزيف... تركت الخالة مريم تساعده و سبقتهما إلى قسم الحالات المستعجلة... كانت القاعة فارغة، و لم يكن هناك أحد في الاستقبال... جرت في كل الاتجاهات و هي تهتف منادية على موظفي القسم. كانت متوترة و متعبة... و تخاف أن تزداد حال فراس خطورة إن تأخر الإسعاف... و أخيرا خرج ممرض من إحدى الغرف، تظهر آثار النعاس على وجهه، و هو يتثاقل في مشيه...

ـ أخي أرجوك... معنا جريح يحتاج إلى تدخل عاجل...

همهم الممرض و هو يحاول طرد النوم عن جفونه :
ـ حسنا، أدخلوه إلى قاعة الكشف ريثما أستدعي الطبيب...

ثم غاب ثانية في نهاية الممر... وصل فراس و الخالة مريم فقادتهما ليلى إلى قاعة الكشف المفتوحة... جلس فراس على طرف السرير و هو لا يزال يضغط على مكان جرحه بوهن. كان المنديل الذي يلف الجرح قد اصطبغ باللون الأحمر القاتم، بعد أن تشرب كمية كبيرة من الدماء. وقفت المربية إلى جانبه و هي تمسك بكفه في حنان، تشد أزره... أما ليلى فكانت تروح و تجيء، و في عينيها نظرة قلقة... لا تردي كيف يمكنها أن تستعجل الطبيب النائم!

أخيرا ظهر الطبيب من آخر الممر و هو يتقدم بخطوات سريعة و مئزره الأبيض يرفرف حوله... اعتذر عن التأخير و شرع في العمل على الفور. عاين الجرح بسرعة، ثم طلب من الممرض إحضار السرير النقال لأخذ المصاب إلى غرفة العمليات حتى يقوم بتدخل سريع... و في لحظات كانا ينطلقان به خارج الغرفة تحت أنظار المرافقتين القلقة...

وقفت ليلى في قاعة الانتظار و هي في غاية التوتر... لم تكن تتخيل أن تصل الأمور إلى هذه الدرجة من التعقيد! أمين فقد عقله! يرفع السلاح في وجه أخيه و يطعنه بتلك الوحشية! انحصر تفكيرها في نقطة واحدة لم تعد ترى غيرها : يجب أن تبتعد عن هذا المكان... يجب أن تبتعد عن هذه العائلة... زواجها من فراس لا يمكن أن يتم! لن ينتج عنه سوى المزيد من الشقاق بين الإخوة و الألم للكثيرين... و هي أولهم! فراس وعد بمساعدتها... و سيفي بوعده. لا يجب أن يقفا مكتوفي الأيدي أمام قرار مصيري كهذا! تنهدت بصوت مسموع و هي تتذكر والدها. لم تمكث إلى جانبه كثيرا نهار البارحة. كانت متعبة، و هاهي الآن أشد تعبا!

وجدت نفسها تخرج من قاعة الانتظار و تجوب أروقة المستشفى على غير وجهة... تحاول تخفيف توترها في انتظار انتهاء عملية تقطيب جرح فراس... تخشى أن يكون الجرح قد أصاب العصب، أو مزق الأربطة العضلية... فكيف لطبيب أن يمارس مهنته بذراع مصابة! كما أنه فقد الكثير من الدماء... كانت تتوقع أن يفقد وعيه بين لحظة و أخرى، لكنه ظل صامدا إلى حين وصول الطبيب... قادتها قدماها إلى جناح الغرف الخاصة، إلى حيث والدها... كانت أقسام المستشفى موصولة ببعضها البعض، لذلك تمكنت من المرور دون أن يستوقفها العسس... كان الوقت متأخرا، و هو بالتأكد يغط في نوم عميق... لكنها تود أن تلقي نظرة سريعة، علها تحس بالأمان لوجودها إلى جانبه... تشتاق إليه أكثر من أي وقت مضى...

ما إن وصلت إلى الممر المقصود حتى لفت انتباهها باب الغرفة المفتوح... حثت الخطى في قلق و قد هاجمتها الهواجس... لا يمكنها أن تتحمل المزيد من المفاجآت المؤلمة. كانت الغرفة مضاءة و لكن سرير المريض كان خاليا! تلفتت حولها في شك... ربما يكون قد خرج إلى الحمام. لبثت تنتظر لعله يعود بين لحظة و أخرى... مرت الدقائق ثقيلة على قلبها و هو لا يظهر بعد. توجهت نحو غرفة الممرضات في نهاية الممر، و هي بالكاد تسيطر على نسق دقات قلبها، و تردد دعاء اللطف بوالدها بلسانها...

ـ من فضلك أختي... هل تعلمين أين ذهب المريض في الغرفة الثانية في هذا الممر؟

نظرت إليها الممرضة في دهشة، و لسان حالها يتساءل عن كيفية وصولها إلى هناك في مثل ذاك الوقت... لكنها قامت على إثرها إلى الغرفة... فكيف لمريض أن يختفي في مثل تلك الساعة المتأخرة... توجهت على الفور إلى اللوح المعلق إلى جانب السرير، و الذي يكتب فيه الطبيب المعالج ملاحظاته. قرأت ما فيه ثم نظرت إلى ليلى و قالت بعد تردد قصير :
ـ المريض في... العناية المركزة!

وقفت ليلى دون حراك و هي تحس بالضياع... لا يمكن أن تكون العناية المركزة بشير خير بأي حال من الأحوال! فرت الدموع إلى عينيها و إحساسها بالخطر يتزايد. أمسكت بذراع الممرضة في لهفة و هتفت بصوت فيه غصة :
ـ أرجوك خذيني إلى هناك...

هزت الممرضة رأسها في تعاطف و هي تقول :
ـ لن يسمحوا لك بالدخول... لا فائدة من الذهاب إلى هناك... عودي إلى منزلك و استريحي الآن...

تشبثت بها ليلى و قالت في صوت أقرب إلى البكاء :
ـ أرجوك، أريد أن أكون إلى جانبه...

كانت علامات الألم في ملامح وجهها الطفولي الباكية أقوى من أن تقاوم... رضخت الممرضة إلى طلبها و قادتها إلى قسم العناية المركزة... تبعتها ليلى بخطوات مضطربة و قد بلغ منها التشنج أقصى درجاته. كانت الغرفة مغلقة و لا سبيل إلى دخول أحد غير الممرضين و الأطباء. استندت على الباب في ضعف و سالت العبرات على وجنتيها... تحس بأنها تفقده... تفقد سندها الأخير في هذه الدنيا! إحساس فظيع... ضمت ذراعيها إلى جسدها و أخذتها الرعشة. ساعدتها الممرضة على الجلوس و قالت في ود قبل أن تختفي :
ـ سأستدعي الطبيب... ربما يمكنه إفادتك بحال مريضك...

بعد لحظات، عادت يرافقها الطبيب المعالج الذي رأته مرات عدة في غرفة والدها... ربما كان من حسن حظها أنه كان يناوب في تلك الليلة... وقفت من فورها و هبت إليه في لهفة :
ـ أرجوك أخبرني... هل هو بخير؟

كان الطبيب قد تعرف عليها بدوره. زم شفتيه و ظل صامتا للحظات... ثم ما لبث أن هز رأسه في أسف و هو يقول :
ـ الأزمة كانت حادة هذه المرة... عليك بالدعاء...

انهارت مجددا على المقعد أمام غرفة العناية، و أخذت تدعو الله بحرقة، تسأله أن يعيد والدها سليما معافى. مر أمام عينيها شريط ذكرياتها القديمة مع والدها... كان كل عائلتها و محور حياتها، تستمد منه قوتها... لكنه علمها أن تعتز بدينها و تؤمن بقدراتها... أن تثق بنفسها و تحافظ على حيائها و عفافها... أخذت تتذكر كلماته في مواقف كثيرة... تشجيعه و نقده... إرشاده ونصحه... فهل سيكون إلى جانبها مجددا بعد الآن؟ هل سيخرج من هذه الغرفة ليكون الوالد المحب لها و السند الذي يشعرها بالأمان؟ ضمت كفيها إلى صدرها و هي لا تتوقف عن الدعاء و التضرع... لم تدر كم مر عليها من الوقت و هي على تلك الحال... غائبة عن العالم الخارجي، غارقة في بحور ذكرياتها القريبة و البعيدة... كل لحظة حلوة مرت بها، شاركها إياها... و كل موقف صعب أرقها، كانت له يد في إخراجها منه... باختصار، لم تعش أبدا بدون أن تستشعر لمساته من حولها... إلا الأيام القليلة التي قضتها مع عائلة خالها... ربما كانت تلك بداية النهاية! نهاية الأيام الهانئة بقربه...

اقتربت منها الممرضة التي ظلت تروح و تجيء، تطمئن على حالها. رمقتها بعطف و هي تقول :
ـ لن يسمح لك برؤيته قبل الصباح... لا داعي للانتظار هنا، من الأفضل أن تستريحي...

رفعت إليها ليلى عينين مغرورقتين بالدموع، كأنها ترجوها أن تفعل شيئا من أجلها... قد تكون هذه ساعاته الأخيرة! لكن الممرضة هزت رأسها في صمت، علامة قلة الحيلة...

وقفت ليلى في تثاقل، و عادت أدراجها إلى قسم الحالات العاجلة... مرت أكثر من ساعة مذ تركت فراس و الخالة مريم هناك... يجب أن تطمئن على حال فراس أيضا... يا رب، إنها لليلة قاسية... ليتها تمر بأخف الأضرار... اللهم عافنا و اعف عنا! حين وصلت، لم تكن الخالة مريم في قاعة الانتظار و كان باب غرفة الكشف شبه مغلق... دفعته بهدوء و أطلت برأسها. كان فراس ممددا على السرير و قد بدا أنه لا يزال تحت تأثير المسكن... أما الخالة مريم، فقد كانت تجلس على أحد المقاعد و رأسها يميل على صدرها، و قد أخذتها سنة من النوم. ارتسمت على شفتيها شبه ابتسامة و هي تتأمل ملامحها المتعبة. اقتربت منها في هدوء و هزتها من كتفها في لطف. استفاقت المربية فزعة، و نظرت حولها في استغراب :
ـ بسم الله الرحمان الرحيم... أين أنا؟

ربتت ليلى على ذراعها مهدئة و هي تقول :
ـ نحن في المستشفى... فراس لا يزال نائما... لمَ لا تتمددين على السرير الشاغر هناك؟ خير لك من النوم على الكرسي... سأوقظك حين يستفيق فراس...

لم تعارض الخالة مريم و استلقت على السرير المجاور لتريح جسدها العجوز... جلست ليلى على المقعد، و أخرجت مصحفها الذي تحتفظ به في حقيبتها على الدوام، و جلست تقرأ في سرها... تحاول شغل نفسها بالتلاوة، علها تنسى أو تتناسى مصاب والدها و لو لبعض الوقت... لكنها لم تستطع السيطرة على دموعها، فأخذت تسيل على خديها في هدوء...

فتح فراس عينيه و هو يحس ببعض الدوار... عقد حاجبيه و هو ينظر حوله حاولا تذكر ما حصل. و ما لبثت الذكريات أن عادت إليه فتجلى العبوس على وجهه. حطت عيناه على عضده الملفوف بالضمادات البيضاء... لم يكن يحس بالألم، و من خبرته كطبيب أدرك أنه لا يزال تحت تأثير التخدير الموضعي... لم يكن قد تم تخديره بالكامل، لكن التخدير الموضعي القوي كان كافيا لبث الاسترخاء في جسده مما جعله يستسلم للنوم، كما أن كمية الدماء التي فقدها جعلت جسده يضعف... رفع رأسه بصعوبة، فوقع نظره على ليلى الجالسة غير بعيد عنه. ابتسم و هو يتذكر كل ما فعلته من أجله... دموعها و نظرات القلق في عينيها... رغم كل الألم الذي كان يعانيه إلا أن وجودها إلى جانبه كان يؤلمه أكثر... يؤلمه أنها بهذا القلب، و بهذا القرب... و لكن لا نصيب له فيها! آه يا ليلى، ماذا كنت ستفعلين لو حصل مكروه لمن تحبين؟ انتبه إلى العبرات في عينيها و على خدها... إنها تبكي مجددا. و هو لا يحتمل أن يراها تبكي... ليته يستطيع رسم الابتسامة على شفتيها للمرة الأخيرة، قبل أن يختفي من حياتها تماما...

ـ ليلى... أنت بخير؟

رفعت رأسها حين سمعت صوته، و ارتسمت ابتسامة ارتياح على شفتيها على الفور. أغلقت كتابها و اقتربت من السرير و هي تهمس :
ـ كيف تشعر الآن؟

تجاهل سؤالها و هو يقول في اهتمام :
ـ امسحي دموعك... لا داعي للبكاء...

أدهشته ردة فعلها العكسية، فقد قطبت جبينها و ارتعشت شفتاها منذرة بنوبة بكاء جديدة. أخفت وجهها بكفيها و هي تقاوم و لكن بلا فائدة. جاهد فراس ليستوي في جلسته و هو يهتف في قلق :
ـ ليلى ماذا هناك؟ هل حصل شيء لا أعلمه؟ هل أقدم أمين على عمل أحمق جديد؟

هزت ليلى رأسها نافية، فهتف مجددا و هو يحثها على الإفصاح :
ـ ماذا إذن؟ أخبريني أرجوك؟

انفجرت هذه المرة و هي تهتف بصوت مختنق من العبرات :
ـ إنه أبـ...ـي... إنه يــ....ـمـ...ــوت يا فراس... يموت...

تسارعت دقات فلبه بشكل مؤلم. فهو يعلم أكثر منها مدى خطورة حاله... يعلم حقا أن نجيب ليس بعيدا عن المرحلة الأخيرة، و الأعمار بيد الله أولا و أخيرا... فكيف يمكنه أن يخفف عنها؟ يحسها كطفلة صغيرة، تحتاج إلى الرعاية و الحنان... ربما يمكنه أن يقدم لها شيئا أخيرا، ربما يمكنه أن يهدئ من روعها و يشعرها ببعض الأمان و لو للحظات... فربما تكون اللحظات الأخيرة بينهما قبل أن ينفذ ما قرره...

همس بصوت دافئ حان :
ـ ليلى، اسمعيني جيدا... أنت فتاة مؤمنة... و تعلمين بأن لله حكمة في كل شيء... و القدر لا مفر منه... ربما كان قدرنا أن نفارق من نحب، لكن يجب أن نفهم أن الله يحرمنا ليبتلينا، هل نصبر أم نيأس... فكيف نقابل هذا الابتلاء؟ أجيبيني؟

تمتمت ليلى بصوت ضعيف :
ـ نصبر...

واصل و كأنه يكلم نفسه و يقنعها في نفس الوقت :
ـ نعم نصبر... و ندعو و نسأل الله السلوى...

هزت رأسها موافقة، فابتسم و هو يضيف :
ـ إذن أريني كيف تصبرين...

مسحت دموعها بكف مرتعشة، و هي بالكاد تسيطر على انفعالاتها، فواصل قائلا :
ـ و لا تنسي أنك لست وحدك... لديك عائلة تحتضنك و تقف إلى جانبك... و...

هم بأن يقول بأن هناك رجلا ينتظرها، و يمكنه أن يحميها في المستقبل و يعوضها فقيدها... لكنه لم يقدر... لا يزال جرحه طريا، و لا يتحمل المزيد من القسوة... أشاح بوجهه في استياء... من نفسه... يحاول إخفاء الدموع التي تداهمه... و لحسن حظه كانت ليلى منشغلة عنه بمصابها، سارحة في أفكارها... فلم تنتبه إلى التغير المفاجئ الذي انتابه... لكن الخالة مريم التي استيقظت على صوت حديثهما لمحته في لحظة الضعف تلك، فأطرقت في إشفاق على صغيرها الذي كتب عليه المزيد من الألم...



**********


وصلت إلى المستشفى و قد تجاوز الوقت الساعة السابعة بدقائق قليلة، بالكاد نامت ساعة واحدة بعد أن أوصلت فراس و الخالة مريم إلى القصر و عادت بسرعة لتطمئن على حال والدها. لولا إلحاح مرافقيها عليها لتنال قسطا من الراحة لما تركت المستشفى لحظة واحدة! عبرت الممر بخطى سريعة، و هي تكاد تسمع دقات قلبها العالية. توقفت حين رأت غرفة والدها مغلقة. بلعت ريقها بصعوبة و تقدمت في اضطراب واضح... طرقت على الباب بخفة ثم أدارت المقبض بكف مرتعش... أطلت لتلقي نظرة على الغرفة، و لم تكن تتوقع أن تجد أحدا... لكن و لدهشتها، كان والدها نائما على السرير في هدوء! دخلت بسرعة و اقتربت منه، أخذت تهزه برفق، كأنها تريد التأكد من كونه على قيد الحياة

ـ أبي، أبي... أنا ليلى, هل تسمعني؟

فتح نجيب عينيه و نظر إليها في استغراب :
ـ ليلى؟ كم الساعة الآن؟

كان يبدو على ملامحه التعب، ظهرت على وجهه علامات الهرم في الأيام القليلة الماضية... نظرت إليه في شوق و حب و هي تقول :
ـ إنها السابعة... لكنني اشتقت إليك كثيرا، فأتيت مبكرة اليوم...

لم ترد أن تخبره أنها تعلم بشأن الأزمة التي هاجمته في الليلة الماضية, ربما يريحه ذلك أكثر...حمدت الله في سرها كثيرا، لأنه استجاب إلى دعائها فتجاوز والدها مرحلة الخطر بسلام... حاولت أن تكون مبتسمة طوال الوقت و أن تبتعد عن موضوع المرض قدر الإمكان... و هو أيضا، لم يشأ أن يعلمها، حتى لا يعكر صفو اللحظات التي تجمعهما... فربما تكون الأخيرة... لكنها كانت تلمح في عينيه نظرة رجاء، كأنه يذكرها بالعرض الذي لم تعط قرارها بشأنه بعد... لم تكن مستعدة بعد للكلام. تنتظر أن يتعافى فراس أكثر و يتحدث إلى والده. لا يمكن أن ينسى... هو وعدها بالمساعدة!

كانت متعبة جدا ذاك الصباح، فهي لم يغمض لها جفن إلا لساعة واحدة أو أقل. و الأحداث الأخيرة المضطربة لا تزال تؤثر على تركيزها. ذهبت إلى المزرعة بحثا عن الراحة، فلحقتها المتاعب إلى هناك... لكنها كتمت كل ذلك عن والدها و حاولت التصرف بصفة طبيعية. عند الساعة العاشرة، دخلت الممرضة إلى الغرفة مبتسمة و هي تحمل سلة طعام و باقة ورود كبيرة. تسلمتها منها ليلى في استغراب... أخبرتها الممرضة أن سائق عائلة القاسمي هو من أحضر السلة، فهي لم تملك الوقت الكافي لإعداد الطعام مع عم هاشم مثل كل صباح... لكن شخصا آخر قام بذلك عنها. ابتسمت في امتنان و هي تقرأ قصاصة الورق المصاحبة : "الطعام صحي مائة بالمائة، معد تحت إشراف متخصص... ليلى أيتها العنيدة، فكري بأخذ قسط أوفر من الراحة"... فراس كلف نفسه بالمهمة رغم إصابته الحديثة و إرهاقه... يا له من رجل حقا! انتقلت إلى الباقة ذات الورود الخلابة... تناولت بطاقة الإهداء و ما إن قرأت ما كتب عليها حتى اختلجت أصابعها و تسارعت دقات قلبها... "مع خالص تمنياتي بالشفاء العاجل... عمر"!

استند نجيب إلى مرفقيه و استوى في جلسته و هو يقول :
ـ ممن الهدايا؟

تركت ما بين يديها و هي تغالب المشاعر التي راودتها في تلك اللحظة. اقتربت منه مبتسمة و قالت :
ـ حين خرجت صباحا كنت مسرعة فلم أجهز سلة الطعام كالعادة... لكن فراس اهتم بذلك و أرسلها مع السائق...

اتسعت ابتسامة نجيب في رضا و قد سره اهتمام فراس فأضاف :
ـ و الباقة... هل هي منه أيضا؟

بدا الارتباك على ليلى و هي تقول في تلعثم :
ـ الباقة؟ لا... إنها... إنها من الدكتور عمر... أستاذي في جامعة باريس...

مدت إليه البطاقة التي ظلت تحتضنها بين كفيها. هز نجيب رأسه و هو يعقد حاجبيه متفكرا. لم يكن الاسم غريبا عنه... كانت ليلى قد حدثته عنه مرات و مرات... عن تصرفاته و مواقفه و علاقته المتميزة مع طلبته و مكانته لديهم رغم صغر سنه. نظر إليها في شك و هو يسألها :
ـ جزاه الله خيرا... لكن كيف علم الدكتور بمرضي بهذه السرعة؟ و هل يرسل الورود إلى كل من يمرض من عائلات طلبته؟

تزايد ارتباك ليلى و تجلى الاحمرار في وجنتيها بشكل يدعو إلى الريبة. لكنها أجابت محاولة التهرب :
ـ الدكتور عمر هنا في المدينة لحضور بعض المؤتمرات العلمية... و قد علم عن مرضك عن طريقك سحر... فاتصل ليطمئن...

لم يبد الاقتناع على نجيب الذي هز رأسه و هو يشجعها على المزيد من التوضيح. أحست ليلى بأنها واقعة في مأزق و لم يعد هناك فرصة للتراجع... بل ربما كانت تلك الفرصة المناسبة التي جاءتها دون تخطيط منها حتى تصارحه بشأن عمر... أخذت نفسا عميقا ثم قالت بهدوء :
ـ أبي... هناك أمر ما كنت أود إخبارك عنه منذ زمن... قبل سفري إلى هنا... الدكتور عمر اتصل بي و طلب تحديد موعد معك... لأنه... لأنه يريد أن يتقدم لخطبتي...

سكتت ليلى ريثما يستوعب والدها ما قيل. أما نجيب فقد نظر إليها في دهشة و هو يهتف :
ـ لماذا لم تخبريني منذ البداية؟

أجابت على الفور :
ـ لأن الوقت لم يكن مناسبا لمثل هذه المواضيع... ففي اليوم نفسه فاجأتني بقرار السفر و كل ما تبعه من أحداث غريبة... ثم حين رجعت، لم تترك لي المجال و فاجأتني مجددا بمسألة الارتباط من فراس...

سكت نجيب بدوره للحظات، ثم رفع رأسه إليها ثم نظر إلى الباقة و قال :
ـ لم تخبريه بعد عن ارتباطك بابن خالك؟

أطرقت في حيرة و اضطراب... لا يمكنها أن تصده بهذه البساطة، فهي لم تعط رأيها النهائي بعد! تابع نجيب و هو يقول بصوت واهن :
ـ ليلى... أنا اتفقت مع خالك بشأن الزواج... حتى أننا عقدنا شراكة في الأموال أيضا، لأنني لن أجد أفضل من خالك ليهتم بالحفاظ على مالك، و لا من فراس ليحفظك و يصونك...

هزت رأسها في تفهم... مع أنها لم تعد متأكدة من كون خالها الشخص المناسب بعد ما أخبرته به رجاء!

تنهد و هو يرفع رأسها بكفه لينظر إلى عينيها و قال :
ـ هلا أرحت قلب والدك يا حبيبتي و كفيته عناء التفكير في مستقبلك!

جمعت أطراف شجاعتها بصعوبة، فليس من عادتها أن تعارض والدها، لكنها فرصتها الأخيرة ربما :
ـ و لكن أبي... عمر تقدم إلي أولا، قبل أن أتعرف على فراس أصلا... و لولا ظروف السفر الغريبة لكان فاتحك في الموضوع منذ زمن... و قد جاء إلى هنا خصيصا ليتحدث إليك... أرجوك، أعطه فرصة...

تأمل نجيب مطولا ملامحها التي اتضحت فيها علامات الرجاء... لم يعد لديه شك... سألها في هدوء :
ـ أنت معجبة به؟

أطرقت ليلى في حياء و قد تصاعدت الدماء إلى وجهها و ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة. تنهد والدها من جديد و ربت على كفها في حنان و هو يقول :
ـ هل ترينه الشخص المناسب لك؟

لم تتكلم، لكنها بعد تردد قصير هزت رأسها ببطء علامة الإيجاب، و أصابعها تلهو بطرف وشاحها في توتر. عقد نجيب حاجبيه و بدا عليه التفكير. رفعه عينيه إليها أخيرا و قال :
ـ هل هو جاد في طلبه؟

هزت رأسها مجددا و هي ترمقه في ترقب ثم أضافت :
ـ إن وافقت على لقائه فسيكون عندك صباح الغد...

ابتسم أخيرا و هو يقول مداعبا :
ـ غدا صباحا! يبدو أنه مستعجل جدا... حسن إذن، فلننظر في أمر هذا الـ "عمر"!

ارتمت ليلى في حضنه و ضمته بقوة و هي تقول في حماس :
ـ سأخبره بموافقتك على الفور... لقد كان هنا البارحة أيضا و رغب في لقائك... لكن الوقت لم يكن مناسبا...

لكنها تذكرت شيئا آخر غاب عن ذهنها، فابتعدت عن حضنه قليلا و قالت في قلق :
ـ و ماذا ستفعل مع خالي؟

مسح على رأسها في حنو و قال مطمئنا :
ـ اتركي الأمر علي... سأتحدث إليه...

ابتسمت ابتسامة هادئة، لكن عقلها لم يهدأ أبدا... ما الذي تخبئه لها الأيام القادمة؟

الجزء السادس و العشرون





فتح عينيه ببطء و رفع رأسه بصعوبة... أجال بصره في المكان، يحاول التعرف عليه... كانت رؤيته ضبابية، لكن الأشكال بدت مألوفة... إنها سيارته! كان يجلس على مقعد القيادة، و رأسه مستند إلى المقود... أحس بألم في جبينه. رفع يده ليتحسس مكانه، فلمست أصابعه مادة لزجة متخثرة... إنها دماء! نظر إلى أصابعه المصبوغة باللون الأحمر في دهشة، عادت إليه حواسه رويدا رويدا، و تزايد إحساسه بالألم في أماكن مختلفة من جسده... و ما لبثت أن عادت إليه ذكريات الليلة الماضية...

ليلى تركته و رحلت مع فراس! تلك الحقيقة الجارحة سيطرت على أفكاره حتى أنه لم يعد يرى شيئا عداها... عبثت به ذكرياته مع حنان في الطفولة و بداية الشباب... كانت حلمه في حياتها، و أصبحت هاجسه بعد مماتها... فراس حرمه منها مرتين... و هذه هي المرة الثالثة! حرمه منها حين تزوجها رغم ما يعلمه من مشاعره تجاهها... ثم حرمه من وجودها حوله حين قادها إلى نهايتها البشعة... و الآن و قد عادت إليه بصورة لم يتوقعها أبدا... عادت أجمل و أبدع و أروع... يريد أن يحرمه منها مجددا!!

انهار على الأرض و هو يحس بالضياع... لماذا يا فراس، لماذا؟ لماذا تجبرني على إيذائك؟ أنا لم أرد ذلك... لم أرد أن نصل إلى هذه الدرجة من الكراهية... لكنك لم تترك لي الفرصة... دمرت حياتي و وأدت أحلامي... حياتي لم يعد لها معنى...

ضائع... ضائع بأتم معنى الكلمة... لقد حاولت أن أقتل أخي! ما الذي ألمّ بي حتى أفعل شيئا فظيعا كذلك؟ إنك حقا على حافة الجنون... على شفير هاوية سحيقة... نظر إلى يديه المرتعشتين في ذهول. ماذا فعلت بيديك هاتين؟ وقعت نظراته على بركة الدماء التي خلفها جرح فراس على الأرض... أنت فعلتها! صوت داخلي يصرخ في رأسه، يصم آذانه، يصيبه بجنون حقيقي... دارت نظراته في المكان، و قد أصابه الدوار... دوار فظيع... لمح الخنجر على الأرض فالتمعت في عينيه نظرة غريبة... زحف إليه على ركبتيه. تلطخ سرواله بدماء أخيه... أمسك الخنجر بين يديه اللتين لم تفارقهما الرعشة... حواسه كلها مضطربة. رفعه أمام عينيه و صور كثيرة تغلي في رأسه... أمسك بمقبضه الأزرق بإحكام، و قرب نصله الحاد المعقوف من معصمه الأيسر... الوريد... حنان قطعت وريدها وتركت دماءها تسيل على ملاءة السرير البيضاء... لا يزال يذكر المشهد كما لو أنه حصل بالأمس... وجهها هادئ و نظراتها خالية من الحياة... كأنها لم تشعر بالألم. هل الموت بتلك الطريقة خال من العذاب؟ كانت في سكينة عجيبة. اختارت طريقها. هل هي طريق مريحة؟ وضع حد النصل على معصمه و ضغط عليه برفق... تذكر وجه فراس حين رأى حنان مسجاة في تلك الوضعية. تذكر كل شيء... رآه و هو يركض نحو السرير في جزع و يهزها بعنف علها تستيقظ... ثم رآه و هو يسقط أرضا مغشيا عليه. فراس كان أكثر من تألم لوفاتها... مرض لفترة طويلة و نفسيته تأزمت. هو أيضا افتقدها... ربما أكثر مما كنت تتصور... أو أكثر مما تتحمل! حقدت عليه أكثر، لأنه لم يحافظ عليها و بعد فوات الأوان راح يبكيها!

ضغط على النصل أكثر ليوقف الأفكار المؤلمة التي تحاصره... أفكار مشوشة مبعثرة متداخلة... لمح أولى نقاط الدم تتسلل إلى الخارج... دم أحمر قان... تأملها في ذهول... إنه لا يحس بالألم! معقول؟ هل يجد راحته في هذا؟ كان يهم بالضغط مجددا على الخنجر حين أحس بالألم يجتاحه... أليافه العصبية أخذت بعض الوقت قبل أن تنقل السيالة العصبية إلى المركز! إنه يحس بالألم الآن... توقف مترددا، ثم ما لبث أن رمى الخنجر على الأرض و قام من مكانه... هرول في اتجاه المطبخ. بحث عن منديل يلف به جرحه ليوقف النزيف. كان الجرح بسيطا، لا داعي للقلق... لف معصمه بخرقة ثم دخل إلى الحمام ليغسل يديه من آثار الدماء. نظر إلى صورته في المرآة، و ابتسم في تهكم... أنت جبان! نعم جبان... لم تقدر حتى على اللحاق بها!

خرج و إحساسه بالسخط يسيطر عليه... سخط على نفسه، على حياته، على مشاعره، على ليلى و فراس! ركب سيارته و انطلق. كانت المزرعة غارقة في الظلام. لم ينبلج الصبح بعد... قاد السيارة بسرعة جنونية... إلى أين يذهب؟ لا يدري... ماذا يريد؟ لا إجابة... هل لحياتك معنى؟ ماذا تنتظر من أيامك القادمة؟ هل تستحق الحياة؟ ربما كانت النهاية...

لم يشعر بنفسه إلا و هو يندفع في الظلام في طريق خالية... لا يرى شيئا تقريبا و حواسه شبه مفقودة... فجأة أحس بقوة كبيرة تهز جسده و تسحقه على المقود... ألم كبير هاجمه، يكاد يحطم ضلوعه... لم يستطع أن يصرخ، بل ربما لم يحاول... استسلم إلى الألم الذي ابتلع جسده المحطم... كأنه يهوي إلى فج عميق لا قرار له... و غاب عن الوجود...

تحولت نظراته إلى معصمه. كان لا يزال ملفوفا في قطعة القماش، و كأن النزيف قد توقف... نزع المنديل عن معصمه و مسح به جبينه الذي كان يؤلمه أكثر... حاول استخراج جسده من المقعد. لكن بدا أن الكرسي قد ضغط بشدة إلى الأمام حتى علق جسده بينه و بين المقود! فتح باب السيارة الذي تحطم زجاجه تماما و أخذ يدفع بصدره إلى الخارج مستندا إلى كفه السليمة. جر نفسه بصعوبة و هو يقاوم آلامه التي لم يعد يدري مصدرها... وجد نفسه أخيرا ملقى على الأرض إلى جانب السيارة... الحمد لله تمكن من الخروج... رفع عينيه إلى سيارته فهاله المنظر : كانت مقدمة السيارة قد تحطمت بالكامل بعد أن ضغطت بقوة على شجرة ضخمة. لقد تعرض إلى حادث! كان ينظر حوله في ذهول و هو لا يصدق ما حصل معه. حاول الوقوف على قدميه، فأحس بألم فظيع في ساقه اليمنى... لا يستطيع الاستناد عليها... هل هو كسر؟ زحف مجددا باتجاه السيارة، بحث في الركام عن هاتفه الجوال... يجب أن يتصل بأحد ليخرجه من هنا! وجده أخيرا. جلس على الأرض في حيرة... بمن سيتصل؟ من ذا الذي سيهتم لأمره؟ من المؤكد أن الجميع متحلقون حول فراس الآن في المستشفى يطمئنون إلى سلامته... هل سيهمهم في شيء إن كنت على قيد الحياة أو غير ذلك؟ أنت حاولت قتل أخيك... لا تنس ذلك!

نزلت دموعه على وجنتيه في صمت. ما فائدة البكاء الآن؟ أمرك منته! فجأة أخذ الهاتف في الرنين. التقطه في لهفة و دهشة... شخص ما فكر فيه! نظر إلى الرقم في ذهول... رقم معروف لديه، مع أنه مر زمن طويل لم يره على شاشة هاتفه... غير معقول... لبث يحدق في الشاشة في غير تصديق، كأنه لم يعد يسمع الرنين... فراس! هل يرد عليه؟ كيف سيواجهه بعد فعلته تلك؟ شعر بغصة في حلقه، و انهمرت الدموع من عينيه بغزارة هذه المرة. حين انتبه من جديد، كان الهاتف قد توقف عن الرنين. وضعه إلى جانبه في أسى و غطى وجهه بكفيه. لا فائدة... لا يمكنه أن يتصل به. ستظل مرميا هنا في الخلاء حتى يعثر عليك بعض المارة... يمكنك أن تدعي فقدان الذاكرة، و ترحل بعيدا... لا فائدة من الرجوع إلى تلك العائلة. لا يهمها أمرك... فجأة انطلق الرنين مجددا. نفس الرقم ظهر على الشاشة... هذه المرة لم يستطع أن يقاوم. مد يده و أنفاسه المضطربة تتردد بسرعة في صدره... ضغط على زر الرد دون أن يتكلم. جاءه صوت فراس من الناحية الأخرى و هو يهتف في قلق :
ـ أمين؟ أين أنت؟

نظر حوله للمرة الأولى... كانت المراعي الشاسعة تمتد حوله بدون أي إشارة حياة... مكان مهجور تماما... لا يدري كيف وصل إليه، و لا كم مضى من الوقت منذ خروجه من المزرعة حين حصل له الحادث... إنه تائه حقا... تائه قلبا و قالبا... همهم بصوت شبه مسموع :
ـ لست أدري...




*********


أوقفت ليلى سيارتها في المرآب و ترجلت في اتجاه الحديقة الأمامية. ارتسمت على شفتيها ابتسامة حين لمحت منال تجلس في الشرفة. لوحت لها من بعيد و هي تقترب من مكانها. مرت بضعة أيام على آخر جلسة هادئة بينهما... فما أصعب الأيام الماضية! حين أصبحت أمام السلم المؤدي إلى الشرفة، انتبهت إلى أن منال لم تكن تجلس بمفردها. كان فراس قد استرخى على الأريكة المقابلة و هو يضع رانيا على أحدى ركبتيه. إحساس غريب غامرها حين التقت نظراتهما. أحست بارتباكه... أشاح بوجهه عنها و عاد إلى ملاعبة رانيا. لكنها قالت متجاهلة ذاك الإحساس و هي تشير إلى ذراعه الموصولة إلى عنقه برباط عريض أبيض :
ـ أنت طبيب، و مع ذلك تتجاهل توصيات طبيبك!

ابتسم و هو يهز كتفيه في لامبالاة :
ـ أنا بخير... الجرح بسيط و الطبيب يبالغ في الحذر... كما أن الجلوس مع حبيبتي رانيا أفضل من المكوث في السرير طوال اليوم...

ثم أشار إليها و هو يقول بجدية :
ـ لكن أنت من يتجاهل صحته بالكامل! تصلين الليل بالنهار و لا تفكرين بأخذ لحظة واحدة من الراحة...

ارتمت على الأرجوحة القريبة في إعياء و هي تقول :
ـ معك حق... إن غلبني النعاس و أنا جالسة هنا فلا يلومني أحد منكم...

ثم أغمضت عينيها متظاهرة بالنوم... كانت منال تنقل بصرها بينهما في تعجب. بالأمس كان كل واحد منهما لا يوجه كلمة للآخر، و اليوم يتحدثان ببساطة... بل كأنهما صديقان قديمان! عقدت ذراعيها أمام صدرها و هي تهتف في احتجاج :
ـ هناك شيء ما يتجاوز إدراكي المتواضع هنا...

التفتت إليها ليلى في استغراب، في حين احمر وجه فراس فجأة و قال على الفور مغيرا الموضوع :
ـ منال من فضلك... هلا أحضرت بعض الكعك... ابنتك تكاد تلتهم أصابعي من الجوع!

نظرت إليه في خبث فتطلع إليها في استجداء... قامت في امتعاض و هي تقول :
ـ ليلى... تعالي معي، أحتاج مساعدتك في إحضار العصير...

تبعتها ليلى في استسلام، و ما إن وصلتا إلى المطبخ حتى بادرتها منال قائلة :
ـ يبدو أن فكرة الزواج راقتك أخيرا!

توردت وجنتا ليلى فجأة و لم تجب... لا شك أن فراس أعلمها بشأن عمر... هتفت منال و هي تحتضنها في فرح حقيقي :
ـ كان يجب أن أعلم! واضح جدا من تغير ملامح فراس حال رؤيتك! كان مزاجه عكرا طوال النهار، و ما إن حضرت الأميرة حتى ظهرت الابتسامة على وجهه!

حدقت فيها ليلى في دهشة :
ـ منال... ما الذي تقولينه؟ الأمر ليس كذلك أبدا!

غمزتها منال في خبث و هي تقول :
ـ هل تحاولين المداراة؟ أنت أيضا تغيرت معاملتك تجاهه! أين الكلام الذي قلته عنه منذ أيام قليلة؟

خفضت ليلى رأسها في خجل و هي تهمس :
ـ أرجوك لا تذكريني في تلك السخافات... لست أدري كيف أعتذر منه على سوء ظني...

ربتت منال على كتفها ضاحكة :
ـ لا داعي للاعتذار الآن، صفحة جديدة بدأت... و حياتكما معا ستكون أفضل بالتأكيد...

تنهدت ليلى و هي تقول :
ـ منال أنت لا تفهمين... زواجي من فراس لن يحصل أبدا! لقد اتفقنا على رفض ذلك...

عقدت منال حاجبيها في دهشة و هي تتمتم :
ـ لم أعد أفهم شيئا...

كانت ليلى قد انتهت من ملأ أكواب العصير فقالت و هي تحمل الصينية و تتوجه إلى الخارج :
ـ ستفهمين قريبا يا عزيزتي... الآن هلا جهزت طبق الكعك و لحقت بي؟

تابعتها منال و هي تخرج من المطبخ و في عينها نظرة غريبة... مستحيل، ما رأته في عيني فراس شيء آخر... شيء لا يمكن أن يخطئه حدسها الأنثوي! فراس متغير منذ أيام... و ستعرف حتما ما وراء هذا التغيير...

وضعت ليلى الصينية على الطاولة و هي لا تزال تفكر فيما قالته منال عن تغير فراس... نعم إنها تشعر بذلك أيضا، لكنها لم تعره اهتماما كبيرا... ربما لأن أشياء أخرى أهم حصلت في الأثناء... حين رفعت رأسها انتبهت إلى أنها و فراس كانا بمفردهما في الشرفة... نظرت إليه في ارتباك و هي تقول :
ـ أين ذهبت رانيا؟

لم يكن أقل منها ارتباكا و هو يهمهم :
ـ ذهبت لإحضار كرتها...

همت بالعودة إلى المطبخ لمساعدة منال، لكن فجأة تذكرت أمرا ما و وجدت أن الفرصة مناسبة لتسأل عنه. التفتت إليه في اهتمام وقالت و هي لا تزال واقفة :
ـ فراس... أردت أن أستفسر عن أمر ما... في الليلة الأولى من إقامتي هنا، حصل أمر غريب... هل تذكر؟

نظر إليها في انتباه و تساؤل، فواصلت :
ـ سمعت صراخا أثناء الليل، و حين خرجت لأرى ما يحصل وجدت باب غرفتك مفتوحا و أمين يقف في الداخل... قال أنك ترى كوابيس عن حنان... لكن، لكن قبل ذلك كنت واقفة في الشرفة، و رأيت شخصا ما يتسلل إلى غرفتك عن طريق الشرفة...

نظر إليها و قد بدت الدهشة على ملامحه، لكنه سرعان ما ابتسم في مرارة و هو يقول :
ـ إذن رأيت ذلك!

هتفت ليلى في لهفة و حماس :
ـ إذن كان ذلك حقيقيا و ليس تهيؤات كما ادعى أمين!

هز فراس رأسه موافقا و هو يقول :
ـ نعم... كان ذلك أمين!

ـ أمين!!

ـ نعم... بعد وفاة حنان، كان يبحث عن مذكراتها المفقودة... كنا جميعا نعلم أنها تكتب مذكراتها في كراس صغيرة... و بحثنا عنها جميعا لأننا اعتقدنا بأنها قد تكون كتبت فيها عن أسرار انتحارها. أمين كان يعتقد أنني أخفيت المذكرات لأن فيها ما يثبت تورطي في قضية انتحارها... و لبث يطاردني باتهاماته طويلا دون أن ييأس... في ليلة قدومك إلى هنا، تعمد أن يذكر حنان و ماضيها أمامي حتى يستفزني. كان يعتقد أن استثارة ذكرياتي عنها سيجعلني أخرج المفكرة من مخبئها!! كان قد فتش غرفتي مرات قبل ذلك دون جدوى... و أعاد الكرة في تلك الليلة... كنت قد أويت إلى النوم، لكن نومي كان مضطربا بسبب... بسبب ظهور نسخة من حنان أمامي فجأة...

قال ذلك و هو يبتسم في خجل، ثم واصل :
ـ استيقظت أثناء الليل و تناولت منوما... فقد كنت أعاني السهاد منذ زمن، لكن بصفة متقطعة... حين فتحت عيني للمرة الثانية، رأيت شبحا يتجول في غرفتي بمصباح يدوي! حين انتبه إلى استيقاظي التفت إلي و أخذ يطالبني بإعطائه المذكرات... كان في حالة من الهيجان الشديد، في حين كنت نصف نائم، لذلك كانت موازين القوى مختلة! حين لم ير مني التجاوب المطلوب، دفعني بعنف... و كان مفعول المنوم قد أخذ بدأ يظهر في جسدي، فسقطت على السرير و فقدت وعيي على الفور...

همهمت ليلى متفكرة :
ـ هكذا إذن...

ثم أضافت في تساؤل :
ـ أمين كان ليفعل المستحيل حتى يحصل على المذكرات... و أنت؟ ألم يكن لديك فضول لمعرفة ما كتبت حنان في كراسها؟ كيف تخليت عنها بكل سهولة حين طلبها منك ياسين؟

فاجأه سؤالها مجددا. نظر إليها بصمت للحظات، ثم أشاح بوجهه و هو يقول في حزن :
ـ نعم... الجميع كانوا متشوقين لقراءة مذكراتها... لكن أنا... كنت خائفا... خائفا مما قد تكون كتبته عني... و عن حياتها بعد زواجنا... فقد تعذبت بما فيه الكفاية دون أن أقرأ شيئا... فكيف سيكون حالي إن قرأت ما يؤكد ذنبي تجاهها؟

أطرقت ليلى في تأثر و هي تتذكر مجددا كلمات حنان... نعم، كانت كلماتها قاسية، و لا شك أنها كانت لتكون مدمرة بالنسبة إليه...

قال فراس مغيرا الموضوع :
ـ هل علمت أن أمين في المستشفى؟

رفعت رأسها في اهتمام و استغراب... لم تكن قد سمعت عن أمين شيئا منذ حادثة الليلة الماضية :
ـ أمين؟ ما الذي حصل؟

ـ تعرض إلى حادثة الليلة الماضية... لم ينتبه إلى الطريق... و لا يعلم أين هو! ذهب ياسين مع العم صابر للبحث عنه... وجدوه في طريق مهجورة غير بعيدة عن المزرعة و نقلوه إلى المستشفى عند الظهر... أصيب بكسور في مستوى الضلوع و الساق اليمنى... سيكون بخير بعد بضعة أيام إن شاء الله...

تنهدت ليلى في ارتياح... طالما لم تصب الأعضاء الحيوية بضرر فهو بخير إن شاء الله... ذاك الفتى المتهور... كانت ليلة صعبة على الجميع... إصابات عديدة... فراس و والدها، ثم أمين... لكنها مرت بسلام و الحمد لله...

ارتفع رنين هاتف فراس الجوال. نظر إلى الرقم ثم قال مبتسما :
ـ إنه الدكتور جمال... أحد أصدقائي في المستشفى... ربما يحمل أخبارا عن حالة أمين... مرحبا جمال... طمئنني، كيف الأحوال؟

راقبته ليلى و هو يستمع إلى محدثه في اهتمام متزايد... رأت ابتسامته تتلاشى مع تدفق الكلمات إلى أذنيه، و علامات الانقباض تحتل ملامحه... لم ينطق بكلمة إضافية، بل أنهى المكالمة في هدوء، و سرحت نظراته الذاهلة للحظات... هتفت ليلى في قلق :
ـ فراس... ماذا هناك؟

كانت منال قد وصلت حاملة طبق الكعك، و ضعته على الطاولة و هتفت في مرح :
ـ آسفة إن كنت تأخرت عليكم...

لكنها بترت عبارتها و هي تلمح الوجوه الواجمة. جلست إلى جوار ليلى و هي تتساءل :
ـ ماذا هناك؟

ـ فراس... ما الأمر؟ أمين بخير؟

كانت علامات التردد واضحة على وجهه، يبحث عن الكلمات المناسبة... نظر في عيني ليلى و قال و هو يحاول أن يكون هادئا :
ـ ليلى... هل تذكرين حديثنا هذا الصباح؟

حدقت فيه في دهشة و تساؤل، فأردف موضحا :
ـ عن الصبر و الاحتساب عند الابتلاء...

هزت رأسها ببطء و قد أخذت العبرات تتجمع في عينيها. واصل في صوت راح يتهدج :
ـ و أنت مؤمنة و قوية... و ترضين بقضاء الله... أليس كذلك؟

لم تكن تحتاج إلى المزيد من الكلمات كي تفهم قصده. سالت الدموع على وجنتيها في صمت. لم يقاوم دموعه هو الآخر فأشاح بوجهه ليخفي عبراته عنها و هو يتابع :
ـ هاجمته نوبة حادة بعد خروجك بقليل... لكنه لم يصمد أمامها هذه المرة... الفريق الطبي فعل ما بوسعه، لكن لا راد لقضاء الله...

نزل عليها الخبر كالصاعقة... انتهى كل شيء... انتهى! إنها الآن بدون عائلة... فقدت مصدر طاقتها الأخير و الوحيد... لا ليس الوحيد... هزت رأسها موافقة و تمتمت بشفتين مرتجفتين :
ـ إنا لله و إنا إليه راجعون... إنا لله و إنا إليه راجعون...

أشار فراس إلى منال التي ظلت تراقبهما في ذهول و قد عقدت الصدمة لسانها، فاحتضنتها في حنان و تركتها تبكي على صدرها في هدوء... أما فراس فقد أطرق في حزن، و هو يحس بأن الموقف سيزداد تأزما... تذكر حواره مع والده منذ سويعات قليلة فاختلج قلبه في صدره... لكنه سيقف إلى جانبها و يساندها... مهما حصل...

رفعت رأسها و قد تمالكت نفسها و قالت في هدوء عجيب :
ـ أريد أن أراه...

هز رأسه موافقا و هو يقوم لاستدعاء السائق... كان الله في عونك يا ليلى...

avatar
شموس
Admin

الجنس : انثى
الابراج : العقرب
عدد المساهمات عدد المساهمات : 17804
العمر العمر : 34
الموقع الموقع : egypt
المزاج المزاج : تمام :D
نبذة مختصرة نبذة مختصرة : الضمير صوت هادئ..يخبرك بأن هناك من يراك دائما

https://www.shmos.net https://www.facebook.com/ShmosNet https://twitter.com/ShmosNet

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية ياقاتلى اين المفر

مُساهمة من طرف شموس في الجمعة أبريل 28, 2017 6:36 pm

السابع و العشرون






أشرقت شمس يوم جديد على قصر آل القاسمي. تسللت أشعتها الدافئة لتداعب الجفون و الأجساد التي أنهكها السهر، لكنها لم تتجاوز حواجز الحزن التي غلفت القلوب و خلفت فيها آثار الصقيع...

لم تنم ليلى. فبعد زيارتها الأخيرة لوالدها في المستشفى و رؤيتها لجثته الباردة المسجاة بدون حراك، أدركت أن مرحلة جديدة من حياتها على وشك البدء. مرحلة البحث عن الاستقرار... و الأمان. كانت تثق بأن الله لن يهملها، بعد أن توكلت عليه بكل جوارحها... و عليها الآن أن تنظر في قراراتها المستقبلية و شؤون حياتها الخاصة بحكمة و صبر و تأن... لن تدع الحزن يعصف بها و يشغلها عن واجباتها... نعم واجباتها تجاه والدها، و تجاه نفسها... ألم تعده بأن تكون قوية و مسؤولة؟ و قد آن أوان البرهان...

لم ينم نبيل. مشاغل كثيرة تنتظره. يجب أن يعد لصهره و صديقه القديم جنازة مناسبة، تليق بمقام العائلة الرفيع و تترك أثرا في نفوس الناس... و خاصة في نفس ليلى. يجب أن يكسب ودها و رضاها، حتى تحس أنها محاطة بعائلة تحبها و تحميها. يجب أن يؤكد لها انتماءها إليهم... الآن، و فيما بعد! وفاة والدها ستؤخر زواجها من فراس، لكنها ستعمق في نفسها حاجتها إلى العائلة، و هو سيحرص على إعطائها ما تحتاجه. إنه أقل ما يمكنه فعله تجاه ابنة أخته اليتيمة... تذكر حنان... كان زواجها من فراس خطأ فادحا... كل شيء سار بشكل خاطئ... لكنه متأكد من سلامة الطريق هذه المرة...

لم ينم أمين أيضا... كان قد عاد إلى القصر في المساء، بعد أن عولجت جراحه و جبرت كسوره... لكن إحساسا بالذنب لم يفارقه. مكالمة فراس كانت حبل النجاة الذي أنقذه في الوقت المناسب. أنقذه من نفسه و من الضياع الذي كان على مشارفه... أعاد إليه إحساسه بالانتماء إلى عائلة و جعله يعيد حساباته بخصوص علاقته مع أخيه، شقيقه الذي لا يكبره إلا بثلاث سنوات. رغم سوء علاقتهما و تراكم الخلافات بينهما، فراس قلق بشأنه... فكر فيه و لم يتردد في الاتصال للاطمئنان. كم مضى من الوقت لم يحس فيه بالاهتمام من أحد؟ لكن حين وجد نفسه في مأزق، جاءه الاهتمام من حيث لا يحتسب... ياسين اكتفى بتعنيفه على تهوره. لكنه أحس باهتمامه هو الآخر... لولا ذاك الاهتمام لما ترك أعماله و خرج للبحث عنه. ربما كان مخطئا في تقديره لمشاعر إخوته تجاهه. و ربما كانت الفرصة مناسبة لإضفاء بعض الدفء على العلاقات... لكن ما يحزنه، هو والده! حين فتح عينيه لم يجده أمامه في المستشفى، كما تعود أن يرى في الأفلام و المسلسلات! و حين عاد إلى القصر، لم يكن موجودا... ربما لم يلاحظ غيابه أصلا... مسؤولياته الكثيرة تأخذ الكثير من وقته... بل كل وقته! تناول عشاءه وحيدا في غرفته، فهو لم يكن قادرا على الحركة... علم من العم صابر بمأساة والد ليلى، لكنه لم يجد في نفسه الشجاعة لمواساتها. لا يزال خجلا من تصرفاته الصبيانية المتهورة في الليلة الماضية... ربما عليه أن ينزوي عنهم جميعا لبعض الوقت، ريثما يستعيد قدرته على المواجهة...

فراس لم ينم هو الآخر... لكن مشاعره كانت مختلفة... يعيش حالة من التمزق، بين حزنه على ليلى و خوفه من التصرفات والده المرتقبة... و بين خوفه عليها من مشاعرها و اندفاعها نحو مستقبل مجهول... في لحظات، تغيرت نظرته إلى الأمور. البارحة، حين علم بتعلقها بشخص آخر، عاهد نفسه على مساعدتها برفض الزواج المفروض من والديهما. حين قرر ذلك، كان والدها لا يزال على قيد الحياة. كان لديها مصدر حماية، ينظر في المتقدم إليها بعين الحكمة و لا يدعها تتسرع في قرارها... تلجأ إليه إن حصلت خلافات بينها و بين زوجها في المستقبل و تجد في حضنه المواساة و الأمان... لكن الآن، كل شيء تغير! أصبحت الأمور أكثر تعقيدا... لم يعد واثقا من أن زواجها من ذاك الشخص المجهول هو القرار المناسب! لا يعلم عنه سوى أن مشاعرها متعلقة به. لكن قرارها هذا يعني سفرها إلى بلاد غريبة. حيث لا عائلة لها و لا سند... حيث لا يمكنها أن تشكو إلى أحد و لا تجد من يقف إلى جانبها إن دارت عليها الدوائر... لكن... إن بقيت هنا... معه هو، ستكون في أمان... سيحميها من الجميع، و من نفسها... هل تعتقد ذلك حقا يا فراس؟ لم يكن واثقا... لا أحد يعلم ما الذي تخفيه الأيام القادمة... لكن مشاعره لم ترض بالبقاء حبيسة صدره، و هاهي تعلن الثورة و تطالب بحقها في الوجود...

خرج من غرفته بعد أن أراح جسده لسويعات قليلة بعد أذان الفجر. إنه يوم جديد... و بداية مرحلة جديدة في حياته... و حياتها. أمامه بعض الوقت حتى تنقضي أيام العزاء، ليرتب أفكاره و يحدد مساره. حيى العم صابر الذي اعترضه في الممر. رآه يتوقف عند باب ليلى. هم بالعودة ليطمئن على حالها، لكن حين رأى الباب يفتح حث خطواته بسرعة في اتجاه السلم... لا يريد أن يرى الحزن في عينيها، و هو لا يملك أن يفعل شيئا من أجلها... لذلك فضل الهروب! كان في اتجاهه نحو الشرفة حين سمع صوتا حازما يناديه :
ـ فراس...

التفت ليجد والده يقف عند باب المكتب و يطالعه بنظرات صارمة :
ـ هلا تبعتني إلى المكتب؟ أحتاجك قليلا...

تنهد و هو يعود أدراجه في اتجاه المكتب. لا تزال آثار المشادة الكلامية الأخيرة بينهما تحز في نفسه. و هو يعلم يقينا بأن الموضوع سيتكرر، و الحوار المتعب نفسه سيثقل كاهله أكثر من ذي قبل... لأن صراعا جديدا نشأ في نفسه، و يخاف أن تهتز ثقته و يطيع مشاعره التي توافق رغبات والده...

وقف نبيل وراء المكتب و على وجهه علامات الاهتمام و الجدية. بعد صمت قصير قال :
ـ فراس... لا أريد أن أعيد عليك الكلام الذي قلته سابقا، لكن المسألة أصبحت أكثر دقة و خطورة... لذا سأكون أكثر وضوحا و شفافية...

لم يعلق فراس الذي وقف واضعا كفه الطليقة في جيب سرواله متظاهرا باللامبالاة. تنهد نبيل و هو يواصل :
ـ ربما يجب أن أعلمك بكل ما يحصل... ثم يمكنك أن تتخذ قرارك بعد التفكير فيما سأقوله... ليلى الآن شابة ثرية... و من المؤكد أن الأطماع ستكثر حولها و يتقدم لخطبتها الكثيرون ممن يضعون أعينهم على ثروة والدها... و قد تفكر بالعودة إلى فرنسا... لكن أنا و المرحوم نجيب... كان بيننا عقد شراكة. و بوفاته، أصبحت ليلى شريكتي في نصف المعمل الجديد. العقود وقعت منذ فترة قصيرة، و العمل قد بدأ للتو. نجيب يمتلك السيولة الكافية للتجهيز، و أنا أمتلك الخبرة و البناية و اليد العاملة... و إن تزوجت ليلى من شخص غريب فقد يقنعها بفض الشراكة التي بيننا حتى يستثمر الأموال بعيدا عنا... أو ليسلبها إياها بدون أي وازع أو رقيب... فكر جيدا في الأمر...

نظر إليه فراس في حيرة. عادت إليه كلمات ليلى عما أخبرتها به رجاء. حسابات الشركة بعد زواجه من حنان. الوصاية. الأزمة المالية... و هاهو نبيل القاسمي أمامه، يؤكد أهمية المال في هذا الزواج... هل هو اعتراف ضمني بما ينسب إليه من اتهامات؟ هل هو حرص حقيقي على ثروة ليلى... أم طمع و استغلال؟

سكت نبيل قليلا، ثم واصل بصوت أكثر لينا :
ـ ليلى الآن أمانة في رقبتي... أنا مسؤول عنها بعد والدها و لا يمكن أن أترك للغرباء فرصة العبث بها... ليلى يجب أن تبقى بيننا و تستقر معنا... حتى نحميها و نحمي أموالها... أليس كذلك؟ فهل ستتخلى عن ابنة عمتك و هي في هذه الظروف الصعبة؟

رفع فراس عينيه إلى والده في دهشة متزايدة... كأنه يذكره بما فعله مع حنان، و بتضحيته في ذاك الوقت! حينها لم يضغط عليه أحد. اختار طريقه بنفسه... مع أنه كان معاكسا لرغباته و مشاعره و طموحاته... أما الآن...

استطرد نبيل بصوت حان و هو يرى علامات التأثر على وجه ابنه :
ـ صدقني، ليلى مختلفة جدا عن حنان... فتاة يتمناها كل شاب. و يتمناها كل والد لابنه... أنت ظلمت نفسك بزواجك من أختها. لكن تأكد من أنك تتخذ القرار الصحيح هذه المرة...

واجهه فراس بنظرات جامدة، تخفي ما في صدره من انفعالات عنيفة، و قال في تحد :
ـ إلى أي مدى يمكنك المضي من أجل الحفاظ على مصلحة الشركة؟

عقد نبيل حاجبيه و هو يطالع فراس في شك و ريبة :
ـ ما الذي تقصده؟

نظر إليه فراس في قوة و قال :
ـ أليس الغرض الرئيسي من هذا الزواج مصلحة الشركة؟ و في السابق، ألم توافق على زواجي من حنان من أجل مصلحة الشركة؟ إن كنت مقتنعا بأنها لا تناسبني لماذا لم تنصحني؟ لماذا لم تمنعني؟ أم لأن مصلحة الشركة تقتضي ذلك؟!

تجهم وجه نبيل و هو يقول مدافعا :
ـ زواجك من حنان كان خطأ، خطأ فادحا... و جميعنا نتحمل مسؤوليته، و قد فعلنا بما فيه الكفاية... لكن زواجك من ليلى سيكون في مصلحة الجميع... مصلحة ليلى، و مصلحتك... و مصلحة العائلة...

هز فراس رأسه في عدم اقتناع و قال :
ـ أنا آسف يا والدي... أعلم أن طاعتك علي واجبة... لكن ليس في أمر كهذا... لا يمكنني أن أوافقك على إجبارها على هذا الزواج... دعها تختار بنفسها، و لا تتدخل في قرارها... إنها عاقلة راشدة، و تعرف حقوقها جيدا... ليست في حاجة إلى وصاية من أحد...

و أضاف و هو يشيح بوجهه :
ـ يجب أن تعلم ليلى بكل شيء... و أن لا تجبرها على أي شيء... و إلا... فأنا سأظل رافضا!

قال ذلك و اندفع في اتجاه الباب... كانت دموع قهر قد تجمعت في مقلتيه... صورة والده التي اهتزت في عينيه اليوم. هل أعمى بصيرته الطمع؟ لطالما كان بالنسبة إليه الأب الحاني و إن أخذته المشاغل بعيدا عن أولاده. لم يشك يوما في مشاعره تجاههم. لكنه الآن لم يعد يفهم... بل لا يريد أن يستسلم للأفكار الجديدة التي بدأت تتسلل إلى قلبه و عقله... فليترك له فرصة أخيرة ليثبت العكس...

فتح الباب بقوة، ففوجئ بها تقف خلفه. نظر إليها في دهشة. كانت علامات الإرهاق بادية على وجهها... سهاد و حزن و تعب...

ـ أنت بخير؟

نظرت ليلى إلى وجهه المكفهر لبرهة ثم هزت رأسها ببطء و هي تقول في ارتباك :
ـ هل خالي بمفرده في المكتب؟ طلب مجيئي منذ قليل...

أفسح لها المجال لتمر إلى الداخل و تغلق الباب خلفها. وقف في مكانه و علامات التوتر تكسو ملامحه... منذ متى تقف أمام الباب؟ هل سمعت جزءا من حوارهما؟ كان صوت صراخه عاليا... لم يتحكم جيدا في أعصابه. تنهد في ألم... لم يعد ذلك مهما الآن، فمن المؤكد أن والده قد استدعاها إلى المكتب ليتحدث إليها في الموضوع! ألا يمكن أن ينتظر بعض الوقت؟ الرجل لم يوارى الثرى البعد! تنهد مجددا و هو يهز رأسه في أسف... ربما يكون مخطئا... ربما ليس والده بذاك السوء... مهما بلغ به الحرص على مصلحة الشركة فلن يتحدث إلي ليلى الآن... يا رب... لا يزال هناك بصيص أمل ... و إن كان ضئيلا...

توجه إلى الشرفة بخطى متثاقلة. جلس على الأرجوحة، مكانها المفضل. أغمض عينيه و ترك جسده يتهادى مع نسق الأرجوحة البطيء... متعب... متعب جدا من كل ما يحصل معه و حوله في هذه الفترة... كانت حياته هادئة، و إن لم تكن سعيدة... لكنها كانت رتيبة و مستقرة. من أين له بالاستقرار الآن؟

فتح عينيه فجأة، لم يدر كم مر عليه من الوقت هناك... ربما كان قد غفا! كان ما أيقظه رنين هاتف قريب... تلفت حوله باحثا عن مصدره. لم يكن هاتفه... كان الصوت قادما من تحت الأرجوحة. انحنى ليلتقط مصدر الإزعاج... أمسكه بين يديه في دهشة، إنه هاتفها! لم يكن ليخطئ لونه الوردي الأنثوي! و بسرعة عاد إلى ذاكرته مشهد وقوفها في ممر المستشفى، و هي تحتضن الهاتف في شاعرية. اعتصر الألم قلبه... و سرح للحظات مع أحلامه الموءودة في المهد... لكنه سرعان ما انتبه إلى أن الهاتف لا يزال يرن في يده. وقف و خطا إلى الداخل في اتجاه البهو، ليعيد إليها هاتفها. توقف فجأة... هل تراها انتهت من لقاء المكتب؟ كان الباب مغلقا. ربما كانت في الداخل... و ربما عادت إلى غرفتها. الهاتف لا يزال يرن، لكنه قد يتوقف في أية لحظة... شيء ما جعله يعود أدراجه. راوده إحساس بأنه يعرف من المتصل رغم أن الرقم لم يكن مسجلا على الهاتف. ربما كانت فرصته... فرصته ليتعرف على حبيبها و يختبر كفاءته! نعم، لا يمكنه أن يوافقها على قرارها بسهولة قبل أن يتأكد من أن الآخر يستحقها! هكذا فكر... و دون تردد، ضغط على زر الرد و قال بصوت واثق :
ـ مرحبا...

أحس بارتباك مخاطبه الذي قال بصوت مضطرب :
ـ السلام عليكم...

ـ و عليكم السلام و رحمة الله...

يحاول تحليل نبرات صوته و أسلوبه... لا شك أنه هو... غريمه!

ـ أليس هذا هاتف الآنسة ليلى كامل؟

ـ نعم هذا صحيح... لكن ليلى لا يمكنها الرد في الوقت الحالي. هل من رسالة تريد أن أوصلها إليها؟

يحس بتفوقه مع كل كلمة. إنها ابنة عمته هو، و تقيم في مكان واحد معه هو، و هاتفها بين يديه هو! أما أنت أيها الغريب، فمن تكون و ما مدى علاقتك بها؟ اختنقت ثقته فجأة و هو يصل بتفكيره إلى نقطة الضعف... ربما تفوقت عليه في كل هذا... لكنه هو ملك قلبها! و أنت خسرته!

عاد إلى مخاطبه و هو يحس ببعض المرارة... سمعه و هو يقول في توتر :
ـ في الحقيقة، كنت على موعد معها... أقصد مع والدها، اليوم... لكنه لم يكن في الموعد... أرجو أن يكون المانع خيرا...

قال فراس بأسى واضح، على حالها... و حاله :
ـ عمي نجيب توفي مساء البارحة... البقاء لله...

ظهرت علامات الدهشة في صوت المتكلم و هو يقول في صدمة جلية :
ـ السيد نجيب كامل؟ لا إله إلا الله... إنا لله و إنا إليه راجعون...

بادره فراس و هو يقول :
ـ ستقام الجنازة اليوم بعد العصر... يمكنك المجيء إن أردت...

ـ نعم طبعا...

أملى عليه فراس العنوان، ثم قال على الفور :
ـ إن وجدت صعوبة في إيجاد المكان أستاذ...

ـ عمر!

ـ تشرفنا أستاذ عمر... إن وجدت صعوبة في الوصول، يمكنك الاتصال بي على هاتفي الخاص، سأكون في استقبالك...

ـ عذرا، لكن من المتكلم؟

أجاب بثقة :
ـ فراس القاسمي... ابن خالها...

أخذ عمر منه الرقم شاكرا، ثم أنهى المكالمة. تنهد فراس و هو يجلس على الأرجوحة من جديد. ربما لم يكن من حقه أن يرد على مكالماتها الخاصة، لكنه مسؤول عنها الآن... و هو من اختار هذه المسؤولية! و مسؤوليته تفرض عليه أن يتأكد من كون الرجل الذي اختارته مناسبا لها... تنهد مجددا و هو يتأمل الهاتف في كفه. أصبحت التنهيدات تتردد في صدره أكثر من الأنفاس هذه الأيام... يخاف أن تكون مشاعره هي التي تقوده في تلك الطريق... لكنه لم يعد قادرا على التراجع...

أيقظه صوت منال من أفكاره، و هي تهتف :
ـ و الآن؟

رفع رأسه ليجدها تقف أمامه عاقدة ذراعيها أمام صدرها، فقال في استغراب :
ـ ماذا الآن؟

قالت و هو تضيق عينيها كمن يحاول سبر أغوار نفسه :
ـ لا تحاول أن تقنعني بأنك لم تكن تفكر في صاحبة الهاتف! و الآن، ماذا ستفعل؟

نظر إليها في حيرة و قال :
ـ ماذا سأفعل بشأن ماذا؟

هتفت في حزم :
ـ بشأن الزواج طبعا! ليلى أخبرتني أنكما اتفقتما على الرفض... لكنه ما أراه يوحي إلي بأشياء أخرى!

امتقع وجهه و هو يردد في ارتباك :
ـ أشياء أخرى؟

ـ إلى متى ستظل تردد كلماتي؟ نعم أشياء أخرى! و ما وجهك الملون هذا إلا دليل واضح عليها!

خفضت صوتها لتقول بعطف أكبر :
ـ هل ستظل تخفي مشاعرك عنها طويلا؟ إنها في حاجة إليك الآن... و أنت أيضا في حاجة إليها!

أطرق و لم يعلق. لم تكن تنقصه سوى تحليلات منال حتى يفقد ذرات المقاومة القليلة المتبقية! تابعت منال في حماس :
ـ لا يجب أن تقف متفرجا! تقرب منها حتى تحس بك!

أشاح بوجهه في ألم و قال :
ـ أنت لا تعلمين شيئا يا منال... الأمر ليس بتلك البساطة...

أجابت في عناد :
ـ ما أعلمه هو أنكما مناسبان لبعضكما البعض... جدا... و هناك مشاعر من الطرف الأول... و ليس من الصعب أن تتولد مشاعر من الطرف الثاني، طالما كان هناك قبول، و محاولات من الطرف الأول...

ابتسم في سخرية و هو يقول :
ـ و ماذا لو كان الطرف الثاني غير مستعد لتقبل تلك المحاولات؟

ـ نتسلل إلى قلبه رويدا رويدا!

رفع رأسه و هو يقول في استسلام :
ـ لا يا منال... لا يمكنني أن أفرض نفسي عليها... لا أريد أن أشكل ضغطا إضافيا...

لم تجبه منال و لكنها هتفت فجأة و هي تنظر باتجاه المدخل :
ـ ليلى... كيف حالك يا حبيبتي؟

تسارعت دقات قلب فراس و هو يراها تقترب. هل سمعت شيئا؟ ما الذي دهاه حتى يساير منال في كلامها! بهذه الطريقة سيورط نفسه عاجلا أم آجلا! لم تكن ملامحها أقل إجهادا مما كانت عليه حين رآها أمام المكتب... أي حديث تراه كان بينها و بين والده منذ قليل؟
توجهت منال نحوها و احتضنتها في ود. في حين بقي فراس ساكنا، و التوتر يحرق أعصابه التالفة. ابتسمت ليلى ابتسامة شاحبة تعبيرا عن امتنانها، ثم نظرت إلى فراس و هي تقول في صوت هادئ :
ـ كنت أبحث عن هاتفي... يبدو أنني نسيته هنا ليلة البارحة...

نظر فراس إلى حيث تشير، فانتبه إلى أنه كان لا يزال يلهو بهاتفها بين أصابعه... مده إليها في ارتباك و هو يقول :
ـ وجدته تحت الأرجوحة... كنت سأعيده إليك...

ابتسمت و هي تأخذه شاكرة... ثم انصرفت دون أن تضيف كلمة واحدة. تابعها بنظراته في صمت حتى اختفت في الداخل. ربما كان عليه أن يخبرها عن الاتصال. لكنه لم يفعل! نظرت إليه منال في عتاب، و قالت :
ـ ألم يكن بوسعك أن تكون أكثر حرارة؟ البنت فقدت والدها البارحة! حاول أن تشعرها بوجودك إلى جانبها بأية طريقة!!

هز كتفيه في استهانة، و استرخى على الأرجوحة... بعد ساعات قليلة سيتوافد المعزون على القصر و سيمتلئ المكان بالخلق، ممن عرف المرحوم و من لم يعرفه... أغمض عينيه مجددا و سرح بعيدا... يفكر في لقائه المنتظر... بعد العصر...

الجزء الثامن و العشرون



جلست ليلى على طرف السرير في شرود. لم تستطع منع نفسها من التفكير في كل ما سمعته هذا الصباح. خالها كان حانيا و متلطفا معها حين ناداها للقائه في المكتب. أعلمها بكل الإجراءات التي اتخذها لتكريم والدها و نقله إلى مثواه الأخير... لكنها لم تستطع أن تصدق علامات التأثر البادية على وجهه بعد ما سمعته... لم تقصد التجسس على حديثه مع فراس. لكنها كانت هناك، أمام الباب، تهم بطرقه و الدخول. تسمرت في مكانها و هي تسمع هتاف فراس المختنق : "أليس الغرض الرئيسي من هذا الزواج مصلحة الشركة؟" تراجعت و قد جفلت أوصالها... لم يكن الصوت واضحا جدا خلف الباب المغلق و كلمات خالها الهادئة غابت عن مسامعها تماما. لكنها ميزت بضع كلمات أخرى حين ارتفع صوت فراس من جديد : "يجب أن تعلم ليلى بكل شيء... و أن لا تجبرها على أي شيء... و إلا فأنا سأظل رافضا!". رنت تلك الكلمات في أذنيها من جديد فابتسمت في حزن... فراس يقف إلى جانبها و يحاول مساعدتها حتى لو اضطر إلى الوقوف في وجه والده! لا تملك سوى أن تكبر موقفه النبيل...

تذكرت ملامحه الممتقعة منذ قليل. كان مرتبكا و هو يمد يده إليها بالهاتف. تصرفاته بدت غريبة في الفترة الأخيرة... لا يمكنها أن تنكر أن فراس كان غريبا على الدوام، منذ عرفته! تحس بأنه لم يتماثل بعد إلى الشفاء بعد صدمة وفاة حنان المؤلمة و الأزمة التي عرفها بعدها... ثلاث سنوات كاملة لم تكن كافية لاستعادته التوازن الكامل...

سرعان ما نسيت أمر فراس و تذكرت مشكلتها العويصة التي عليها مواجهتها بكل رباطة جأش... تناولت هاتفها و هي تحس برغبة ملحة في الارتماء على صدر حنون يمنحها بعض العزاء. لم يكن أمامها سوى سحر، صديقتها الوحيدة... كونت رقمها بأصابع مرتجفة و ما إن وصلها صوتها الدافئ مرحبا حتى هتفت بصوت مرتجف :
ـ سحر... أنا في حاجة إليك...

استمر حديثها مع سحر لبعض الوقت. لم تقل الشيء الكثير، بل تركت لدموعها التي كبتتها طويلا العنان لتسيل على وجنتيها في هدوء و استسلام... استكانت على صوت سحر الهادئ و هي تواسيها في رقة و عطف... لم تشأ أن تحدثها عن أمر خالها و شكوكها المتزايدة. ربما خشيت أن يزيد خيال سحر الخصب الأمور تعقيدا بالنسبة إليها... و هي جد مكتفية بما يؤرقها حتى الساعة! أنهت المكالمة و قد استعادت بعض الهدوء. كان ذلك ما تحتاجه... بعض المواساة من قلب تثق في صفائه و حبه تجاهها، و هو ما تفتقده بشدة في هذا المكان الموحش و بين أصحابه الغرباء...

سرحت للحظات... العزاء سيكون بعد ظهر هذا اليوم. تعلم أن القصر سيعج بالناس... لكن من ذا الذي سيشاركها حزنا صادقا على فقدان المرحوم؟ ربما لا أحد!! أحست بالاختناق لذاك الخاطر. والدها غريب في بلده. مضت سنوات طويلة على رحيله عنها و لم تعد له فيها عائلة تذكره أو تهتم لأمره. وهي، ربما لن يكون شأنها مختلفا جدا عنه... غريبة ابنة غريب...

أمسكت بهاتفها و أخذت تلهو بأزراره في عصبية... تحاول شغل نفسها بأي شيء... فتحت قائمة الاتصالات المتلقاة. ابتسمت في حزن حين وقع بصرها على الرقم الأخير. لم يكن يحمل اسما، لكنها تعرفت عليه بسهولة. الرقم المحلي الوحيد الذي لا يحمل اسما... فجأة تذكرت الموعد! نعم، كان يجب أن يلتقي والدها هذا الصباح!! لكنها في غمرة حزنها و ارتباكها نسيت الموعد تماما... لا شك أنه انتظر طويلا ثم رحل بعد أن يئس من قدومها... همت بالاتصال بالرقم. من واجبها أن تعلمه بما جد من أحداث. كانت تضع إبهامها على زر الاتصال حين انتبهت فجأة إلى تاريخ الاتصال الأخير. عمر اتصل بها منذ أكثر من ساعة، و وقع الرد على المكالمة! لكن الأكيد هو أن من أجاب على الاتصال لم يكن هي! فهي كانت قد فقدت هاتفها منذ البارحة دون أن تنتبه إلى ذلك... ثم وجدته مع فراس... فراس الذي كان في غاية الارتباك و هو يسلمها إياه... توقفت أفكارها عند تلك النقطة و قد سيطرت عليها الدهشة. حتى أنت يا فراس! كيف سولت لك نفسك مثل هذا التصرف؟ رمت الهاتف عنها في حزن... أنت وحيدة الآن بالفعل... لم يعد أحد في صفك هنا...




**********



لم ترد أن تنزل إلى البهو. العم صابر طرق بابها مرات عدة ليخبرها بأن خالها يطلب نزولها لاستقبال أفواج المعزين. لكنها لم تتحرك من سريرها. ظلت مكورة على نفسها، متشبثة بوسادتها و الحزن يعتصر قلبها أكثر من أي وقت مضى. تحس بالوحدة أكثر من أي وقت مضى... كلهم جاؤوا لنعي السفير السابق و رجل الأعمال المرموق نجيب كامل، أو لتملق صهره صاحب النفوذ و الشركات المعروفة نبيل القاسمي... لكن مَنْ مِن كل هؤلاء جاء ينعى نجيب الصديق، نجيب الأخ، نجيب القريب؟ لا أحد! لا أحد يشاركها حزنها... كانت تعلم ذلك جيدا منذ أمد بعيد، منذ وعت على هذه الدنيا و أيقنت بأن والدها هو كل عائلتها. لكنها لم تحسب حساب هذه اللحظة... و حتى إن حسبت حسابها، فإن ذلك لن يغير من الأمر شيئا!!

تعالت الطرقات على بابها من جديد. لم يعد بإمكانها الاحتمال أكثر. صرخت بصوت مختنق دون أن ترفع رأسها عن الوسادة التي ابتلت بدموعها :
ـ لا أريد أن أرى أحدا...

مضت لحظات من الصمت قبل أن تسمع صرير الباب و هو يفتح. انكمشت على نفسها أكثر في مقاومة مستميتة للدخيل الذي يحاول اقتحام عالم حزنها. تناهى إليها صوت أنثوي هادئ ينادي في رقة :
ـ ليلى...

لم تتعرف على الصوت مباشرة. لكن قبضتيها ارتختا و انبسطتا على سطح الوسادة و هدأت أنفاسها المضطربة. تحاول التعرف على الشخص الغريب الذي تردد صوته مرارا في أعماق ذكرياتها.
ـ ليلى... هل تذكرينني؟

رفعت رأسها هذه المرة و استدارت في رفق لتطالع وجه مخاطبتها. ألفت نفسها أمام سيدة قد تجاوزت الثلاثين من عمرها ببضع سنوات. تضع وشاحا محكما يظهر استدارة وجهها البرونزي الممتلئ. كانت ابتسامتها الرقيقة و نظراتها الحانية مألوفة جدا بالنسبة إليها... لكن ذاكرتها أخذت بعض الوقت حتى تستعيد الصورة التي خبأتها في أعماقها، أو ربما لم يستوعب عقلها المشوش الأمر بالسرعة الكافية لأنه بكل بساطة لم يكن متوقعا مطلقا. و سرعان ما تهللت أساريرها و استيقظت جوارحها و هي تهتف في استبشار :
ـ هالة!!

تقدمت هالة ناحيتها و قد اتسعت ابتسامتها و هي تقول :
ـ نعم هالة يا حبيبتي... خفت أن تكوني قد نسيتني...

عانقتها ليلى في عنفوان، و دفنت رأسها في صدرها... كأن الله قد استجاب إلى أمنيتها و أرسل إليها الصدر الحنون الذي تحتاجه، و القلب الصادق الذي يشاركها مشاعرها. تركتها هالة تبكي على صدرها و لبثت تمسح على رأسها في حنان. لم تكونا قد التقتا منذ بضع سنوات. فمنذ زواج هالة و عودتها إلى البلاد مع زوجها لم تجمعهما سوى مناسبات معدودة. لكنها و شقيقها مأمون كانا بمثابة الأخوين في طفولتها و بداية شبابها إبان إقامتها في بريطانيا... الأخوين الأكبر سنا الذين يراجعان معها دروسها و يصطحبانها في نزهات قصيرة في حدائق لندن الخلابة... و والدها كان في مكانة الأب لهما بعد وفاة والدهما. كانا صديقين مقربين، و إن كانت المستويات الاجتماعية متباينة. لكن ذلك لم يمنع العائلتين من الاحتكاك و التآلف...

مضت بضع دقائق قبل أن ترفع ليلى رأسها و تتساءل في حيرة :
ـ كيف وصلت إلى هنا؟

ابتسمت و هي تغمز بعينها في مرح :
ـ بطرقي الخاصة!

ثم أضافت موضحة حين عقدت ليلى حاجبيها في استغراب :
ـ رجاء ساعدتني...

ـ رجاء؟!!

ـ نعم... تلك قصة طويلة يطول شرحها... لكن الآن، يجب أن نتحرك بسرعة...

ـ نتحرك؟

قالت هالة في لهجة جادة أحست معها ليلى بنبضاتها تتسارع :
ـ ليلى... هل تثقين في أخي مأمون؟

هزت رأسها على الفور و هي تجيب :
ـ نعم... بالتأكيد...

ـ إذن، يجب أن نخرج من هنا... و على الفور!

حملقت ليلى فيها في دهشة و عدم استيعاب، لكن هالة أضافت في تأكيد :
ـ ستنتقلين للسكن معي... لا يمكن أن نتركك هنا بعد الآن...

ـ ما الذي حصل؟

ـ مأمون سيحدثك بالتفاصيل... إنه ينتظرنا قرب البوابة الخلفية... و رجاء ستساعدنا على التسلل إلى الخارج. جهزي حقيبة صغيرة بسرعة... سنغادر بعد قليل...

وقفت ليلى في اضطراب و أوصالها ترتجف من الإثارة. إنها تثق في مأمون و هالة كثيرا... أكثر بكثير مما تثق في خالها و عائلته! حتى فراس خيب أملها فيه. أباح لنفسه الرد على مكالماتها و التدخل في خصوصياتها و هي التي كانت تعتقد برغبته الصادقة في مساعدتها... وضعت بضع ملابس و حاجيات ضرورية في حقيبتها الصغيرة و سوت خصلات شعرها النافرة تحت وشاحها و رتبت مظهرها قبل أن تقول بلهجة حازمة :
ـ أنا جاهزة...

تأملتها هالة للحظات قبل أن تقول :
ـ انتظري...

نزعت عنها عباءتها السوداء الفضفاضة و وضعتها على كتفي ليلى ثم غطت رأسها بوشاح طويل أسود كذلك حتى لم يعد يظهر من ملابسها شيء. ابتسمت و هي تقول :
ـ هكذا لن يتعرف عليك أحد إن لمحك خارجة من القصر...

أخرجت من حقيبتها وشاحا عريضا آخر وضعته على كتفيها و هي تضيف :
ـ أنا جاهزة أيضا الآن...

في تلك اللحظة، تعالت دقات على باب الغرفة من جديد. أجفلت ليلى و امتقع وجهها و قد أيقنت بفشل الخطة. لكن هالة أشارت عليها بالهدوء و اقتربت من الباب بخفة لا يوحي بها جسدها الممتلئ و همست في صوت خافت :
ـ من هناك؟

جاءها صوت هامس من الجانب الآخر تعرفت عليه ليلى على الفور :
ـ أنتما جاهزتان؟

فتحت هالة الباب بسرعة و دخلت رجاء. تبادلت مع ليلى نظرة طويلة فيها الكثير من التساؤلات من طرف ليلى و المعاني المبهمة من طرف رجاء. و أخيرا قالت رجاء في لهجتها الجافة المعتادة :
ـ آسفة حقا لوفاة والدك قبل اكتشاف الحقيقة كاملة... لكنني على وعدي، و الوقت لم يفت بعد لاتخاذ القرار المناسب...

نظرت إليها ليلى في أسف حقيقي... ربما كانت رجاء محقة، و ربما كانت مساعدتها ثمينة بالنسبة إليها... لكنها تأسف لمشاعر الحقد العميقة التي تحركها. أيقظها صوت هالة و هي تسأل رجاء في اهتمام :
ـ هل الطريق آمنة؟

تحولت رجاء عن ليلى و هي تجيب :
ـ نعم، البوابة الخلفية مفتوحة، و المدخل الخلفي أيضا... اطمأننت إلى انشغال الخدم في البهو الرئيسي و الحديقة الأمامية مع الضيوف... كما أرسلت صابر كبير الخدم في مهمة ستشغله لبعض الوقت... يمكنكما الخروج الآن...

تقدمت هالة في اتجاه الممر في حذر و تبعتها ليلى و مشاعر متداخلة تنتابها. توقفت للحظات أمام رجاء و قالت بصوت هادئ حزين :
ـ كان بودي أن نكون أصدقاء... لكن الظروف التي جمعتنا لم تكن ملائمة... شكرا لك على أية حال...

رمتها رجاء بنظرة ساخرة و هي تقول :
ـ لا أنتظر منك العرفان على ما أفعله، فمصالحنا مشتركة...

ثم أضافت و هي تدفعها في اتجاه الباب في رفق :
ـ أرجو أن لا أراك ثانية يا عزيزتي!

لم تملك ليلى أن تعلق بكلمة واحدة، بل استجابت لنداء هالة التي كانت تستعجلها، و تبعتها بخطى مضطربة عبر الطريق الخلفية...




**********



كان فراس يذرع الشرفة جيئة و ذهابا في صبر نافد. الحديقة الأمامية تغص بالخلق، من رجال الأعمال و السفراء و موظفي الوزارات و الشخصيات الكبيرة المعروفة في البلاد... فمثل هذه المناسبات تعد فرصة ملائمة لتجديد العلاقات التي قد تكون فترت بطول المدة و استعادة المعاملات إلى سابق عهدها أو إنشاء علاقات جديدة... كان السيد نبيل يتصدر البهو و يستقبل جموع المعزين في وقار و رصانة يحسد عليهما. علامات الحزن كانت جلية على ملامحه و لا يطغى عليها إلا تهلله لزيارة صديق قديم أو عميل معتبر يهمه أمره.

ارتفع رنين هاتف فراس فجأة. تأمل الرقم الغريب للحظات قبل أن يرد في اهتمام باد :
ـ نعم، تفضل... أنا قادم لاستقبالك عند البوابة...

شق طريقه بين الضيوف في اتجاه البوابة الرئيسية و عيناه تعملان بدقة و سرعة، تتصفح الوجوه و تبحث عن الضيف المنشود. فجأة، توقفت نظراته على وجه بدا له مألوفا. بل لم يمض على لقائه به أيام معدودة... تذكر على الفور مشهد المقهى... فنجان القهوة بين يدي ليلى و الرجل المنحني بالقرب منها. تصاعد الدم إلى وجهه بسرعة. إحساسه بأن ليلى استغفلته و سخرت منه كاد يسيطر عليه. لكن في تلك اللحظة التقت نظراته بنظرات الرجل الذي تقدم منه بخطى واثقة و قال و هو يبسط يده إليه ليصافحه :
ـ دكتور فراس؟

صافحه فراس في برود ظاهر و هو بالكاد يكتم انفعالاته و قال و هو يقوده إلى ممر جانبي بالحديقة :
ـ تفضل دكتور عمر...

تبعه عمر عبر الممر بخطى بطيئة و هو يجول بناظريه في المكان في انبهار واضح. رغم معرفته بثراء عائلة ليلى، إلا أنه لم يزر سابقا قصرا بمثل تلك الفخامة و لم ير تجمعا كبيرا كذلك من رجال الأعمال و أفراد المجتمعات الراقية. التف فراس حول الحديقة و هو يقود ضيفه في اتجاه الحديقة الخلفية، حيث يمكنه أن ينفرد به و يتحدث إليه في هدوء بعيدا عن العيون. و لم تفت عمر نية مضيفه و هو يراه يبتعد عن الجموع و يتخذ مسارا جانبيا... تبعه في توجس و تساؤلات كثيرة تعتمل في رأسه. توقف فراس عند طرف الحديقة قرب زاوية المبنى على بعد بضعة أمتار من المدخل الخلفي. التفت إلى عمر و قد تمالك نفسه و عاد إليه الهدوء. تفحص وجهه بشيء من الفضول و سرعان ما أيقن بأنه أمام منافس قوي. كان عمر مديد القامة بصورة ملفتة في حين كان فراس ذا قامة متوسطة، بل هو أقصر أخويه... كما أن بنيته لم تكن قوية... لكنه لم يشكُ من ذلك قط و لم يبد له قصر القامة عيبا... قبل أن يلتقي عمر في ذاك اليوم! فقد أحس بضآلته و هو يقف أمام الرجل و يرفع رأسه لينظر في عينيه. تنحنح ليجلو صوته قبل أن يقول :
ـ شكرا لمجيئك... هذا لطف منك...

هز عمر رأسه دون أن ينطق و لبث يطالع مخاطبه في ترقب. بادره فراس و هو يشد قامته و يضع كفيه في جيبي سرواله :
ـ وددت أن أستفسر منك عن موعدك مع عمي نجيب... رحمه الله...فربما أمكنني أن أخدمك بشيء...

ارتبك عمر و بدا عليه التردد. مع أنه كان يتوقع الأغرب بعد أن رد فراس على هاتف ليلى، إلا أنه لم يكن ينتظر دخولا مباشرا في الموضوع. لكنه لم يجد من الحكمة أن يحدثه في شأن الخطبة في مثل تلك الظروف. خاصة بعد أن دخل القصر و رأى علامات الغنى الفاحش، وجد في نفسه بعض الاضطراب... ربما لن يستقبله خال ليلى و عائلتها بمثل الحفاوة التي تريدها و يتمناها. لذلك آثر المراوغة و التأجيل ريثما تتجاوز ليلى أزمتها و يتحدث إليها مباشرة و يستوثق من موافقتها فيقوى موقفه... أجاب محاولا مداراة ارتباكه و هو يحك ذقنه في عصبية ظاهرة :
ـ في الحقيقة... أنا أستاذ ليلى في كلية الحقوق بباريس... و ليلى كانت من أنجب طلابي و أنا أتنبأ لها بمستقبل باهر في القضاء... لكنها تحتاج إلى إشراف نخبة من الدكاترة المتميزين كأولئك المشرفين على الجامعة في باريس... لذلك اغتنمت فرصة تواجدي هنا في المدينة بمناسبة مؤتمر علمي... و أردت الحديث إلى السيد نجيب كامل حتى يسمح لها بمواصلة المرحلة الثالثة من دراستها معنا... في الكلية... لكن يبدو أنني وصلت في وقت غير مناسب...

هز فراس رأسه متفهما و هو يداري ابتسامة ساخرة كادت تطفو على شفتيه... هكذا إذن أيها الدكتور... لا تملك الشجاعة للمواجهة. هل تراك تراجعت حين أصبح الأمر جادا؟ تكلم أخيرا متظاهرا بالاهتمام :
ـ نعم... مستقبل ليلى يهمنا جميعا... لكن كما ترى، لا أظن الظروف ملائمة في الوقت الحالي... و لا أظن من المناسب أن تعود إلى فرنسا بمفردها بعد الآن...

سكت للحظات ليلاحظ تأثير كلماته على وجه عمر، ثم أضاف في هدوء غريب :
ـ كما أنها بعد زواجنا ستستقر هنا بصفة نهائية... و قد سجلت في الجامعة لمواصلة بحوثها...

لم ينجح عمر في إخفاء علامات الصدمة التي ارتسمت على وجهه أمام الخبر غير المنتظر الذي فاجأه به فراس و التمعت حبيبات العرق على جبينه واشية بمدى تأثره، و انفرجت شفتاه لينطق... و لكن قبل أن تند عنه أدنى كلمة، كان فراس يردف مستمتعا بانتصاره :
ـ لكنها ستكون ممتنة حتما بالمحافظة على اتصالاتها بأساتذتها في فرنسا و الاستفادة من خبراتهم على الدوام...

في تلك اللحظة، حانت منه التفاتة إلى الجانب الآخر حين سمع صرير الباب الخافت و هو يفتح. ظهرت سيدتان غريبتان عند المدخل. التفتت إليه إحداهما للحظة، ثم حثتا الخطى في اتجاه البوابة الخلفية. تابعهما في دهشة و استغراب و قد نسي لوهلة وجود عمر على قيد خطوات منه... لم يكن على سابق معرفة بهما خاصة و هما تخفيان جزءا كبيرا من وجهيهما وراء أوشحة سميكة. لكن ما أثاره هو تسللهما المريب من الباب الخلفي... فهو قليل الاستعمال من قبل أهل الدار، فما بالك بالزوار... ظل يتابعهما و هما تتقدمان في خطوات متعجلة، كأنهما تفران من شيء ما دون أن تلتفتا إلى الخلف... بدا شكل إحداهما مألوفة بالنسبة إليه، و إن كانت عباءتها السوداء التي تلف جسدها بالكامل تزيد من شكوكه. فجأة، توقفت عيناه عند حقيبتها الصغيرة التي تتأرجح في عصبية مع حركتها المطردة السريعة. كانت الحقيبة معروفة بالنسبة إليه. معرفة جدا... سبق و رآها مع صاحبتها. اتضحت الصورة في رأسه دفعة واحدة و لمعت كلمة واحدة أمام عينيه. و في نفس اللحظة التي قفزت فيها السيدتان في سيارة رمادية كانت تنتظرهما أمام البوابة الخلفية، هتف فراس بتلك الكلمة التي توقفت عند شفتيه في صوت مكتوم :
ـ ليلى...

avatar
شموس
Admin

الجنس : انثى
الابراج : العقرب
عدد المساهمات عدد المساهمات : 17804
العمر العمر : 34
الموقع الموقع : egypt
المزاج المزاج : تمام :D
نبذة مختصرة نبذة مختصرة : الضمير صوت هادئ..يخبرك بأن هناك من يراك دائما

https://www.shmos.net https://www.facebook.com/ShmosNet https://twitter.com/ShmosNet

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية ياقاتلى اين المفر

مُساهمة من طرف شموس في الجمعة أبريل 28, 2017 6:37 pm

الجزء التاسع و العشرون






انطلقت السيارة بسرعة و هي تقل الراكبتين الجديدتين. التفتت ليلى إلى الخلف في توجس فلمحتعبر البلور الخلفي المظلل فراس الذي خرج راكضا قد وقف يلهث أمام البوابة الخلفية و هو يرى السيارة تبتعد عن القصر و تنحرف في شارع ضيق دون أن يقدر على اللحاق بها... و في لحظات كانت قد اختفت عن ناظريه دون أدنى أثر. تنهدت في إعياء و هي تزيح عنها الوشاح الأسود الذي كان يغطي معظم وجهها و يخفي ملامحها، في حين ربتت هالة على كفها مطمئنة و هي تبادلها ابتسامتها العذبة المريحة. طالعها مأمون من خلال المرآة العاكسة و قال و على شفتيه ابتسامة هادئة :

ـ ستكونين بخير...

ترددت نظراتها بين وجهي هالة و مأمون كأنها تبحث عن إجابة فيهما. لكن لم يبد أن أحدهما كان ينوي الكلام في تلك الآونة تاركين إياها تبحر في حيرتها. بعد دقائق قليلة كانت السيارة تخرج من مركز المدينة و تأخذ طريقا سريعة. طوت العجلات الأرض طيا في اتجاه الضاحية الجنوبية و خيم الصمت على الركاب الثلاثة طوال الرحلة. سرحت ليلى و هي تتأمل المناظر الطبيعية التي تحف الطريق السيارة من الجانبين، لكن أفكارا كثيرة كانت تشغلها و تمنعها من الاستمتاع بالمناظر الخلابة... هاهي قد فرت من منزل خالها. فهل كان ذلك القرار الصواب؟

انتبهت من تخيلاتها حين هدأت سرعة السيارة بدخولها إلى حي سكني. رغم كون المباني المحيطة كانت في حال جيدة، إلا أنه لم يخف عنها أن المكان لا يقارن بالحي الفاخر الذي يقع فيه قصر عائلة خالها، حيث كل الممتلكات من صنف القصور و تحيط بها حدائق شاسعة تخفي واجهات المباني التي تتوسط المساحة. أما هنا، فالمنازل الصغيرة البيضاء تتلاصق فيما بينها في حميمية و الحدائق الصغيرة التي تتقدم بعض الديار تتميز برونقها البديع و تصميمها الجذاب... استأنست نفسها بالمكان و بجماله البسيط و نظافة شوارعه الضيقة التي كانت السيارة تتقدم خلالها ببطء...

أخيرا توقفت أمام أحد المنازل. سبقتها هالة بالنزول و أخذت عنها حقيبتها الصغيرة. ما إن خرجت من السيارة حتى استنشقت هواءا رطبا ذا عبق مميز... لا شك أن البحر قريب! قادتها مضيفتها عبر ممر ضيق تحفه من الجانبين حديقة متواضعة، لكنها بدت في غاية الترتيب و التنسيق. تبعتها و هي تجيل عينيها في المكان في حياء في حين تأخر مأمون في الخارج ريثما يركن السيارة في وضع مناسب، فلم يكن هناك مرآب إضافي. ابتسمت هالة و هي تدخلها إلى قاعة الجلوس و قالت :
ـ أهلا بك في منزلي... صحيح أنه لا يشبه في شيء قصر آل القاسمي، لكنني سعيدة فيه... و آمل أن تجدي بيننا راحتك...

ابتسمت ليلى في امتنان و خجل و هي تتخذ مجلسها على أريكة قريبة. نادت هالة بصوت عال :
ـ فرح، هشام... تعاليا لتسلما على الخالة ليلى...

ثم التفتت إلى ليلى و هي تغمز بعينها قبل أن يظهر الأطفال :
ـ أحمد زوجي مسافر في رحلة عمل لبضعة أيام و لن يعود قبل نهاية الأسبوع... خذي راحتك تماما...

و ما هي إلا لحظات حتى كان الصغيران يقفزان أمامها و يقفان في احترام و هما يرددان بصوت طفولي مضحك كأنه وقع تلقينهما ما يجب قوله بصفة مسبقة :
ـ مرحبا خالة ليلى...

كانت فرح تقترب من السادسة أما هشام فهو لا يتجاوز الرابعة. كانا طفلين جميلين موفوري الصحة، يشبهان أمهما كثيرا. قبلت ليلى وجناتهما في حنو، ثم اتخذ كلاهما مجلسه على أحد جانبيها و لبثا يتأملانها في فضول طفولي بريء... جلست هالة قبالتها و هي تقول في عتاب رقيق :
ـ كان يجب أن تزوريني منذ زمن...

هزت ليلى رأسها و هي تعبث بأناملها في خجل بخصلات هشام القصيرة و قالت :
ـ أعلم أنني مقصرة، لكنني انشغلت في الفترة الماضية بحياتي الجديدة مع عائلة خالي و لم يخطر ببالي أن أتصل بك... كان يجب أن أفعل...

في تلك اللحظة، دخل مأمون القاعة. التفتت إليه هالة و قالت و هي تقوم من فورها :
ـ سأعد لكما الشاي حالا...

ثم التفتت إلى الصغيرين محذرة قبل أن تبتعد في اتجاه المطبخ :
ـ و أنتما... اجلسا هادئين!

جلس مأمون في ارتباك على الأريكة المقابلة و لبث مطرقا لبضع ثوان قبل أن يرفع رأسه و علامات الحزن واضحة على محياه :
ـ عظم الله أجرك... في المرحوم...

تجمعت الدموع في عيني ليلى و هي تهمس في صوت ضعيف :
ـ و أجرك... كان والدك مثلما كان والدي...

هز رأسه ببطء و تنهد في ألم و هو يضيف مداريا دموعه :
ـ فقدت والدي مرتين... مرة بوالدي الحقيقي... و مرة بعمي نجيب... رحمهما الله...

خيم عليهما صمت حزين للحظات قبل أن يستطرد مأمون و هو يرفع رأسه :
ـ كنت عنده البارحة... وصلت بعد دقائق من رحيلك...

نظرت إليه في اهتمام و هي تسأل في لهفة :
ـ هل شهدت لحظاته الأخيرة؟

هز رأسه علامة الإيجاب وعض على شفته السفلى و هو يسترجع ذكريات الأمس القريب :
ـ كان يحس بدنو أجله، لذلك استبقاني إلى جانبه لبعض الوقت حتى... يوصيني عليك... لكنني لم أستطع أن أبلغك الخبر بنفسي بعد رحيله، فلم تكن نفسيتي مناسبة أبدا... لذلك طلبت من الطبيب أن يتصل بالعائلة...

تنهد من جديد، ثم أخذ نفسا عميقا قبل أن يواصل بصوت جاد :
ـ لعلك تتساءلين عن سبب إحضارك إلى هنا و عن وصية والدك في لحظاته الأخيرة... لكن قبل أن أحدثك عن ذلك، يجب أن أقص عليك كل شيء بالتفصيل، منذ اتخاذ عمي نجيب قرار سفرك للإقامة عند خالك...

ضمت ليلى كفيها المرتجفتين في حجرها و رنت إليه في انتباه شديد مصغية بكل جوارحها. عقد مأمون حاجبيه و هو يستطرد :
ـ كل شيء بدأ منذ ثلاث سنوات تقريبا، بعد وفاة حنان بفترة وجيزة. لم يكن عمي نجيب قد حضر جنازتها، و تألم كثيرا لاتصال السيد نبيل المتأخر. فهو و إن كان قد ابتعد عنها منذ سنوات طويلة إلا أنه يظل والدها و من حقه توديعها... لبث حزينا لفترة طويلة، كأنه يراجع نفسه ويلومها على ما فرط فيه من تخل عن حنان حتى ألقت بنفسها إلى الانتحار... لكنه سرعان ما استعاد هدوءه و عاد إلى حياته العادية... بعد بضعة أسابيع تلقى اتصالا من مجهول... يخبره بأشياء غريبة عن ابنته الراحلة...

هتفت ليلى على الفور في دهشة :
ـ اتصال من مجهول؟

استرجعت بسرعة ما رواه فراس عن الاتصال الذي ورده من شخص مجهول الهوية يدعوه إلى اللحاق بحنان في الحانة الشعبية. تعلقت نظراتها بشفتي مأمون حاثة إياه على المواصلة... أصبحت تنتظر مفاجآت أكبر من حديثه.

ـ المتصل لم يرض أن يكشف عن شخصيته الحقيقية، و كان من الواضح أنه يستعمل أداة لتغيير الصوت إمعانا في الحيطة و الحذر... كان يتحدث عن مؤامرات و جرائم قتل و أشياء أخرى لم يفهمها عمي نجيب منه جيدا، لكن ما شده في كلامه هو ادعاؤه أن حنان لم تنتحر بل كانت ضحية جريمة قتل مدبرة للخلاص منها... بل أن المتصل اتهم أشخاصا بعينهم...

انخفض صوت مأمون ليصبح أقرب إلى الهمس و هو يقول :
ـ من العائلة...

تسارعت أنفاس ليلى في توتر و هي تذكر تحليلات سحر و تحذيراتها... رباه، هل تكون محقة؟!!

واصل مأمون بوضوح أكبر و هو يعقد حاجبيه في تركيز محاولا تذكر كل التفاصيل :

ـ عمي نجيب لم يرد تصديق الكلام الذي سمعه مع أنه كان مثيرا للشكوك ـ خاصة مع التفاصيل الدقيقة التي ذكرها المتصل و التي ليس من الممكن أن يعرفها إلا شخص قريب جدا من حنان و من العائلة ـ لكن تعوده على الاتصالات السخيفة المشاغبة إضافة إلى أن علاقته بالعائلة كانت شبه مقطوعة بعد طلاقه، جعلاه يخمن أن شخصا ما يحاول استغلال وفاة ابنته لإدخال بعض البلبلة على حياته... و سرعان ما نسي أمر الاتصال برمته مع انشغاله بأعماله الكثيرة... و مضت فترة طويلة بعد ذلك دون أن يفكر في الموضوع مجددا أو يذكره لأحد، و لم يسمع عن تلك القصة شيئا جديدا... و منذ قرابة ستة أشهر، وصلته دعوة من شركة أجنبية تمتلك فرعا هنا في بلادنا و تعرض عليه صفقة ما... فسافر إلى هنا لبضعة أيام.

هزت ليلى رأسها موافقة و هي تقول :
ـ نعم، أذكر جيدا تلك السفرة...

ـ في اليوم الأخير من إقامته في المدينة، خطر بباله أن يعيد العلاقات و يتصل بالسيد نبيل. كان بينهما لقاء وجيز، حضرته معهما... بدا فاترا في البداية لكن سرعان ما اتصل بينهما الحديث و تحدثا في أمور المال و الأعمال و عن إمكانية التعامل بينهما... و في سياق الحوار، تحدث عمي نجيب عنك. فبهت السيد نبيل الذي لم يكن يعلم حتى تلك الساعة بوجود ابنة ثانية لشقيقته المتوفاة و أبدى رغبته في التعرف عليك و توثيق العلاقات العائلية من جديد... و بقي الحديث معلقا دون أن يعد عمي نجيب بشيء...

سرحت بنظراتها و هي تذكر كلام الخالة مريم عن والدتها... كانت حريصة على نسيان كل ما يتعلق بها، حتى أنها أخفت حقيقة وجودها عن الجميع. لم تكن تعني شيئا بالنسبة إليها!

ـ كان من المقرر أن نسافر إلى فرنسا في مساء ذاك اليوم. قبل مغادرة الطائرة ببضع ساعات، تلقى عمي نجيب اتصالا جديدا على رقمه الدولي من الشخص المجهول عينه و أعاد على مسامعه نفس الكلمات... هذه المرة كان عمي نجيب أكثر انتباها و قد بدأت تساوره الشكوك، فأعلمه بوجوده في المدينة و برغبته في لقائه في نفس اليوم قبل موعد الطائرة حتى يستمع إلى روايته و يبرهن على صدق كلامه... كان الموعد في صالة استقبال الفندق الذي أقمنا فيه طيلة فترة الزيارة للبلاد. لم يكن عمي نجيب قد أخبرني بشيء من تفاصيل الحكاية إلى ذلك الحين، فنزل بمفرده إلى البهو و لبث ينتظر وصول الزائر المجهول... لكن الوقت مر بسرعة و اقترب موعد الطائرة دون أن يظهر أحد. و حين كنا نسلم مفاتيح الغرف إلى موظف الاستقبال، أخرج من الدرج مظروفا و أخبر عمي نجيب بأن شخصا ما طلب منه تسليمه إياه حين مغادرته... فض عمي نجيب المظروف على الفور فوجد بداخله بضعة أوراق ممزقة ألقى عليها نظرة سريعة ثم أخفاها عني و لم يقل شيئا عنها حتى عودتنا إلى فرنسا...

قاطعته ليلى في اهتمام :
ـ ألم يطلعك على ما في تلك الأوراق؟ أو عن الشخص المتهم في جريمة القتل؟

هز مأمون رأسه نافيا و هو يضيف :
ـ كان حتى تلك اللحظة يعتزم الاحتفاظ بالأمر لنفسه و أخفى شكوكه عن الجميع... لكن ظهور المتصل المجهول في ذلك اليوم بالذات جعله يشك في علاقته بالعائلة... فهو بلا شك قد علم بلقائه بالسيد نبيل و اتصل به على الفور ليذكره بالقصة القديمة... و بعد عودته إلى فرنسا ظلت الحكاية تؤرقه لفترة طويلة و شكوكه تزداد يوما عن يوم... ثم حصل أن أخذت صحته تتدهور، و بدأت مخاوف جديدة تشغله... مخاوف بشأن مستقبلك و حياتك من بعده... و كان في الأثناء قد تبادل بضعة اتصالات مع السيد نبيل و في كل مرة كان خالك يسأل عنك و يطلب منه اصطحابك في زيارة مقبلة... و كان اليوم حاسم حين ذهب للقيام بالكشف الصحي بعد أن ازداد سعاله و هاجمته آلام في الصدر... في ذاك اليوم عاد إلى الشركة متعبا و أغلق على نفسه المكتب لساعات طويلة ملغيا جميع ارتباطاته و مانعا أي نوع من الاتصال... ظللت في مكتبي لوقت متأخر، فلم أكن أستطيع المغادرة و أتركه على تلك الحال، لأنه لم يتعود أن يخفي عني شيئا من أمور العمل... و كأنه قد علم بتواجدي في الشركة رغم تأخر الوقت، طلبني إلى مكتبه و أغلق الباب من جديد... و بصوت حزين و حازم أطلعني على مشروعه الجديد...

تابعته ليلى في ترقب و نفاد صبر، فتابع :
ـ أخرج من مكتبه المظروف الذي استلمه من موظف الاستقبال منذ أشهر و وضع الورقة الممزقة أمام عيني... كانت ملطخة ببقع متناثرة من الدماء و قد كتبت عليها بضع كلمات مبعثرة... بخط مرتجف غير ثابت...

ـ أية كلمات؟

رفع مأمون عينيه إلى وجهها المتشنج و ملامحها المضطربة في تردد، ثم قال بعد صمت قصير :
ـ بعض الأسماء... لكنها ليست واضحة كفاية... الظرف موجود... يمكنك الاطلاع عليه حين نذهب لاستلام حاجيات عمي من المستشفى...

عقد ذراعيه أمام صدره هو يواصل :
ـ كان الأمر محيرا بالفعل، و لم يكن هناك دليل على أن حنان كتبت الورقة قبل وفاتها و لا على أنها كتبت اسم قاتلها... لكن بدا أن صاحب الاتصال أراد إقناع عمي نجيب بذلك. بل المثير للشك هو أنه لم يسلم "الدليل" إلى الشرطة و احتفظ به كل تلك السنين حتى يرسله إلى والد الضحية التي لم يكن له علاقة بها يوما... كان كل ذلك مريبا. لكن عمي نجيب كان متأثرا بما حصل لابنته، و بدأ يقتنع بأن انتقامه لها و كشف حقيقة ما حصل معها سيكفر عن ذنبه تجاهها و يخفف عنه عذاب الضمير... و مع إحساسه بقرب أجله فقد أصبح شغله الشاغل هو اكتشاف الحقيقة... لذلك انقاد بسهولة إلى تلك الأفكار و طلب مساعدتي في تنفيذ المخطط الذي وضع خطوطه العريضة بنفسه...

أطرقت ليلى و همست في خفوت :
ـ و أنا كنت جزءا من مخطط الانتقام...

هز مأمون رأسه بشدة علامة النفي و هو يضيف :
ـ لم تكوني كذلك في البداية... كانت الخطة تقتضي أن يتظاهر عمي نجيب باهتمامه بمشروع شراكة مع صهره ثم يرسلك للإقامة عند خالك... كان يريد توجيهك للبحث عن المعلومات التي يريدها دون أن ترتابي في شيء... لكن عوامل أخرى تدخلت لتسير الأمور بشكل مختلف... السيد نبيل فاتح عمي نجيب في موضوع المصاهرة... و وقع اختياره على فراس! لم يكن يريد تعريضك للخطر... لكنه كان يثق في ذكائك و نباهتك... و اعتقد أنك ستتمكنين من اكتشاف أشياء كثيرة بوجودك داخل العائلة... و قد وجد أن زواجك من فراس سيكون الطريقة المثلى لتحقيق الهدف...

قاطعته ليلى في احتجاج و قد لمعت الدموع في عينيها من جديد :
ـ لكن كيف... كيف يفكر في تزويجي من فراس و هو يشك في تورط أحد أفراد العائلة في قتل حنان؟ كان يجب أن يحدثني بكل شيء! كان يجب أن يوضح الأمر لي أكثر! كيف يضعني في موقف كهذا؟!!

أطرق مأمون و هو يجيب في هدوء :
ـ زواجك من فراس كان سيجعلك أقرب إلى العائلة... و الأهم، أقرب من فراس الذي كان زوج حنان و أعلم أفراد العائلة بحالها... و ربما كان فراس أكثر من يثق فيه عمي نجيب من بين أفراد العائلة، لذلك لم يجد ضررا في زواجك منه ـ رغم كل المخاطر التي قد تنتج عن هذا الارتباط ـ و ربما لم يكن في نيته أن يمضي إلى نهاية المطاف و الارتباط الرسمي، بل ربما كان ليطلب منك الانسحاب حالما يتوصل إلى النتيجة المبتغاة... كما أنه كان ينوي إطلاعك على كل شيء في مرحلة متقدمة من تحقيقه... حين يحتاج مساعدة حقيقية من داخل القصر...

رفع عينيه و أضاف في حرارة :
ـ صدقيني يا ليلى... لم أكن موافقا على كل هذا... لكنني لم أملك أن أقف في وجهه و أنا أرى كل ذلك التصميم منه... و قررت أن أقوم بتحقيقي الخاص و بطريقتي الخاصة... حتى تكوني في أمان...

هتفت ليلى مجددا و هي لا تزال تحت وقع الصدمة :
ـ لكن كان يجب أن يعلمني بكل شيء! كيف يخفي عني أمرا هاما كهذا؟ كيف يتركني أتخبط وسط شكوك غامضة و هو يمسك ببعض خيوط الحقيقة؟!

رفع مأمون صوته و هو يقول مؤكدا :
ـ لم يرد أن يعلمك بشأن الاتهامات التي وصلته عن طريق المتصل المجهول لأنه لم يكن يثق في صحتها... و كان من الممكن أن توجهك توجيها خاطئا... كما أنه لم يرد إرباكك قبل أن تتعرفي على أفراد العائلة و تتقربي منهم... كان واثقا من أنك لن تمانعي في التضحية إن علمت بالهدف من وراء ذلك... فقد كانت رغبته الصادقة في التكفير عما جناه في حق حنان مسيطرة على تفكيره...

غطت وجهها بكفيها تخفي العبرات التي سالت على وجنتيها في سخاء، و هي تردد بصوت متقطع :
ـ لماذا فعلت ذلك يا أبي؟ لماذا؟!

في تلك اللحظة، دخلت هالة و هي تعلن بصوتها الدافئ المبحوح :
ـ الشاي حضر...

لكن سرعان ما تقلصت ابتسامتها و هي ترى حال ليلى المؤثرة. وضعت الطبق على المائدة القريبة و سارعت بالجلوس بقربها. احتضنتها في حب و هي تهتف :
ـ ما بال صغيرتي؟ هوني عليك يا حبيبتي...

ثم رفعت رأسها إلى مأمون و هتفت في استياء :
ـ مأمون! بم أزعجتها؟

وقف مأمون في ارتباك و هم بالانصراف دون أن يعلق. كان قد تجاوز باب قاعة الجلوس حين استوقفته ليلى و هي تهتف بصوت مختنق :
ـ انتظر...

استدار ليواجهها في صمت، فأضافت و هي تشير إليه بالجلوس :
ـ أرجوك، أخبرني بكل شيء... و لا تخف عني شيئا واحدا...

أومأ برأسه موافقا و هو يعود أدراجه إلى الأريكة. جلس في هدوء و لبث صامتا ينتظر أن تتمالك نفسها و تستعيد سكينتها... ثم قال :
ـ ما حصل هو أنه أرسلني إلى هنا قبل مجيئك بأيام قليلة، حتى أقوم ببعض التحقيقات عن الشركة... و عن العائلة... عرفت بسهولة أن الشركة رغم نجاحها تمر بين الحين و الآخر باضطرابات مالية، و السيد نبيل يبحث باستمرار عن مساهمين جدد و مصادر تمويل. لذلك فقد كان عرض عمي نجيب مغريا جدا بالنسبة إليه. و استوثقت من أن عرض المصاهرة لم يكن إلا لضمان ديمومة العلاقة و استمرارها...

هزت ليلى رأسها في أسى تسأله المتابعة فقال :
ـ لكنني لم أتوقف عند ذلك الحد، بل استغللت زياراتي المتكررة إلى الشركة حتى أبحث عن أسباب هذه الاضطرابات المتكررة، مع أن السوق تعتبر مستقرة نسبيا و الأسعار في ارتفاع مستمر... لم تكن عملية البحث سهلة، لذلك كان علي الاستعانة بأشخاص من داخل الشركة... أو ممن يمكنه التجوال بين جميع مكاتبها دون رقابة... و هنا التقيت رجاء عبد الفتاح... رجاء هي ابنة شقيقة زوجة السيد نبيل الثانية. و هي كثيرة التردد على الشركات و لها علاقات متشعبة مع جميع الموظفين. كانت هي من لاحظني في البداية، فأثار اهتمامها تواجدي هناك مع أن الشراكة الفعلية لم تبدأ بعد... و بعد بضعة محادثات قصيرة اكتشفنا أننا نبحث عن نفس الشيء. لكن الفرق هو أن رجاء كانت تبحث بعشوائية و دون خطة مسبقة، في حين كنت في حاجة إلى معلومات معينة... و هي كانت قادرة على إيجاد تلك المعلومات! لا أعلم أي الأساليب اتبعت... لكنه كان سريعا و مجديا! و خلال الأسابيع القليلة الماضية اكتشفنا أشياء رهيبة!!

انحنى إلى الأمام و هو يقول حدة :
ـ فساد كبير و صفقات مشبوهة و تبييض أموال و أشياء كثيرة أخرى!!

حدقت فيه ليلى مصدومة، فتابع مؤكدا :
ـ القضية معقدة جدا، و الشبكة كبيرة... و لولا مهارة رجاء لما وصلنا إلى الخيط الذي قادنا إلى كل هذا... لم أكن قد حصلت على الأدلة إلا مساء البارحة، فذهبت إلى المستشفى لإعلام عمي نجيب بكل ما حصل... وجدته في حالة سيئة جدا... و رغم ألمه فقد أصر على قراءة التقرير كاملا... بعد ذلك، رفع رأسه مبتسما و أخبرني بأنك كنت على حق حين رفضت الزواج من فراس... و من ألطاف الله أن عقد الشراكة لم يوقع بعد، مع أن الإجراءات قد قطعت شوطا هاما... لذلك لا يزال بإمكاننا أن ننسحب دون أضرار. خالك سيصر على إتمام العقد على أنها رغبة المرحوم و لم يكن بإمكاني أن أتحدث إليك و أنت بينهم، و ربما كنت ستوافقين على إمضاء العقد و المضي في الإجراءات دون دراية بالحقيقة... لذلك كان يجب أن أخرجك من هناك...

ابتسم ابتسامة باهتة و هي يضيف :
ـ كانت مخاطرة حقيقية، لكنك الآن في أمان... إن شاء الله...

فاجأته ليلى بسؤالها :
ـ و ماذا عن قاتل حنان؟

التمعت في عينيه نظرة واثقة و اتسعت ابتسامته و هو يقول مطمئنا :
ـ سنصل إليه... قريبا إن شاء الله...

الجزء الثلاثون




اندفعت منال خارجة من الغرفة الزرقاء و قد امتقع وجهها و ظهرت على ملامحها علامات التوتر. ركضت عبر الممر ثم نزلت إلى البهو في خطوات مضطربة و نادت على العم صابر و هي تلهث :
ـ عم صابر... هل رأيت ليلى؟

هز الرجل العجوز رأسه نافيا و في عينيه علامات الاستغراب. كان منشغلا طوال المساء باستقبال القادمين في البهو و توزيع المشروبات على جموع المعزين كما أوصته رجاء. بعد محاولاته المتكررة لحملها على النزول و تقبل التعازي بنفسها، و بعد ما رآه منها من امتناع، انصرف إلى عمله و لم يعد إلى إزعاجها.

ابتعدت منال مجددا في اتجاه المطبخ و أعادت طرح السؤال نفسه على العم هاشم و بقية الخدم و حتى السائق... لكن لم تجد الجواب الشافي. لم تكن قد رأتها منذ وقت الغداء. كانت قد حملت إليها وجبتها إلى غرفتها فهي لم تذق الطعام منذ مساء البارحة بعد سماعها بالخبر المفجع، و لم تكن شهيتها للطعام مفتوحة في الصباح كذلك. لذلك حملته إليها و حاولت أن تتودد إليها و تطعمها بيديها. لكنها لم تنجح إلا في ابتلاع لقيمات صغيرة تسد بها جوعها... ثم انصرفت هي الأخرى إلى استقبال المعزيات من نساء المجتمع الراقي و العائلات المرموقة. فكونها المرأة الوحيدة في العائلة جعلها تتحمل تلك المسؤولية عوضا عن ليلى، و إن كان ذلك لا يغير في الأمر شيئا فلم يكن من بين المعزيات واحدة تعرف ليلى شخصيا أو تعرف والدها المتوفى إلا بالسمعة... و لم يكن بإمكانها أن تنكر أنها أحبت لعب دور المرأة الهامة و الممثلة الرسمية لعائلة القاسمي. و أحست بالفخر و هي تتصدر المجلس و تشد على يد هذه و تتبادل عبارات مجاملة مع تلك، و لعلها لم تلق فرصة مماثلة منذ زواجها من ياسين...

عادت إلى البهو بعد أن قامت بجولة شاملة على جميع غرف القصر، لكن دون أن تجد أثرا لليلى! راودها خاطر فجأة، فركضت إلى الهاتف في ركن الصالة العلوية و كونت رقم المزرعة. تبادلت بضع كلمات مع الخالة مريم قبل أن تضع السماعة من جديد و على وجهها علامات الخيبة... أين اختفت ليلى؟! كان موعد العشاء قد اقترب، و جموع المعزين قد انصرفت منذ أكثر من ساعة... كان السيد نبيل قد أغلق على نفسه غرفة المكتب منذ ذاك الوقت، و هو ما أصبح يفعله كثيرا في الأيام الماضية. أما ياسين فقد ذهب لإحضار رانيا من منزل جدتها بعد أن أخذتها منال بنفسها إلى هناك مساء البارحة، فقد آثرت إبعادها عن أجواء الحزن المخيمة.

لبثت تذرع البهو جيئة و ذهابا في توتر و تنظر في ساعتها باستمرار، تنتظر ظهور أحد ما يخفف عنها قلقها و يحمل إليها خبرا عن ليلى المختفية... فراس هو الآخر لم تره منذ بضع ساعات... أين يكون هو الآخر؟ مر ببالها خاطر غريب، لكنها سرعان ما طردته عن ذهنها... لا، لا غير معقول... لا يمكن أن يكون ذلك. سمعت صوتا قادما من الطابق الأول فالتفتت بكل جوارحها لترقب من القادم. تعرفت بعد لحظات على صوت العكاز البلاستيكي حين يرتكز بقوة على الأرضية المجلزة. و ما لبث أمين أن ظهر عند أعلى الدرج و هو يتوكأ بكلتا ذراعيه على عكازيه. نظر إليها في صمت للحظات قبل أن يقول بصوت هادئ :
ـ ليلى ليست هنا...

لم تعلق منال بل عقدت حاجبيها في حيرة فأضاف موضحا :
ـ ليلى رحلت... و ربما لن تعود...

هتفت منال في استغراب :
ـ ما الذي تقوله؟

ـ رأيتها تذهب... هناك من جاء لأخذها...

تقدمت منال لتقبض على جانب السلم في عصبية و هي تصرخ :
ـ أخذها؟ من؟ إلى أين؟!!

تجاهل أمين سؤالها و هو يقول في برود :
ـ ربما كان ذلك أفضل... ستكون في أحسن حال بعيدا عن هذه العائلة...

ثم أخذ ينزل الدرجات واحدة تلو الأخرى في صعوبة بالغة و ساقه المكسورة تتدلى معيقة حركته. تقدمت منال نحوه و قد انتبهت إلى ألمه و معاناته. مدت ذراعها لتساعده و هي تقول في شفقة :
ـ كان يجب أن تلازم الفراش لبضعة أيام حتى تطيب جراحك...

صدها بذراعه و نظرة صارمة تطل من عينيه، فتراجعت في دهشة و تركته يواصل نزوله بخطوات بطيئة و يتقدم في اتجاه المدخل وصولا إلى الشرفة الأمامية. تابعته بنظرات قلقة. أزعجتها لامبالاته التي لم تتعود عليها... ربما لا يزال متأثرا بحادثته...

جالت من جديد في أرجاء القصر الذي خلا تقريبا من سكانه... تحس بفراغ غريب يخيم على المكان. ستجلس إلى جوار أمين في انتظار عودة زوجها...
راقبتها عيون متيقظة و هي تحث الخطى باتجاه الحديقة بدورها. و حين اطمأن إلى انصرافها، توجه العم صابر إلى الهاتف في طرف البهو و أخرج في حذر شديد ورقة نقل منها رقم هاتف بأنامل مرتجفة. انتظر الرد في صبر نافد، و ما إن وصله صوت مخاطبه حتى هتف بصوت منخفض مبحوح من فرط الانفعال :
ـ أستاذ مأمون... الآنسة ليلى اختفت!

ثم ما لبثت علامات الارتياح أن ارتسمت على محياه و هو يهمهم بكلمات الحمد و الشكر. أعاد السماعة إلى مكانها في هدوء، ثم انصرف إلى عمله من جديد.

و خيم على المكان هدوء عجيب... ربما هو الهدوء الذي يسبق العاصفة...


**********


جلس في قاعة الانتظار و هو يعبث بهاتفه الجوال في توتر... للمرة الألف، أعاد تكوين رقمها و انتظر الإجابة في يأس، و لم يلبث أن جاءه الرد المعتاد الذي حفظه عن ظهر قلب... "شكرا لاستخدامكم شبكتنا... الهاتف المطلوب مغلق في الوقت الحاضر... يرجى الاتصال لاحقا..." أغلق الخط و هو يتنهد في مرارة. لم يعد لديه شك في أنها تتهرب من الحديث معه. هاتفها مغلق طوال الأيام الماضية... نسيت أمر الموعد ثم طلبت من ابن خالها الرد على مكالمته! بل لعلها دبرت لقاءهما يوم العزاء لتفهمه بأنها حسمت أمرها و قررت البقاء مع عائلتها هنا و الارتباط بابن خالها.

لكنه لم يرد أن يستسلم بسهولة. أراد أن يستمع إلى توضيحاتها... ماذا لو كان خالها قد خطط لزواجها من ابنه للحفاظ عليها بعد وفاة والدها؟ لكنها لم تكبد نفسها عناء الاتصال للاعتذار عن الموعد و توضيح الأمر له! كابر طويلا و هو يقنع نفسه بأنه لا ذنب لها فيما حصل، و أنها لم تسخر منه أو تتلاعب بمشاعره... لكنه الآن لا يجد تفسيرا آخر! هاتفها المغلق و انعدام أية وسيلة للاتصال بها يثبت له أن كل شيء قد انتهى... ربما يجب أن ينسى أنه عرفها يوما...

تعالى النداء الأخير في القاعة : الرجاء من المسافرين على متن الرحلة رقم 3372 في اتجاه باريس التوجه إلى قاعة الرحيل...

قام في تثاقل و تناول حقيبة سفره الصغيرة. إقامته طالت هنا بدون طائل، و لم يعد بإمكانه إهمال عمله و مسؤولياته أكثر من ذلك. لم يعد لديه ما يفعله هنا... ألقى نظرة وداع أخيرة على بهو المطار الفسيح. تأمل أفواج المسافرين و المودعين الذين لا تهدأ حركتهم في جميع الاتجاهات. تصفح الوجوه لبرهة. لم يكن في انتظار رفيق سفر أو مودع... لكن أملا ضئيلا راوده في اللحظات الأخيرة... و ما لبث أن استدار في اتجاه بوابة الرحيل...


************


وضعت نظاراتها السوداء العريضة على عينيها و نزلت من السيارة و هي تقاوم الرجفة التي سرت في أوصالها. استوقفها صوت مأمون و هو يقول :
ـ سأنتظرك هنا... من الأفضل أن تذهبي بمفردك تحسبا للظروف... لا تتأخري...

هزت رأسها في تفهم ثم استدارت لتصعد الدرجات القليلة المؤدية إلى بوابة المستشفى. تقدمت في هدوء و ثقة في اتجاه مكتب الاستقبال. تبادلت بضع كلمات مع الموظفة، ثم أخرجت من محفظتها أوراق هويتها... بعد التثبت، طلبت منها الموظفة أن توقع في دفتر المستشفى لاستلامها حاجيات والدها و غابت في الداخل لتحضر الحقيبة...
ـ ليلى!

كانت منحنية على المكتب تهم بالتوقيع في الدفتر، حين سمعت الصوت ينادي باسمها. رفعت رأسها على الفور و التفتت إلى الوراء. امتقع وجهها حين وجدت فراس يقف على قيد خطوات منها و هو يتأملها في هدوء حزين. تسمرت في مكانها و لم تنبس بكلمة. لم تتصور أن تراه هنا، خاصة بعد مضي أكثر من أسبوع على وفاة والدها. اقترب منها حتى أصبح يقف قبالتها مباشرة، و قال و على شفتيه ابتسامة متعبة :
ـ كنت أعلم أنك ستأتين...

نظرت إليه في دهشة. هل كان ينتظر قدومها؟ تابع بنفس هدوئه العجيب :
ـ تبدين في حال جيدة... يبدو أنهم يعتنون بك جيدا هناك...

هل يعلم أين كانت و مع من تقيم؟ مستحيل، و إلا لما كان انتظرها طوال الأيام الماضية في المستشفى! لكن ماذا يريد الآن؟ أتاها رده على الفور :
ـ قلقنا عليك كثيرا... ما كان يجب أن ترحلي بهذه الطريقة... أعلم أن الإقامة معنا لم تكن مريحة، و الضغوطات كانت كثيرة... لكننا جميعا تعلقنا بك... أصبحت واحدة منا... نحن عائلتك الآن!

حاولت أن تستوعب كلماته و تفسرها. تعلقت عيناها بوجهه الشاحب و وعينيه الغائرتين. كانت علامات الإعياء جلية على محياه. تعرف جيدا تلك الخطوط العميقة حول العينين و في وسط الجبين التي تصاحب الأرق... و للمرة الأولى تصيب في تأويل نظراته المرتبكة و حركاته المضطربة! للمرة الأولى تنتبه إلى مشاعره التي ترك لها العنان... لكن الموقف لم يكن مناسبا أبدا لمثل هذا الاكتشاف الذي بعثر كل أوراقها. أشاحت بوجهها في أسى و هي تقول :
ـ فراس... أشياء كثيرة حصلت منذ غادرتكم... لم يعد بإمكاني العودة الآن...

أطرق بدوره في ألم و قال في ارتباك، لم يعد لديه ما يخفيه :
ـ أنا آسف... أعلم أنني تصرفت بتهور في ذاك اليوم... لكنني... لكنني لم أرد أن أخسرك بسهولة...

من الواضح أنه لم يفهم قصدها. ربما كانت قد تجاوزت عن تطاوله بالرد على هاتفها، لكن هناك مستجدات أخرى أقوى و أخطر... غاص قلبها بين ضلوعها في حزن و هي ترى انكساره أمام عينيها. لكنها تجاهلت ذلك و وضعت قناعا جادا على وجهها و هي تسأله بصوت بارد، يخفي انفعالاتها و اهتمامها :
ـ ما الذي حصل بينك و بين عمر؟

كان السؤال يراودها بين الفينة و الأخرى، منذ رأتهما يقفان معا في الحديقة الخلفية ساعة هروبها... لكنها لم تبذل جهدا لتحصل على الإجابة بعد أن سيطرت القضية الجديدة على تفكيرها و شغلتها عن كل ما عداها... و لعلها توصيات مأمون الصارمة بقطع كل اتصالاتها بالعالم الخارجي و غلق هاتفها حتى لا يصل إليها خالها و ينتهي هو من تحقيقاته...

ارتسمت على شفتيه ابتسامة واهنة و هو يقول في سخرية خفيفة :
ـ ألم يخبرك الدكتور عمر؟

هزت رأسها نافية و قد تزايد اهتمامها. تجهم وجهه و هو يحدق فيها و قد قرأ الصدق في عينيها. لم يشك لحظة واحدة في أن الحوار الذي دار بينه و بين عمر قد وصل إلى مسامعها. بل أنه تخيل التفاصيل و سمع كلماتها الغاضبة ترن كثيرا في رأسه بشتى الاتهامات بعد أن تكون قد اكتشفت محاولته اليائسة لإبعادها عن حبيبها، فيتزايد ألمه و حسرته... فقد كان تخيل أن أول ما ستفعله بعد فرارها هو الاتصال به و التخطيط للهرب بعيدا و الزواج... و ظن أنه لن يراها بعد ذلك، خاصة بعد أن أصبحت تحتقره و تحقد عليه! لكن إحساسا خفيا كان يؤكد له أنها ستأتي للمستشفى لاستعادة حاجات والدها. لذلك لازم قاعة الانتظار طوال الأيام الماضية، لا يكاد يبرحها. ينتظر قدومها في صبر لا يخلو من يأس. يريد أن يعتذر منها على الأقل بعد أن عود نفسه على أن فقدانها أصبح أمرا واقعا... لكنه لا يحتمل أن يكون كل ما تحمله تجاهه من مشاعر كراهية و احتقارا. يا الله، كل تلك الكوابيس التي عاش معها طيلة الأسبوع المنصرم كانت مجرد وهم! نظر إليها في ذهول و قال :
ـ إذن أنت لا تعلمين؟!

ظهرت الموظفة من الباب الداخلي و هي تحمل الحقيبة...

ـ تفضلي آنستي...

لم تتحرك ليلى من مكانها و هي تقول مخاطبة فراس في إلحاح :
ـ أعلم بماذا؟

مسح وجهه بكفه في حركة عصبية، ثم أخرج هاتفه في اضطراب... ربما لازال بإمكانه أن يتدارك الموقف قبل فوات الأوان. أخذ يبحث في ذاكرة الهاتف عن رقم معين و هو يردد بصوت متعب منهار :
ـ أنا آسف... أنا آسف حقا... أرجوك سامحيني...

أخيرا عثر على الرقم المنشود، فقال مبتسما في مرارة :
ـ سأصلح كل شيء الآن... لا تقلقي...

راقبته في حيرة و وجل و هو ينتظر الإجابة على اتصاله الغريب. لكن انتظارها طال و هي تراه يغلق الخط ثم يعيد محاولة الاتصال مرات عدة و قد علا وجهه الهم... و بعد بضعة محاولات تهاوت ذراعه إلى جانبه و نظر إليها و قد أوشكت عيناه أن تدمع، و تمتم :
ـ هاتفه مغلق... لعله سافر... هل من وسيلة للاتصال به في فرنسا؟

ـ آنستي... الحقيبة! هلا وقعت الدفتر؟

التفتت ليلى إلى الموظفة معتذرة عن شرودها. وقعت الدفتر بسرعة و أخذت الحقيبة. توقفت للحظات أمام فراس الذي كان في غاية الاضطراب، ثم توجهت بهدوء في اتجاه البوابة مغادرة المستشفى. لحق بها في محاولة يائسة و هو يهتف :
ـ ليلى، أرجوك... أعطني فرصة أخيرة...

التفتت إليه و قالت في برود :
ـ لا تشغل بالك... سأنظر في الأمر بنفسي...

ثم أضافت في حزم :
ـ و أرجوك، لا تتبعني... و من الأفضل أن تنسى أنك عرفت يوما فتاة تدعى ليلى كامل...

ثم استدارت لتنطلق بخطوات سريعة إلى الخارج تاركة فراس في أقصى حالات الذهول...


**********


ركبت إلى جانب هالة التي انتظرتها مع مأمون أمام المستشفى، بعد أن وضعت الحقيبة في صندوق السيارة. خيم الصمت على ثلاثتهم فترة طويلة في طريقهم إلى منزل هالة. كانت ليلى مرتبكة. فلقاؤها غير المتوقع مع فراس أحدث في نفسها تأثيرا غريبا. لذلك آثرت الفرار من أمامه بأسرع ما يمكن. أيا كانت الحماقة التي ارتكبها و أيا كان الكلام الذي قاله لعمر، فذاك لم يعد مهما الآن. فالمسافات التي تفصلها عن عمر الآن أكبر بكثير من تلك التي تفصل مدينتها عن باريس! وفاة والدها و المعلومات الجديدة التي ظهرت عن عائلتها و مصائب خالها و أعماله، و جريمة قتل شقيقتها... كل ذلك يجعل حياتها أكثر تعقيدا و خطرا من حياة الفتاة الجامعية الهادئة التي عرفها في باريس! ربما ليس من المنصف أن تورطه في تلك المتاهة التي لم يحسب لها حسابا يوم تقدم لطلب يدها... كما أن الزواج و الاستقرار هو آخر ما يمكنها التفكير فيه في وضعها الراهن...

لكن فراس! ذاك الشخص الذي يثبت لها في كل مرة أنه أكثر غرابة مما توقعت. رأته اليوم مثلما لم تره من قبل. و تلك عادته، أن يفاجئها في كل لقاء بوجه جديد... فيترك في نفسها انطباعات جديدة. للحظة وصلتها مشاعره التي نطقت بها عيناه دون مواربة. فارتعبت و اضطربت و ارتبكت نبضات قلبها. لكنها تظاهرت باللامبالاة و البرود، لأن اكتشافها لن يغير من الأمر شيئا... فإن كانت المسافات بينها و بين عمر كبيرة... فإن المسافة بينها و بين فراس أكبر من أن يقدرها قلبها الصغير...

أيقظها صوت مأمون و هو يقول في هدوء مريب :
ـ هناك أمر آخر حدثني عنه عمي رحمه الله... في لقائنا الأخير...

رفعت عينيها لتنظر إليه في المرآة العاكسة، و هي لا تزال تغطي وجهها بالنظارات الشمسية، فتابع و في صوته بعض الارتباك :
ـ كان قد حدثني عن أستاذك في الجامعة الذي تقدم لخطبتك، و طلب مني أن أتعرف عليه و أستوثق من أمره جيدا... لكن الظروف لم تكن مناسبة في الفترة الماضية... سأحاول الالتقاء به قريبا... إن شئت...

أشاحت ليلى بوجهها في اتجاه النافذة و هي تجيب في برود شديد اكتسبته من تجربتها القاسية حتى أصبح يطغى على معاملاتها :
ـ انس أمره... لم يعد ذلك مهما...

سرحت لبعض الوقت و هي تتأمل الشوارع المزدحمة، و لم تنتبه إلى الابتسامة الخفيفة التي علت شفتي هالة...

avatar
شموس
Admin

الجنس : انثى
الابراج : العقرب
عدد المساهمات عدد المساهمات : 17804
العمر العمر : 34
الموقع الموقع : egypt
المزاج المزاج : تمام :D
نبذة مختصرة نبذة مختصرة : الضمير صوت هادئ..يخبرك بأن هناك من يراك دائما

https://www.shmos.net https://www.facebook.com/ShmosNet https://twitter.com/ShmosNet

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية ياقاتلى اين المفر

مُساهمة من طرف شموس في الجمعة أبريل 28, 2017 6:38 pm

الجزء الواحد و الثلاثون




دخل إلى الجناح و هو يجر قدميه في إرهاق. أغلق الباب في هدوء و نزع سترته الخفيفة ثم ألقاها على المنضدة المجاورة قبل أن يرتمي على المقعد القريب بكل ثقله. أغمض عينيه للحظات يبحث عن الهدوء و الراحة... لكن من أين له بالراحة. منذ عشرة أيام و هو يعيش حالة من الاضطراب الشديد لا يجد له منها متنفسا. منذ اختفاء ليلى و أشياء كثيرة تشغل باله و تعكر مزاجه. أحس بكف دافئة تحس على كتفه في حنان.
ـ أنت بخير؟

فتح عينيه فألفى منال تطالعه بابتسامة حانية. هز رأسه ببطء دون أن يبادلها ابتسامتها و سألها في تهرب :
ـ أين رانيا؟

ـ نامت منذ قليل... ما الذي أخرك إلى الآن؟ منذ أيام لم تعد تلتزم بموعد العشاء!

وقف على الفور و قد أزعجه الحديث و توجه إلى الحمام و هو يغمغم :
ـ ألا يمكنني أن أجد الراحة في أي مكان؟!!

وضع رأسه تحت الحنفية و ترك الماء البارد يتدفق على شعره و وجهه... ربما أطفأت المياه الغزيرة حرارة الأفكار الملتهبة التي تحرق دماغه ليل نهار. رأسه تكاد تنفجر من التفكير، و مصيبته أنه غير قادر على اتخاذ القرار المناسب! والده كاد يجن بعد اختفاء ليلى و طلب منه أن يشرف بنفسه على عملية البحث عنها في كل مكان... لكنه غير قادر على التركيز. أو ربما كان يفضل اختفاء ليلى خاصة بعد وفاة والدها. كل شيء تغير الآن... وفاة نجيب كامل قلبت الأمور رأسا على عقب. و بقاء ليلى في القصر لن يجلب لها سوى التعاسة و الألم، لذلك فبقاؤها بعيدا خير لها، أينما كانت قد ذهبت! لكن نبيل القاسمي لن يقتنع بأنه فشل في إيجادها... لا شك أنه يرتاب في جدية البحث و لعله سيقصيه قريبا من المهمة و يتولاها بنفسه. خسارته ستكون فادحة بعد اختفائها، خاصة أنه لم يحصل على توقيع والدها على أوراق العقد النهائية... لن يقبل بانهيار المشروع بهذه السهولة.

خرج من الحمام و هو يشعر بتحسن طفيف. حانت منه التفاتة إلى زوجته التي جلست على طرف السرير في استكانة و هي تحتضن كفيها في حجرها. يعلم طيبتها و سلامة طويتها. لكنه لا يريد أن يشغلها و يدخلها في مسائل لا طاقة لها بها... عليه تصفية حساباته القديمة... و الخاصة بنفسه... دون أن يدخلها دوامة الألم. جلس إلى جانبها و وأحاط كتفيها بذراعه، كأنه يطلب الصفح على معاملته الجافة منذ حين، و همس في هدوء :
ـ أنا آسف... لكنني متعب، و كثرة السؤال و العتاب تتعبني أكثر... تحمليني قليلا في هذه الفترة... و إن شاء الله تفرج الأمور خلال أيام قليلة...

سرعان ما استجابت و عادت الابتسامة لتزين شفتيها و هي تقول في اهتمام :
ـ لكنني لا أريد أن أراك مهموما و لا أفعل شيئا حيال ذلك...

ارتسمت ابتسامة باهتة على وجهه و هو يقول :
ـ للأسف لا يمكنك مساعدتي بشيء... دعيني أتولى أموري بنفسي...

ثم وقف دون أن يدع لها مجالا للاعتراض، و تناول سترته التي نزعها للتو و توجه نحو باب الجناح. طاردته منال في دهشة :
ـ إلى أين؟

ـ هناك بعض الأوراق التي علي مراجعتها، سأجلس قليلا في غرفة المكتبة...

قال ذلك دون أن يلتف إليها و حث الخطى مغادرا... وقفت على الباب الجناح تودعه و في عينيها نظرة منكسرة... تمتمت في صوت خفيض لم يصل إلى مسامع ياسين الذي كان قد شرع في نزول الدرج :
ـ لم تعد تحب مراجعة الملفات في السرير... أم أنك تتهرب مني؟

**********


لم يدخل ياسين إلى قاعة المكتبة مثلما ادعى أمام منال، بل قادته خطاه إلى الحديقة. كانت الساعة قد تأخرت، و الهدوء قد سيطر على المكان. أخذ يتمشى في الممر الممهد الذي تحفه المشاتل من الجانبين. سرح بخياله بعيدا... بعيدا جدا. أخذته أفكاره إلى ذكريات قديمة أليمة، ظلت تعيش في عقله و قلبه و لم تغب عنه يوما... ذكريات ظلت تؤرقه يوما بعد يوم و تعكر صفو حياته... بل لعلها انتزعت الصفاء من حياته إلى الأبد، فلم يعرف له طعما منذ زمن... أو لعله لم يعرفه يوما!! لطالما كانت حياته مختلفة عن حياة أخويه. بل لعله لم يحاول أن يقارن بينه و بينهما في يوم من الأيام. لأنه يدرك مسبقا مدى شساعة الفرق!

عادت به الذاكرة إلى الماضي... ثلاثين عاما إلى الوراء. لم يكن قد تجاوز الثامنة من العمر... لكنه كان قد بدأ يدرك طبيعة العلاقة بين والديه. في تلك السن الصغيرة، كان يسترق السمع إلى مشاجرتهما المتكررة في توجس و حذر. و عقله البريء يسجل كميات من البرمجة السلبية. هل عرف الصفاء في تلك السن؟ لعله لم يعش طفولة عادية، كأنه خلق كهلا... يفكر في مصير عائلته باستمرار و يبحث عن الأسباب و الحلول... و سرعان ما اكتشف الأسباب، حين اختارت أمه الحل بنفسها دون أن تمهله... الحل الذي بدا الأنسب، و الأيسر بالنسبة إليها... حل الهروب، بلا رجعة! يذكر ذاك اليوم جيدا، رغم السنوات التي مرت، و رغم غضاضة سنه في تلك الآونة. لكن ما حدث ترك بصمة واضحة في أعماق نفسه لم و لن يمحوها تعاقب السنون... كانت السيدة هاجر تعتكف في الغرفة الزرقاء منذ أيام، إثر خلاف حاد مع زوجها. فقد كانت الخلافات تزداد عمقا مرة بعد مرة، و قد بات كل منهما لا يطيق الآخر. في تلك الليلة سمع ياسين أنينا مكتوما قادما من الغرفة الزرقاء. كان والده قد تأخر في العودة كما صارت عادته في الفترة الأخيرة، و معظم الخدم قد أووا إلى النوم، و ربما صرفتهم والدته في وقت مبكر... فتح الباب في هدوء و فضول شديد يدفعه. رآها تستلقي على السرير و هي تشد على الملاءة في ألم و تصدر أنينا مزعجا. اقترب منها في قلق و اهتمام، فرأى ذراعها اليسرى التي تتمدد إلى جانبها في استسلام. كان الجرح العميق واضحا في معصمها المقطوع. الدماء ملأت المكان! صرخ من الفزع :
ـ مامــــــــا!!!

فتحت عينيها حين تناهى إليها صوته فتمتمت في ضعف :
ـ ياسين... تعال اجلس إلى جانبي...

لم يكن يدرك ما عليه فعله في تلك اللحظات، لكنه هتف في رعب :
ـ ماما... ما كل هذه الدماء؟ هناك جرح في يدك!

نظرت إلى معصمها في غير اكتراث، كأنها تجهل وجود الجرح، ثم قالت و قد خارت قواها تماما :
ـ ماما ستودعك بعد حين... لكنها تعلم أنك رجل و يمكنك أن تهتم بنفسك جيدا... ماما لن تقلق عليك...

ـ لكن لماذا ترحلين؟ لماذا تريدين أن تتركيني؟

كانت دموعه المتحجرة تأبى النزول حتى في تلك اللحظات القاسية, حتى إن تهدج صوته و شحب وجهه الصغير... فالدموع جافته، و ظلت على جفائها منذ تلك اللحظة.

ـ بابا هو السبب يا صغيري... أبوك يقتلني في اليوم مائة مرة... سأريحه مني إلى الأبد...

فجأة، تشنجت ملامحها لوهلة قصيرة، قبل أن يتهاوى رأسها على صدرها و يسري الاستسلام في أوصالها. لم يستطع أن يتحرك من مكانه. لبث يتأمل ملامحها المكفهرة التي تجمدت بلفظها آخر أنفاسها. كانت كلماتها الأخيرة تتردد في رأسه في قسوة "باب هو السبب يا صغيري"... و لم يكن من الممكن بعد تلك اللحظة أن تعود علاقته بوالده إلى سابق عهدها!

انسحب من الغرفة بهدوء و جلس تحت الدرج طوال الليل. لم يزر النعاس جفنيه في تلك الليلة. و كيف له أن ينام أو يرتاح و هو يحس بوحشة و رهبة بعد المشهد القاسي الذي شهده. صحيح أن طفولته لم تكن طبيعية منذ زمن، لكن تلك الحادثة زادت الأمر سوءا... علاقته بوالده أصبح يحكمها الخوف... و الحقد! هو السبب! هو الذي قاد والدته إلى الموت... لكنه لم يستطع على مواجهته بما سمعه منها. كتم ذلك في صدره، و ترك مشاعره الحبيسة تنمو في هدوء و تزداد تمكنا من قلبه...

عادت إليه تلك الصورة بحذافيرها حين قرأ مذكرات حنان للمرة الأولى... كان قد لاحظ تنقلها المستمر صحبة دفترها الصغير الأسود. تجلس لساعات طويلة في الشرفة الخلفية تكتب و تكتب... و في إحدى الأمسيات، خرجت للتسوق و نسيت دفترها على المقعد. عثر عليه بالصدفة و لم يستطع السيطرة على فضوله فتصفح بضعة وريقات. جحظت عيناه و انسحبت الدماء من وجهه و هو يقرأ كلماتها. كان قد مر على وفاة أماني بضع سنوات، و بدأ يعود نفسه على الأمر. لكنه لم يكن قد شهد وفاتها و لا سأل عن كيفية انتحارها. فقد كان الخبر في حد ذاته كافيا ليصيبه بانهيار عصبي دام بضعة أسابيع. لكن و هو يقرأ وصف حنان للحادثة، عاد إليه مشهد السيدة هاجر في لحظاتها الأخيرة. لم يستطع تحمل الألم الذي داهمه، و بكى... بكى والدته للمرة الأولى منذ وفاتها... بكى أماني التي ذهبت و هي في ريعان شبابها... و بكى نفسه من بعدهما. لكن أحاسيس غريبة انتابته... أمر ما كان يقلقه بخصوص انتحار أماني. المشهدان كانا متقاربين جدا... لكن نقطة واحدة ظلت تشغله و تلح عليه... فقد بدا له موتها هادئا، هادئا جدا. بصفة تتعارض مع الأنين الذي كانت تصدره هاجر في لحظاتها الأخيرة... أنين يقطع نياط القلب. ملامحها الهادئة لا تشبه ملامح هاجر المتشنجة و لا تقلصاتها المؤلمة... و جاءه الجواب على سؤاله متأخرا... متأخرا جدا...

منذ فترة كان قد بدأ يهتم بحنان، تلك الفتاة المراهقة التي تذكره كثيرا بنفسه... لكن كلا منهما تعايش مع ظروفه بصفة مختلفة. هو فقد والدته و هو في سن الثامنة و أهمله والده قبل ذلك بوقت طويل... و هي فارقت والدها في سن الخامسة، و والدتها لم تخلق أصلا لتمارس دور الأمومة! كلاهما عاش الوحدة و الفراغ و الضياع... لكن هو اختار أن يكتم آلامه في صدره، و هي اختارت أن تنفجر في وجه العالم... تصرفاتها اللامبالية و حياتها العبثية المنحلة لطالما أوحت إليه بتمردها على حياتها و واقعها... و كان يحس بالمرارة و هو يراها تكبر و تمردها يكبر في داخلها و يزداد ضراوة. لكنه لم يستطع أن يفعل شيئا حيال ذلك... فهو أصلا لم يفعل شيئا لينتشل نفسه من اليأس الذي أحاط به من كل جانب... و لم يكن يزعجه أن يعترف بغرقه في السلبية! حتى حين اختار زوجته التي لم توافق مزاج والده، كان خياره الانسحاب... لأنه لا يزال يخافه، و يزداد حقدا عليه يوما بعد يوم. حقد جبان لا ينفس عنه إلا بينه و بين نفسه... أخواه فراس و أمين كانا يتيمي الأم أيضا، لكن وضعهما لم يكن يحرك فيه المشاعر التي يحركها وضع حنان. فالمربية كانت معهما على الدوام، و والده أيضا أحبهما لحبه لأمهما الراحلة... لذلك لم يكن قلقا على مصيرهما... و لم يكن يسمح لنفسه بالتدخل في شؤونهما من قريب أو من بعيد...

تزايد اهتمامه بحنان حين بدأ يلاحظ خروجها المستمر بمفردها. داخل نفسه الارتياب بشأنها، فاستجوب السائق. لكنه لم يعلم الكثير... فهو كان يوصلها إلى منزل صديقتها ثم يعود لاصطحابها إن استدعته، و في أحيان كثيرة يوصلها أهل هذه الصديقة. لذلك قرر أن يتحرى عن الأمر بنفسه. فتبعها و انتظر لبرهة أمام المنزل، و لم يخب ظنه إذ لمحها تخرج بعد حين و تطلب سيارة أجرة. لم يصدق عينيه حين رأى السيارة تدخل ذاك الحي الشعبي و تتوقف أمام حانة قذرة... لكنه لم يفعل شيئا! غادر المكان و هو يحس بالعجز... و لطالما لازمه ذاك الإحساس و هو يرى أشياء كثيرة تحصل أمام عينيه دون أن يكون قادرا على فعل شيء حيالها. لكن المشهد تكرر، و لبث يراقبها بضع مرات في صمت... إلى أن اهتدى إلى حل! نعم، إن كان هو عاجزا عن التصرف، فليترك الأمور بين يدي شخص آخر ربما يقدر على فعل شيء ما... و هكذا قرر أن يقحم فراس في المسألة!! لم يكن اختياره لفراس عبثا، فهو يعرف أخاه جيدا و يعلم أنه سيكون مهتما و متعاونا. كما أنه سيحسن التصرف بالتأكيد، و ما تفوقه في دراسة الطب و حياته الاجتماعية الزاخرة إلا علامة على نجاحه في كل ما يفعل... على كل حال إنه مختلف عن الطالب البليد الذي كان، مما حدا به إلى ترك مقاعد الدراسة قبل نيل الشهادة الثانوية. و لم يكن هناك مفر من التحاقه بالعمل في شركة والده، لتتنامى في نفسه تلك المشاعر البغيضة يوما بعد يوم... المهم، فراس كان شخصا مناسبا للمهمة، و سيكون بذلك قد أزاح الثقل عن كاهله و ارتاح من عناء التفكير!

لكن الأمور بعد ذلك تطورت بشكل لم يتصوره و خرجت تماما عن سيطرته... لم يكن يعتقد أن اتصاله الهاتفي المقنّع بفراس سيجعله يتورط إلى تلك الدرجة، فقد فوجئ مثل الجميع حين أعلن فراس رغبته في الارتباط بحنان! و فوجئ أكثر بترحيب والده الغريب، و علم أن وراء موافقته تلك مخططا ما... و لم يخب ظنه أبدا. لكنه اكتشف كل شيئا متأخرا، كالعادة... بعد أن فات الأوان و رحلت حنان! لم يستطع أن يفعل شيئا حيال ذلك... اتضحت الحقائق أمام عينيه و مع ذلك لم يتحرك. جبان! عذبه إحساسه بالضعف و رد فعله السلبي أمام فظاعة الموقف... لم يستطع أن يفعل شيئا بنفسه... كان أضعف من أن يواجه أحدا أو يوجه أصابع الاتهام إلى أحد. لذلك فضل أن يلقي بالمسؤولية على شخص آخر مجددا! لكن فراس لم يعد الشخص المناسب، لم يعد مناسبا أبدا!! و لم يكن هناك أفضل من السيد نجيب كامل، والد الضحية... لكنه لم يتجاوب مع اتصاله بالقدر الذي توقعه. فأسقط في يده... و استسلم للعجز و الخذلان رغم القلق النفسي الذي لازمه. و مضت السنوات رتيبة خاوية في انتظار أمل جديد يحركه... و ظهر الأمل بعد لأي مع زيارة نجيب كامل المفاجئة! رآه و هو يدخل الشركة فلم يصدق عينيه، و بسرعة عادت إليه الذكريات القديمة و ما تحمله من مشاعر قاسية... لم يتردد و اتصل به مجددا، فوجد منه هذه المرة أذنا صاغية. و لم يدم انتظاره طويلا قبل أن يقدم نجيب على الخطوة الموالية....

لكن ظهور ليلى كان مفاجئة حقيقية... مفاجأة لم تخطر له على بال! خمن أنها ستكون الطرف الذي يكشف الستار عن الحقائق المخفية. لكنها أثارت إعجابه حقا حين وصلت إلى المذكرات التي ظلت تائهة عن الجميع لسنوات... و لم يكن يتصور أنها ستتوصل إلى معرفة تفاصيل الحوادث التي شهدها القصر رغم توصيات والده الصارمة بعدم إثارة الماضي المرير...

تابع تحركاتها و لقاءاتها مع أفراد العائلة و لم يستطع أن يقاوم رغبة ملحة في حمايتها. ربما لم يقم بدوره كما يجب مع شقيقتها و استيقظ بعد فوات الأوان. لذلك بات يخشى أن تتكرر المأساة أمام عينيه و لا يقدر على فعل شيء حيالها. كان يرى في وجودها في القصر في حد ذاته خطرا عليك، ناهيك عن زواجها من فراس! لذلك حاول تحذيرها و إبعادها عنه... سهل على رجاء مهمة الوصول إلى الملفات التي تثبت النوايا الخفية وراء ارتباط حنان و فراس... تركها تصل إلى القلادة و إلى الوريقات المتبقية من مذكرات حنان... الوريقات القليلة التي أنقذها من الحرق لأنها ستكون دليل الإدانة على الجريمة التي صارت تفاصيلها واضحة في رأسه... لكن كل ذلك لم يكن كافيا و الأمور سارت بمنحى مختلف عما رسم له و خطط. نجيب القاسمي توفي قبل الوصول إلى نتيجة! لم يعد هناك من ينهض بالعبء من بعده... و عدنا إلى نقطة الصفر!

كانت هذه الهواجس تؤرقه منذ أيام... ربما كان اختفاء ليلى أفضل من بقائها... فهي ستكون بأمان حيث هي. لكن الحقيقة لم تعد بأمان... الحقيقة التي لم تعد تحتمل الاختفاء أكثر من ذلك... ربما عليه أن يتصرف بنفسه لمرة... ربما عليه أن يتخذ خطوة صارمة ليفك قيود الماضي التي كبلته و قيدت حريته... إلى متى ستظل سلبيا خاضعا مستسلما يا ياسين؟ خبرني إلى متى؟



***********


جلست ليلى في الشرفة و هي تمسك بكوب القهوة بين كفيها و قد سرحت نظراتها تجاه البحر. كان المشهد الذي تطل عليه من أروع المشاهد و أكثرها راحة للأعصاب... وضعت الكوب على المائدة و عادت إلى الجريدة المحلية التي تصفحتها مرات و مرات هذا الصباح. و في كل مرة كانت تتوقف عند العنوان الذي ملأ الصفحة الأولى و صفحات كثيرة بعدها... عنوان الملف الأسبوعي الذي لاكته الجرائد على مدى الأسابيع الماضية (القبض على رجل الأعمال نبيل القاسمي بتهمة الفساد و القتل عمدا) و لم يكن تأثيره على نفسها يقل من مرة إلى أخرى... لم تحضر تفاصيل المحاكمة التي لا تزال تتدارسها المحكمة الجنائية و التي طالت جلساتها و مداولاتها بحضور هيئة من المحامين للدفاع عن رجل الأعمال المعروف...

سمعت الباب يفتح و وقع خطوات موقعة على جليز الفناء... لا شك أن مأمون قد عاد. إنه لا يدخر جهدا في هذه القضية... و رغم أنه فعل كل ما بوسعه لكشف الحقيقة إلا أنه لا يزال يصر على متابعة الجلسات باستمرار و يمدها بتفاصيل المحاكمة أولا بأول... ابتسمت و هي تطوي الجريدة و تلقي بها على المقعد المجاور. لم تعد بحاجة إليها، فمراسلها الصحفي قد وصل! لبثت تعبث بالقلادة التي تتدلى على صدرها و تحرك الملعقة في فنجانها في انتظار وصوله... لكن مأمون تأخر هذه المرة... يعلم أنها تجلس في الشرفة تنتظر منه الأخبار اليومية...

فجأة سمعت حفيفا خلفها، التفتت لتجد فرح الصغيرة، ابنة هالة ذات السنوات الست، تقف عند مدخل الشرفة في تردد. ابتسمت ليلى و هي تمد إليها ذراعها تشجعها على الاقتراب :
ـ تعالي يا فرح... لماذا تقفين هناك؟

تقدمت الفتاة على استحياء حتى جلست في حضن ليلى دون أن تتكلم... فهي كانت قد تعودت على وجودها بينهم بعد الشهور الثلاثة التي قضتها في منزلهم الشاطئي الصغير... و بعد صمت قصير رأسها و هي تقول في حزن :
ـ هل صحيح أنك لست من مستوانا الاجتماعي؟

رفعت ليلى حاجبيها في دهشة و هي تقول في حيرة :
ـ من الذي قال هذا؟!!

ـ خالي مأمون قال أنه لا يمكنه أن يتزوجك لأنك لست من مستوانا الاجتماعي!

تسارعت دقات قلبها في ارتباك و شردت نظراتها للحظات... حتى أنها لم تنتبه حين قفزت الفتاة من على ركبتيها و ركضت مبتعدة... لم تكن قد فكرت أبدا في اختلاف المستويات أو في الفوارق المادية، فوالدها رباها على ترك تلك الاعتبارات جانبا حين يتعلق الأمر بالعلاقات الإنسانية... و وقوف مأمون و هالة معها في محنتها كان أكثر من إنساني... لكنها كانت قد رمت مسألة الزواج هذه وراء ظهرها، و إن كانت تتساءل باستمرار عن مستقبل حياتها. فلم يكن من الملائم أن تستمر إقامتها عند هالة أكثر من ذلك. المنزل صغير، و زوجها أحمد يجد نفسه مضطرا إلى قضاء السهرات خارج المنزل حتى لا يضايقها أو يحرجها... لكن لطفهم معها و تفانيهم في الحفاظ على راحتها يحرجها بالفعل...

ـ كيف حالك اليوم؟

رفعت رأسها حين وصلها صوت مأمون و هو يدلف إلى الشرفة تتبعه هالة في صمت، و على وجهها علامات الاستياء... يبدو أن نقاشا ساخنا جمعهما منذ حين في المطبخ! اجتهدت ليلى حتى ترسم ابتسامة على شفتيها و تداري الأفكار التي كانت تشغلها منذ حين. رنت إليه في اهتمام و هي تسأل : ـ خبرني... ما الجديد؟

تنهد و هو يتخذ مجلسه على مقعد غير بعيد عنها و يضع مظروفا كبيرا على الطاولة المنخفضة أمامه. في حين أسندت هالة جذعها إلى باب الشرفة و عقدت ذراعيها أمام صدرها. قال مأمون و هو يعبث بسلسلة مفاتيحه التي لا تزال بين أصابعه... كان توتره واضحا :
ـ ربما سقطت عنه تهمة القتل... فالأدلة غير كافية، و لا تعدو أن تكون مجرد شكوك... و المرجح أن الحوادث ستظل عمليات انتحار في نظر المحكمة، ما لم تظهر أدلة جديدة... لكن ذلك يبدو مستبعدا نظرا للبعد الزمني... كما أن ياسين يخضع لعلاج نفسي الآن... ترسبات الحوادث التي عاشها أثرت في توازنه... و من المؤسف أنه لم يعالج في وقت مبكر... لا أحد كان يعلم بأنه شهد حادثة انتحار والدته...

هزت ليلى رأسها في أسف، فقد أثرت فيها كثيرا المصائب التي طالت عائلة خالها في الشهور الماضية حتى شغلتها عن التفكير في همومها الشخصية... لا شك أن الجميع الآن في حاجة إلى علاج نفسي!! تابع مأمون موضحا :
ـ لكن تهمة الفساد ثابتة لا محالة... فالوثائق التي قدمها ياسين إلى المحكمة لا تدع مجالا للشك... و هذه القضية وحدها كفيلة بالقضاء على مستقبل السيد نبيل المهني و استنزاف السنوات المتبقية من حياته!

أطرقت مجددا في تفكر... ربما من واجبها أن تزور عائلة خالها و تقف إلى جانبهم في هذه المحنة... من المؤكد أن منال تجد نفسها وحيدة خاصة و زوجها يوجه إصبع الاتهام إلى والده... لا يمكنها أن تتخيل موقف كل من أمين و فراس...

تنحنح مأمون و هو يدفع الظرف الذي كان يستقر على الطاولة في اتجاهها. رددت نظراتها بين الظرف و بين عينيه في تساؤل. فابتسم و هو يقول في طمأنة :
ـ هذه أوراق ثبوت ملكيتك لكل إرث عمي نجيب رحمه الله... كل العقود أصبحت موثقة باسمك الآن... إضافة إلى أرقام حساباتك الجديدة و كشوفها الدقيقة... أنهيت المعاملات مع المحامي اليوم... كل شيء أصبح قانونيا و منظما...

تناولت الظرف بأنامل مرتجفة. تصفحت بضعة وريقات في عدم تركيز و هي تقاوم إحساسا غريبا انتابها. لكنها تجاسرت أخيرا و سألته و هي تحاول إخفاء اهتمامها :
ـ و أنت؟ ماذا ستفعل الآن؟

ابتسم في ارتباك و هو يقول متظاهرا باللامبالاة :
ـ سأبحث عن عمل جديد...

كان والدها قد صفى جميع أعماله استعدادا للشراكة الجديدة و الاستقرار في البلاد... و مأمون ظل مرافقا له ليواصل معه المشوار. لكن بانتهاء الأعمال و بطلان العقود لم يعد هناك عمل يديره أو يشرف عليه... أردف مأمون في دعابة شابتها مرارة لم تخف عليها :
ـ لكنني ربما أحتاج إلى رسالة تزكية من مستخدمتي السابقة...

لم تستطع أن تبتسم على دعابته الثقيلة على قلبها... فهي لم تعتبره يوما موظفا عند والدها بقدر ما كان فردا من العائلة و قد ساءها أن يستعمل كلمة "مستخدمتي" كأنه يؤكد على العلاقة العمودية التي بينهما و التي تصنع حواجز سخيفة في نظرها... انتبهت إلى حركة هالة العصبية و هي تترك وضعيتها و تنطلق في خطوات سريعة عائدة إلى المطبخ. تابعتها ليلى بنظرات ملؤها الدهشة. لم تكن قد رأت هالة غاضبة من قبل... تذكرت كلمات الصغيرة فرح، هل لذلك علاقة بموضوع الزواج؟
وقف مأمون و قد هم بالانصراف بدوره قبل أن يفتضح اضطرابه، لكنها استوقفته حين وصل إلى المدخل و هي تقول في صوت مختنق من العبرات :
ـ لست أدري كيف أشكركم على كل ما فعلتموه معي في الفترة الماضية... أنا مدينة لكم بالكثير...

لم يلتفت إليها، لكنه همس في تأثر :
ـ كان ذلك واجبنا تجاه عمي نجيب... و عائلته... و إلا لكننا ناكرين للجميل...

أصغت إلى وقع خطواته التي ابتعدت إلى الداخل... احتضنت الظرف و ضمته إلى صدرها... كان آخر ما تبقى لها من حياة والدها. لكن هل ستصنع هذه الأموال و الممتلكات سعادتها؟ ربما كانت في حاجة إلى أكثر من ذلك... إلى عائلة حقيقية...

avatar
شموس
Admin

الجنس : انثى
الابراج : العقرب
عدد المساهمات عدد المساهمات : 17804
العمر العمر : 34
الموقع الموقع : egypt
المزاج المزاج : تمام :D
نبذة مختصرة نبذة مختصرة : الضمير صوت هادئ..يخبرك بأن هناك من يراك دائما

https://www.shmos.net https://www.facebook.com/ShmosNet https://twitter.com/ShmosNet

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية ياقاتلى اين المفر

مُساهمة من طرف شموس في الجمعة أبريل 28, 2017 6:39 pm

الحلقة الأخيرة




أبعدت الهاتف عن أذنها حين دوت صرخة ثائرة من سحر و هي ترد على اتصالها :
ـ ليلـــــــى... أين اختفيت كل هذا الوقت!! قلقت عليك جـــــــــــــدا!!!

ابتسمت ليلى في حزن و هي تقول مهدئة :
ـ تلك قصة طويلة جدا... أمهليني حتى أخبرك بكل التفاصيل...

قاطعتها سحر على الفور و هي تهتف :
ـ أخبريني أولا... ماهي قصة زواجك؟!!

ـ زواجي؟ عمّ تتحدثين؟!!

ـ نعم زواجك من ابن خالك... و الدكتور عمر يرسل إليك تهانيه!! لم أصدق أذني حين قال ذلك حين رأيته بعد رجوعه بأيام قليلة... حسبته ذهب خاطبا فوجد نفسه معزيا، و إذا به يعود مهنئا! و الأدهى هو أنه ظن أنني قد أكون على علم بالمستجدات، لكنني صدمت للغاية...أخبريني ما القصة؟

سكتت ليلى و لم تنطق بكلمة... هكذا إذن يا فراس...
لبثت مطرقة في أسى، لقد عاشت الحلم لأسابيع قليلة... حلم كل فتاة في سنها، أن تلتقي فراس أحلامها و يطير بها على ظهر جواد أبيض... لكنها تجد نفسها مضطرة إلى التخلي عن الحلم... ستوليه ظهرها قبل أن تهنأ به. بات من المحتم عليها أن تنسى عمر و تستعد لمواجهة صعوبات حياتها الجديدة. لا يمكنه أن تطلب منه ترك حياته المستقرة الهادئة و خوض الأمواج المتلاطمة من أجلها... صحيح أنها لا تشك في شهامته و أخلاقه، لكن ما يجمعهما لا يعدو أن يكون إعجابا بين طالبة و أستاذها... و ذلك لا يجبره على التضحية بكل شيء لأن ظروفها لم تعد ملائمة!

صرخت فيها سحر مجددا :
ـ أخبريني بكل شيء... و بالتفصيل الممل!!

قصت عليها ليلى الأحداث الأخيرة المفجعة و ما صاحبها من ألم و قلق و معاناة... و ما إن فرغت من روايتها و أطلقت تنهيدة عميقة، حتى هتفت سحر في تأثر :
ـ يا الله! كل هذا يحصل في عائلة خالك! لا حول و لا قوة إلا بالله...

رسمت ليلى على شفتيها ابتسامة ساخرة و هي تقول :
ـ أغرب من الأشرطة العالمية!

صمتت سحر لبرهة قبل أن تستطرد مغيرة الموضوع، كأنها تذكرها بما تحاول تناسيه :
ـ الدكتور عمر تغير كثيرا في الفترة الأخيرة يا ليلى... أصبح أكثر تحفظا مع الطالبات و لم يعد منطلقا و مرحا كما كان... بدا لي متأثرا جدا... رغم أنه يحاول استعادة نسق حياته و الانغماس في العمل... و يحز في نفسي أنه خدع بتلك الطريقة... يجب أن يعلم بكل شيء الآن...

تمتمت ليلى و هي تحس بمرارة في حلقها :
ـ لن يغير ذلك من الأمر شيئا... الظروف لم تعد نفسها... ربما من الأفضل أن ينسى... أنا متأكدة أنه سينسى مع مرور الوقت...

هتفت سحر في اعتراض :
ـ لكن لماذا؟ مازال بالإمكان إصلاح كل شيء!

بلعت ريقها في صعوبة و هي ترد بصوت خافت :
ـ لم يعد من الممكن أن أعود إلى فرنسا يا سحر... أظنني سأستقر هنا... في بلدي...

ظهرت آثار الصدمة في صوت سحر و هي تقول :
ـ كيف تتركين عالمك بهذه السهولة؟ و دراستك؟ و تتركينني وحيدة؟ لقد اشتقت إليك كثيرا...

تنهدت ليلى و هي تداري دموعها التي توشك على التسلل و قالت مهدئة :
ـ لا تقلقي... سنظل على اتصال باستمرار، و سأزورك كلما سنحت الفرصة... كما أنني سجلت في الجامعة هنا، و سأهتم بدراستي جيدا...

ـ لكن لماذا؟ ليس هناك ما يربطك بتلك البلاد!

ردت ليلى في حزم :
ـ بلى يا سحر... بلى... لدي الكثير لأفعله هنا...



************



نزلت من السيارة و ضمت سترتها الخفيفة إلى جسدها بأوصال مرتجفة. ألقت نظرة على البوابة العملاقة الموصدة في توجس و خطت في اتجاهها...

ـ هل تريدين أن أعود لأخذك؟

التفتت إلى مأمون الذي يطل برأسه من نافذة السيارة و قالت بسرعة :
ـ لا تزعج نفسك... سأعود بسيارتي التي تركتها هنا...

ثم ابتسمت و هي تقول في مرح محاولة السيطرة على اضطرابها :
ـ اهتم جيدا بالأطفال في غيابي... هشام أخبرني إن لم يعطك خالك الحلوى التي وعدك بها!

أطل هشام بدوره و هو يهتف :
ـ حاضر خالة ليلى...

ثم ألقى على مأمون نظرة انتصار... فما دامت ليلى في صفه فهو سيحصل على الحلوى بالتأكيد. و سرعان ما ابتعدت السيارة و الطفلان يلوحان لها عبر الزجاج الخلفي... قبل أن تختفي في أحد الشوارع الجانبية. تنهدت ليلى و هي تتقدم في اتجاه مبنى القصر. أجالت بصرها في المكان كأنها تدخله للمرة الأولى. ابتسمت في حزن و هي تتذكر المرة الأولى التي قدمت فيها إلى هنا... كان ذلك منذ شهور أربعة تقريبا! كم كانت قاسية و حامية. هل كانت تتصور ما ينتظرها حين عبرت البوابة للمرة الأولى؟ و لا مثقال ذرة! وصلت إلى الشرفة دون أن يعترضها أحد. بدا كأن القصر مهجور... لم تر الحارس و لا أحدا من الخدم... أين ذهب الجميع؟

صعدت الدرجات المؤدية إلى البهو في بطء و حذر، ثم دفعت باب المدخل في هدوء... لمحت ظل امرأة متشحة بالسواد، تضع على رأسها حجابا و تهتم بتنظيف الأثاث في حركة بطيئة تنم عن الملل و الفتور. تأملتها في استغراب و فضول ثم تنحنحت لتلفت انتباهها. استدارت المرأة في ذعر، و حدقت في ليلى للحظات و على وجهها علامات عدم الاستيعاب، ثم هتفت في فرح حقيقي و هي تهب نحوها مرحبة :
ـ ليلى حبيبتي... أخيرا عدت!

عانقتها ليلى في دفء و مودة و التمعت الدموع في عينيها و هي ترى آثار الهموم على وجهها :
ـ منال كيف حالك... و كيف حال رانيا؟

مسحت منال دموعها بظاهر كفها و هي تهز رأسها و تبتسم :
ـ الحمد لله... الحمد لله على كل حال...

عادت ليلى لتعانقها بقوة أكبر و هي تهمس في أذنها :
ـ مبارك...

ضمتها منال بدورها و هي تجيب في صوت مختنق :
ـ كان يجب أن أفعلها منذ زمن... الحمد لله الذي هدانا إلى هذا... و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله...

ابتعدت ليلى عنها قليلا و نظرت إلى الخرقة التي بين يديها و قالت في تساؤل :
ـ أين الجميع؟ أين الخدم و الحارس و السائق؟ لماذا تنظفين بنفسك؟

تنهدت و هي تدعوها إلى الجلوس و قالت في مرارة :
ـ لقد تغير الحال يا عزيزتي... صرفنا الخدم و الحشم... و عن قريب سنضطر إلى مغادرة هذا المكان أيضا و نبحث عن شقة صغيرة تناسب الوضع الجديد...

حدقت فيها ليلى في دهشة، فتابعت منال موضحة :
ـ ستتم مصادرة جميع ممتلكات عمي نبيل... لتسديد الغرامة المالية الضخمة التي حكمت بها المحكمة... تم طلب الاستئناف، لكن الأمل ضئيل... إنها مسألة وقت فحسب قبل أن تهجم علينا القوى العامة و تطالبنا بإخلاء القصر و المزرعة... فضلا عن تسليم الشركة... حتى تعرض كلها في مزاد علني!

قبل أن تعلق ليلى، فتح الباب المطبخ و ظهرت الخالة مريم و هي تردي منديل الطبخ... و ما إن وقعت عيناها على ليلى حتى اتسعت عيناها دهشة و اندفعت نحوها مرحبة هي الأخرى... و بعد العناق و تبادل عبارات المواساة، كانت النساء الثلاثة يجلسن في البهو و قد خيم عليهن صمت ثقيل... لم يخف على ليلى جو التوتر السائد بين منال و المربية... ربما كان المصاب واحدا، لكن ياسين وشى بوالده و اتهمه في العلن، و لا شك أن الخلافات بين الولد و أبيه ستطول زوجة الولد و بقية أفراد العائلة...

تكلمت ليلى أخيرا لتسأل في حذر :
ـ كيف حال أمين... و فراس؟

ابتسمت منال في حزن و هي تقول و في عينيها نظرة ساهمة :
ـ رجال... رجال يعتمد عليهم حقا... أمين في العمل. قرر أن يعمل بالتوازي مع دراسته... و لعل ما حصل سيجعله يجتهد أكثر كي يحصل على شهادته هذه السنة. لم يعد هناك مجال للتكاسل و الدلال...

نظرت إليها دهشة في مزيج من الدهشة و الإعجاب :
ـ أمين يعمل؟!

الفكرة التي أخذتها عنه هي أنه شاب مدلل و محاط بجميع أسباب الرفاهية. لا يفكر. لا يعمل. و يحصل على كل ما يريد بأيسر السبل. و لم تكن تتوقع أنه سيتغير و يقف على قدميه بمثل هذه السرعة. بل لعلها كانت قلقة عليه أكثر من بقية أفراد الأسرة... فمنال امرأة مكافحة، من أصل ريفي. اجتهدت حتى تنجح في عملها و تصل إلى ما وصلت إليه قبل زواجها من ياسين... و فراس فتح عيادته الشخصية و يملك مورد رزق، لذلك لم تكن لتقلق على أحدهما. أما أمين الطفل الكبير، فإنها كانت تراه الأكثر قابلية للانهيار في ظروف مماثلة.

واصلت منال مؤكدة و هي تبتسم في مرح يتنافى مع الحزن الذي كان يكسو وجهها منذ لحظات :
ـ حصل على وظيفة في مكتب تسويق... و لا أظنه يجد صعوبة في البيع و الشراء و هو الذي تعود على اللقاءات الاجتماعية و يجيد فن التودد و الإقناع! كلها شهور قليلة قبل أن يحصل على شهادة الهندسة و يشتغل في المنصب الذي يناسب طموحاته...

هزت ليلى رأسها و هي تبتسم بدورها. كانت سعيدة للغاية من أجله...

في تلك اللحظة، فتح باب المدخل، و ظهر فراس و هو يحمل بعض المشتريات. التفت إلى الخالة مريم و بدا أنه لم يلاحظ وجود ليلى، و قال و هو يهم بالتوجه إلى المطبخ :
ـ سأضع هذه الحاجيات في المطبخ... هل الغداء جاهز؟

لكنه توقف فجأة و عاد ليدقق النظر في الجالسات في البهو، بعد أن التقط دماغه صورة غير مألوفة... أو لعلها لم تعد مألوفة بعد كل الأحداث الرهيبة التي توالت بعد لقائهما الأخير. حدق فيها في دهشة و كادت الأكياس تقع من بين يديه، لولا أن منال وقفت على الفور لتأخذها عنه. وقفت ليلى بدورها و اقتربت منه في هدوء و على شفتيها ابتسامة خفيفة :
ـ كيف حالك فراس؟

تمهل بعض ثوان قبل أن يرد بصوت هادئ خال من التعابير :
ـ الحمد لله...

لم تكن تشك في أن الشهور الماضية التي تلت وفاة والدها تركت آثارا في عيون الجميع. لكن الانكسار الذي رأته في عيني فراس في تلك اللحظة جعلها تدرك أنها كانت مخطئة في تقديرها... إنها تدرك الآن أن فراس كان أكثر المتأثرين بالأحداث الأخيرة. فقد وجد نفسه في وضع يحتم عليه تحمل مسؤولية العائلة كاملة... لم يكن بإمكانه التهاون في متابعة قضية والده و الاتصال المستمر بالمحامين، فهو يبقى والده رغم كل شيء... و كان في نفس الوقت يشرف على علاج أخيه الأكبر مع مجموعة من أصدقائه المتخصصين، لتجاوز الصدمة بأخف الأضرار. كما أن منال و ابنتها و الخالة مريم و أمين... كلهم يعقدون الأمل عليه، لأنه رجل البيت الآن! بدا كأن الوقت و الجهد الذين يقدمهما لعائلته بكل سخاء يقتطعان الشيء الكثير من صحته... فظهرت علامات الذبول في ثنايا وجهه، و ازداد جسمه نحافة بشكل ملحوظ في أشهر معدودة...

طالعته ليلى في أسف و هي تقاوم الدموع التي تجمعت في عينيها. إنه لا يزال صامدا رغم كل شيء، و يتقبل قدره برحابة صدر يحسد عليها. رجل يا فراس... رجل أنت! تكلم أخيرا ليقول في شيء من المرارة :
ـ أرجو أن حياتك تسير بحال أفضل مما هي عليه هنا...

أطرقت برأسها و قالت في ضيق :
ـ أنت تعلم أنني لا يمكن أن أشمت في خالي و عائلته مهما حصل... حتى و إن كنت أعلم أنه كان يطمع في ثروة والدي! إنما جئت لأزوركم و أطمئن إلى حالكم... فإن كان وجودي غير مرغوب فيه، فإنني سأغادر على الفور...

استوقفها بسرعة و هو يحاول تدارك موقفه، و قال في ارتباك :
ـ ليس ذلك ما قصدته... أنت فرد من العائلة، و ستظلين كذلك... لكن ما حصل لم يترك لي ذرة تركيز... الظروف تغيرت يا ليلى, تغيرت كثيرا...

ابتسمت و هي ترفع عينيها و تقول في دفء :
ـ أنتم عائلتي التي لن أتخلى عنها بعد إذ وجدتها... اعتبرني أختك الصغيرة، و ستجدني دائما إلى جانبك...



***********



أوقفت السيارة في حدة و قفزت منها على عجل... لبثت تفكر طوال رحلة العودة إلى الضاحية الجنوبية، و وجدت نفسها في غاية الحماس للفكرة الجديدة التي راودتها. لم تستطع الانتظار أكثر قبل البدء في تنفيذ الخطوات التي قررتها... دخلت إلى المنزل و هي تلهث من فرط الانفعال و الركض. حين دلفت إلى غرفة الجلوس ألفت هالة و طفليها جالسين أمام التلفاز، تلفتت حولها كأنها تبحث عن شيء مفقود ثم هتفت :
ـ أين مأمون؟

فتح باب الحمام و خرج مأمون على الفور ،بعد أن سمع هتاف ليلى و وقع خطواتها المستعجلة، و هو لا يزال يمسح يديه في المنشفة و اقترب منها في قلق :
ـ أنا هنا... ما الأمر؟

ألقت حقيبتها الصغيرة على الأريكة و جلست و هي تأخذ نفسا عميقا، ثم قالت و نظراتها تشع حماسا و تفاؤلا :
ـ أين وصلت في بحثك عن عمل؟

بدا عليه الارتباك و هو يجيب :
ـ أجريت بعض مقابلات... هناك بعض العروض المغرية... لكنني لم أحسم أمري بعد...

انحنت إلى الأمام و هي تقول و على شفتيها ابتسامة واثقة :
ـ لدي عرض أكثر إغراءا من كل العروض الموجودة في السوق!

حدق فيها في دهشة و تساؤل فواصلت موضحة :
ـ تعلم أن شركة خالي و جميع ممتلكاته ستعرض قريبا للبيع في مزاد علني... أريدك أن تلتقي بالمحامين و المشرفين القانونيين عن عملية البيع، و تحاول بأي ثمن أن تحصل على الصفقة!

التمعت في عينيه نظرة انتصار و هو يقول مؤيدا :
ـ لا شك أنك ستحصلين عليها بثمن زهيد لا يقارن بقيمتها الحقيقية! و أشك في وجود الكثيرين ممن يهتمون بالشراء و يملكون السيولة الكافية للدفع الفوري... إنها صفقة ممتازة بالفعل! كما أنه أصبح من الصعب في أيامنا إيجاد قصر في مثل فخامة قصر آل القاسمي و جمال موقعه...

ابتسمت ليلى في عتاب و هي تقول :
ـ لا يا مأمون... أنا لست في حاجة إلى القصر لأسكن فيه... لم أتعود حياة القصور و لا أريد أن أتعودها... لكنني أريد لأهله أن يظلوا فيه... يكفيهم ما رأوه من المصائب، و لا أريد لهم أن يتشردوا بعد عيشة العز و الرفاهية...

أطرق مأمون في خجل من نفسه... و إكبارا لموقفها الكريم، لكنه ما لبث أن قال في تساؤل :
ـ لكن هذه المهمة ستشغلني لأسابيع معدودة... و يمكنني الاهتمام بها في نفس الوقت مع عملي الجديد...

لوحت ليلى بسبابتها نافية و هي تبتسم في سرور :
ـ ليست هذه إلا مرحلة الاستعداد للعمل الحقيقي... يا حضرة المدير!

عقد حاجبيه في عدم استيعاب، فأردفت موضحة :
ـ الشركة التي سنشتريها، ليس هناك من هو في مثل كفاءتك و خبرتك ممن يمكنني أن أثق فيهم لتولي إدارتها... و أنا كما تعلم، يجب أن أهتم بتعليمي و شهادة الدكتوراه... لذلك ستكون لك السلطة الكاملة على الشركة...

عقدت الدهشة لسان مأمون الذي لبث يحدق في الفراغ لوهلة و هو يحبس بصعوبة دمعة تأثر استقرت عند طرف عينه... أما هالة التي كانت تستمع إلى حديثهما في صمت لم تتمالك نفسها أن أطلقت زغرودة تردد صداها في البناية. و لم يضيع هشام و فرح الفرصة، فأخذا في الهتاف و القفز على الأرائك في مرح و حبور...



**********

جلس مأمون أمام مقود سيارته المتوقفة قبالة سكن الطالبات و أخذ ينقر بأصابعه على عجلة القيادة في توتر و قلق... ليس يدري كيف طاوع هالة و جاء إلى هنا في هذا اليوم رغم أنه كان يعارض الموضوع بشدة في البداية... لكن أمورا كثيرة تغيرت و جعلته يغير رأيه، حتى أنه لم يقاوم كثيرا حين فاتحته هالة في الأمر من جديد...

مضت أكثر من سنة على توليه إدارة شركة عائلة القاسمي، التي أصبحت ملكا للوريثة الوحيدة لعائلة كامل... صحيح أنه لاقى بعض الصعوبات في البداية حتى يعيد الشركة إلى الطريق القويم. فقد كانت هناك تصفية كبيرة في صفوف الموظفين ليتخلص من الفساد الإداري و المالي، و كان ياسين خير عون له في تلك المهمة، بعد أن تماثل للشفاء و استعاد بعض توازنه، نظرا لمعرفته الوثيقة بتفاصيل العمل في العهد السابق و صلته بجميع طبقات العاملين تحت لواء والده. ثم كانت رحلة طويلة لتوظيف مسؤولين جدد و عدد كبير من المقابلات و الاختبارات... كأن الشركة تفتح أبوابها للمرة الأولى! لكن الحظ حالفه حقا و نجح في انتقاء المساعدين المناسبين في فترة وجيزة. و الآن و قد مرت سنة كاملة على إعادة الأمور إلى نصابها فإنه ينظر بعين الرضا إلى مردود الشركة و حساباتها التي تمضي في تحسن مستمر...

ليلى اختارت أن تهتم بدراستها و تركت له كافة مسؤوليات الشركة، حتى أنها لم تكن تهتم بالمراجعة المستمرة للحسابات. و مع ذلك فإنه كان يلح عليها في كل مرة حتى تحضر اجتماعات مجلس الإدارة الشهرية و تتابع بنفسها التقدم الذي تحرزه الأعمال... فهي تظل المالكة الفعلية و إن لم تباشر العمل بنفسها. و عدا تلك اللقاءات المتعلقة بالعمل، لم يعد يراها كثيرا، خاصة منذ مغادرتها منزل هالة و انتقالها إلى سكن الطالبات. كان ذلك الخيار الأفضل بالنسبة إليها، حتى لا تحس بالضيق في وجود أحمد زوج هالة و لا تشعر أنها تشكل عبءا على العائلة، و في نفس الوقت تتجنب السكن بمفردها في شقة مستقلة نظرا لإصرارها على عدم العودة للسكن مع عائلة خالها... على الأقل يمكنها أن تشعر ببعض الأمان وسط فتيات في مثل سنها، و في سكن محمي و مراقب من قبل الوزارة...

رفع بصره للمرة المائة في نصف الساعة التي مرت على انتظاره أمام المبنى، لينظر إلى نافذة الغرفة التي يعلم أنها تسكنها، فقد اهتم مع هالة بتهيئة جميع الظروف المناسبة لإقامتها... من المؤكد أنها لم تكن في حاجة إلى المال حتى تقتني لنفسها ما يلزمها لمسكنها الجديد، لكنها كانت تفتقد حب الحياة. فبعد وفاة والدها أصبحت تحس بفراغ كبير و ثقيل... لم تعد تجد في نفسها الرغبة في الاهتمام بنفسها و النظر في شؤون حياتها. إحساسها بالوحدة و الضياع لازماها لبضعة شهور... لكن الحمد لله، قرارها بمواصلة الدراسة نفسه يعد خطوة جيدة إلى الأمام... و لا شك أنها ستتعود رويدا رويدا على نسق حياتها الجديدة... على حياة بدون أب، الأب الذي كان كل عائلتها...

حين حادثته هالة في الموضوع للمرة الأولى، رفض بشدة و لم يرغب في مناقشة الأمر أصلا... كان يحس أنه مسؤول عن ليلى بعد رحيل والدها، و واجبه يملي عليه أن يكون إلى جانبها وفاءا لذكرى الوالد المحب الذي كانه نجيب... لكنه لم يقبل أن يعرض عليها عرضا كهذا و هو يعلم مقدار حاجتها إلى رجل في حياتها و مدى إحساسها بالوحشة. و لم يكن ليرضى بأي حال من الأحوال أن يبني زواجه على استغلال حاجتها تلك. يعلم أنها لم تكن لترفض... فلم تكن أمامها خيارات كثيرة! فهي كانت تقيم عند أخته، و هو كان يهتم بإدارة مصالحها. و بدون وجوده هو و هالة إلى جانبها لكانت وجدت نفسها وحيدة، أو ربما كان خالها تمكن من الاستيلاء على أموالها دون أن تملك فعل شيء يذكر... لذلك فهي كانت في موقف ضعف، و ضعفها ذاك كان ليجعلها تقدم تنازلات كثيرة. ربما كانت تثق فيه، و ربما كانت تتقبل شخصه... لكن كبرياءه لم تسمح له بالإقدام على تلك الخطوة. فهي ربما تقبل به في تلك الظروف الخاصة، و لكن بعض الشك سيبقى في نفسه بأن إجابتها قد تكون مغايرة، في ظروف مغايرة...

لا ينكر أن اقتراح هالة وافق هواه، و يكذب على نفسه و على العالم إن قال أنه لم يرمقها بنظرات إعجاب خفي منذ أن بدأ يلاحظ نضجها و دخولها مرحلة الشباب... لكنه لم يجرؤ على فعل شيء في حياة والدها. كان يخشى من عواقب تلك الخطوة المتهورة. السيد نجيب كان يحبه مثل ولده، و يهتم لأمره كثيرا... قربه من و من عائلته رغم الفوارق الاجتماعية، و خصه بمركز هام في شركته حتى خيل إليه في مرات عدة أنه يعده لخلافته في أعماله! لكنه لم يشأ أن يستسلم لتلك الأحلام. أو ربما استكثر على نفسه كل تلك النعم التي لم يحسب لها حسابا! إدارة شركة كبرى و زوجة شابة، ملتزمة و لامعة... كان يفيق من أحلامه في كل مرة فيصطدم بواقع عائلته و حياته. صحيح أنه كان يعمل باجتهاد و يثبت جدارته و كفاءته باستمرار، لكنه يبقى موظفا عند والدها... و تبقى هي ابنة السفير السابق و رجل الأعمال المعروف! فيكتشف في مرارة أنه لا يوجد سبب وجيه يجعله يحضى بتلك العطية دونا عن أبناء السفراء و رجال الأعمال الذين سيكونون دون شك أقرب إلى مواصفات رجل الأحلام الذي تحلم به فتاة في مثل مركزها! و لم يجد بدا من التسليم و العودة إلى رشده، خشية أن يقع في عواقب وخيمة لتهوره. فلم يكن يتخيل للحظة أن يهد تلك الصداقة العميقة و الأخوة الصادقة التي تربط العائلتين بطلب أرعن يتجاوز به الحدود المسموح بها... و كانت ثقة السيد نجيب، والده الثاني، أغلى عنده من أن يهدرها بتلك السهولة لهثا وراء السراب...

و بقي على تلك الحال سنوات عديدة، لا يكاد يفكر في الزواج رغم ملاحقة أمه و أخته له مذكرتين إياه بقرب إتمامه العقد الثالث من عمره. لكنه لم يكن يهتم... أو لعل حلمه الوردي لم يشأ أن يتخلى عنه تماما، طالما كان هناك بصيص من الأمل... يظهر حينا و يختفي حينا آخر... و هاهو اليوم، و بعد طول لأي يقف ذلك الموقف العصيب الذي تخيل نفسه يقفه مرات و مرات... ينتظر الحكم الذي قد يكون إعداما! ماذا لو رفضته؟ كيف يمكنه أن ينظر في وجهها أو يخاطبها في المستقبل؟ يعلم أنها تعتبره أخا. و قد كان لها كذلك لزمن طويل. فكيف يسمح لنفسه بتشويه تلك العلاقة البريئة الطاهرة؟ لن تعود علاقتهما مثل السابق أبدا... فقد اكتشفت أن نياته تجاهها تشوبها شائبة! غطى وجهه بكفيه في ألم. لا يمكنه أن يتخيل النتائج...

لكن إقدامه على هذه الخطوة جاء بعد تفكير طويل... فهو إن لم يعرض عليها الزواج، فلن يصله جواب أبدا! و ربما يندم فيما بعد إن تقدم إليها أحد الطامعين في ثروتها و استغل وحدتها و حاجتها و هو لا يستحقها... حينئذ لن ينفعه الندم بعد فوات الأوان. كما أنه الآن أصبح مديرا لشركة، و دخله ممتاز... صحيح أنه يتقاضى راتبه من أموالها، لكنه على الأقل لن يضطر إلى لمس مليم واحد من ثروتها حتى يضمن لها ظروف عيش قريبة من ظروف حياتها السابقة. لا يشك لحظة واحدة في أنها ستجرحه يوما لكونه من مستوى أدنى من مستواها، فهي لم تفعلها مرة واحدة منذ عرفها طفلة، و لا يظنها تفكر مطلقا بتلك الطريقة. لكن كبرياءه تأبى عليه ذلك...

تنهد مجددا و هو يطالع ساعته التي كانت عقاربها تتلكأ و تتباطأ كأنها تسخر من انتظاره البليد... مضت ساعة كاملة على غياب هالة داخل المبنى. فيم تراهما تتحدثان كل هذا الوقت؟ ألم يكن بوسعها أن تدخل في الموضوع مباشرة و تعود بالجواب؟ ألا تدري أنه يحترق في الخارج من حرارة الطقس و حرارة الانتظار!!

أخيرا، لمحها تخرج و تسير بخطوات وئيدة في اتجاه السيارة. تعلقت عيناه بوجهها يبحث فيه عن إجابة شافية. لكن ملامحها كانت خالية من أي تعبير. رمت بنفسها على الكرسي المجاور له دون أن تنطق. و حين أحست بجموده التفتت إليه في هدوء و هي تقول متسائلة :
ـ ألن تنطلق؟

كان آخر قطرات الصبر التي حافظ عليها إلى تلك اللحظة قد نفدت، فهتف في لهفة مخلوطة بغضب خفيف لبرودها و لامبالاتها :
ـ أخبريني... ماذا قالت؟

رمقته هالة بطرف عينها في دهاء و هي تقول في لهجة ساخرة :
ـ كنت أظنك غير راغب في الموضوع... و ما جئت اليوم إلا استجابة لإلحاحي!

زفر مأمون في غيظ و هتف في توسل :
ـ انطقي أرجوك و كفاك لعبا بأعصابي!

عندئذ ارتسمت ابتسامة على وجهها و هي تقول في طمأنة :
ـ طلبت وقتا للتفكير... فليس من المعقول أن تقرر في لحظات... إنه زواج و مستقبل كما تعلم...

تنهد في ضيق و هو يدير محرك السيارة استعدادا للانطلاق... يجب أن ينتظر بضعة أيام أخرى قبل أن يصدر الحكم. صبر جميل و الله المستعان. رنت إليه هالة من جديد و هي تقول هامسة :
ـ لا تقلق... بدت لي أقرب إلى الموافقة منها إلى الرفض...



***********



جلس على حافة البحر، الصديق الوفي الذي تعود إلى الشكوى إليه دون غيره... فهو يحمل كل أسراره و لا يفشيها أبدا... و استند بمرفقه إلى ركبته و هو يضع كفه على خده في استسلام. لم يعد أمامه سوى الاستسلام... بل لعل هذا الطبع لازمه منذ زمن بعيد، حتى ألف البكاء على الأطلال و التحسر بعد فوات الأوان...

اليوم زفافها! اليوم تصبح حليلة رجل غيره...

لماذا يؤلمه ذلك؟ ألم يعود نفسه على نسيانها منذ شهور طويلة؟ كان يعلم أن أمله قد اندثر منذ غادرت القصر هاربة و اختارت اللجوء إلى رجل آخر ليحميها. و هو بالفعل كان قادرا على حمايتها... على حمايتها من نفسه قبل كل شيء! في حين أنه هو لم يقدر على المحافظة على ثقتها التي وضعتها فيه. و تصرف بقلبه قبل أن يحكم عقله. و ذاك عيبه الدائم الذي كان و لا يزال يكلفه الكثير...

تنهد بعمق و هو يبعثر بأصابعه ذرات الرمال المبللة على الشاطئ... ترك أصابعه تغوص في الأرض و التقط حفنة من الرمال و تركها تتناثر ببطء حتى أضحت راحته يده فارغة. هكذا تفر منه دقائق حياته في رتابة و هدوء و هو غير قادر على اللحاق بها قبل أن تضيع. إلى متى ستعيش هكذا يا فراس؟ إلى متى تترك الظروف تتغلب عليك، فتضحي بأحلامك و آمالك في كل مرة لتضحي من أجل غيرك؟ من أجل العائلة... من أجل الشركة... من أجل الإنسانية!! و أنت، متى تعيش حياتك و تصنع مستقبلك؟ إلى متى ستتحكم فيك حساسيتك المفرطة و عاطفيتك الزائدة عن الحاجة؟ ربما آن الأوان لتبدأ بداية جديدة. بداية حقيقية يكون فيها نصيب لنفسك... على أسس سليمة لا تسيطر عليها المشاعر...

التقط حصاة صغيرة و رمى بها في اتجاه البحر لتبتلعها الأمواج في شراهة، كأنه يتخلص من بقايا التخاذل التي في نفسه. ثم هب واقفا على قدميه و قد امتلأ قلبه غضبا و ثورة... أنت قادر على بناء حياتك من جديد، و لن يثنيك شيء عن عزمك...

ارتفع رنين هاتفه بلحن مزعج ليقطع عليه حبل أفكاره. نظر إلى الرقم المتصل ثم عقد حاجبيه في استياء. رد على الاتصال، فجاءه صوتها متكسرا مائعا كالعادة و هي تسأله أين يكون. أجاب في حزم قاطع لم يعهد في نفسه :
ـ رجاء... أرجوك، حاولي أن تفهميني هذه المرة... لا أمل في مستقبل يجمعنا... إن كنت تريدين أن نحافظ على علاقة عائلية محترمة، فانسي هذا الرقم!

كانت علاقته بها إلى تلك الآونة يشوبها الكثير من التردد. يخشى أن يجرح مشاعرها أو يصدها بطريقة عنيفة تؤلمها... و ذاك ما جعلها تتمادى طوال السنين الماضية. ربما كانت تلك خطوة أولى في بناء شخصيته الجديدة. وداعا لفراس العاطفي المستسلم!

تلعثمت رجاء و قد صدمتها لهجته، حاولت أن تقول شيئا، لكنه عاجلها بقوله :
ـ إن لم يكن لديك أمر يسحق، فإنني مضطر إلى قطع الاتصال!

أنهى المكالمة... ثم تنهد في ارتياح. أنت على الطريق الصحيح...



**********




وقفت أمام قبر والدها و أخذت تملأ الإناء الذي يعلو سطح القبر بالماء... راقبت العصافير و هي تقترب لترتوي من الإناء و تلتقط حبات القمح التي نثرتها على الحجارة، و علت شفتيها ابتسامة هادئة... لعل أجر سقاية الماء يخفف عن والدها و يرزقه الرحمة... مضت سنتان كاملتان على رحيله عن هذه الدنيا. كانت تظن أن حياتها من بعده ستكون بلا معنى... لكنها توقن الآن أن الحياة لا تتوقف برحيل الأحبة، و أن الله عوضها عن والدها خير تعويض... زوج عطوف، يحنو عليها و يحسن رعايتها، تحس بالسعادة بقربه كل يوم أكثر من اليوم السابق.

رنت بعينيها إلى القبر، كأنها تحاول اختراق الحدود المادية لتصل إلى روح الراقد تحت الثرى، و خاطبته بقلبها... أبي، أعلم أنك سعيد من أجلي الآن. و أعلم أنك لو كنت على قيد الحياة لكنت باركت اختياري و أقررتني عليه. مأمون شخص ممتاز يا أبي. ليس في العمل و الإدارة و حسب، بل في كل صفاته و طباعه. هل تعلم... كنت في حيرة من أمري حين تقدم إلي. ليس لعيب أجد فيه، فأنا لم أر إلا الخير سواء منه أو من عائلته... لكنني لم أكن مستعدة لتلك النقلة في حياتي، و كنت أرفض فكرة الزواج... لكنني استخرت الله كما علمتني، و سألته أن يهديني الخيار الصواب... فوجدت في نفسي ارتياحا و انشراحا عجيبين و سارت الأمور بسهولة لم أتصورها...

أبي... أنا اخترت أن أظل في وطني و أستثمر أموالك في مشاريع محلية، تعود بالفائدة على البلاد و أهلها. أعلم أنها كانت رغبتك منذ زمن... لكن ظروف الحياة أخذتك و شغلتك. و ها أنا أحقق رغبتك و لو بعد رحيلك. مؤسف أن تضيع جهود أبنائنا و خيرة شبابنا و أموال مستثمرينا و رجال أعمالنا لخدمة بلاد غير بلادنا... لكنني لم أفهم ذلك إلا بعد أن عدت إلى هنا. بعد أن عرفت معنى العائلة... و معنى الوطن. أنا التي عاشت طوال حياتها دون وطن... لست ألومك الآن. فقد علمتني الدين و سقيتني المبادئ منذ نعومة أظفاري... لكن فاقد الشيء لا يعطيه. و أنت كنت تفتقد العائلة، و الوطن...

تحسست بطنها الذي كان آخذا في التكور و الانتفاخ... لن أحرم طفلي من هذه المعاني. و أملي أن يعرف حنان الوالدين و الاستقرار الذين لم أعرفهما... أسأل الله أن يوفقني... دعواتي لك بالرحمة...

ـ ليلى... يجب أن نذهب الآن... هالة اتصلت تستعجلنا...

التفتت إلى مأمون الذي كان يقف غير بعيد عنها ليمنحها خلوة قصيرة مع نفسها، تناجي روح والدها و تدعو له... طالعها بابتسامة عذبة و هو يقول هامسا :
ـ هيا بنا يا حبيبتي...

التقط كفها الصغيرة و دفأها بين كفيه و هما يسيران نحو السيارة، كأي زوجين محبين ينتظران طفلهما الأول، و قد علت وجهيهما علامات التفاؤل و الانسجام...


**********



أدار العم صابر باب المخزن و دفع بالعربة التي تحمل كميات من أوراق الملفات و الجرائد إلى الداخل. كان في الغرفة السفلية رفوف طويلة كدست عليها أكوام هائلة من الورق القديم الذي لا قيمة له، لكن جرت العادة منذ أيام السيد نبيل بالاحتفاظ بها فترة من الزمن، ربما تطول لبضعة سنوات، قبل أن يرسل الكمية إلى معامل رسكلة الورق... ربما لم يكن الربح المادي الناتج عن تلك المبادلة هاما، لكنها عادة سار عليها و لم يجد داعيا للتخلي عنها!

أخذ يحمل أكداس الورق و يرتبها على أحد الرفوف الخالية و هو يتأفف من الغبار الذي يتناثر حوله من ألواح الخشب المتسخة. فجأة سقطت كومة من الورق كانت على الرف العلوي بسبب ارتجاج الخزانة. فانحنى ليجمعها في صبر و أناة. كان قد حافظ على عمله في القصر بعد أن اشترته السيدة ليلى. أقنعت ياسين بأن القصر ماهو إلا تعويض عن الخسائر التي طالت العائلة كلها دون أن يكون لها ذنب في ما اقترفه السيد نبيل... و بما أنها اشترت القصر و الشركة و المزرعة بما يعادل ثمن الشركة وحدها في الظروف العادية، فإنها تركت للعائلة حرية التصرف في القصر و المزرعة، طالما أنها لم تكن تحتاجها. و رغم عدم اقتناع فراس و أمين، إلا أن منال ضغطت على ياسين حتى يقتنع بالعرض... و سارت الأمور كما أرادت! تنهد و هو يتذكر تلك الأيام العصيبة... السيدة ليلى و السيد مأمون كانا في غاية اللطف و الكرم و كانا يسعده أن حسده لم يخب في تقديره لأخلاق السيد مأمون حين لقيه للمرة الأولى. كانت ليلى قد قدمت حديثا للسكن في القصر، و مأمون كان يشرف على بعض المعاملات الخاصة بالسيد نجيب في الشركة. و بحكم تنقله المتكرر من الشركة و إليها ليحمل بعض الحاجيات التي يوصيه عليها السيد نبيل من القصر، فإنه كان يصادفه مرارا... و شيئا فشيئا نشأ بينهما حوار لطيف. و لم يكن مأمون يطلبه منه شيئا سوى أن يطمئنه على أحوال ليلى و ظروف إقامتها عند خالها... فهو كان يعرفها منذ زمن طويل، و علاقته بوالدها وطيدة للغاية... و لم يقصر العم صابر في نقل أخبارها إليه و كل ما أمكنه ملاحظته عن حياتها الجديدة... و سره أن يتضح إليه فيما بعد أنه كان ذا نفع في حماية ليلى من بطش خالها و طمعه...

فجأة انتبه حين وقعت عيناه على جريدة قديمة، تتصدر صفحتها الأولى صورة كل من السيد نبيل و ياسين إبان المحاكمة الشهيرة التي واجه فيها الولد أباه. ابتسم العم صابر في مرارة و هي يتخذ مجلسه على كرسي قديم يستخدمه لتنظيم الورق على الرفوف العلوية و أخذ يقرأ المقال كأنه يسترجع الماضي المر الذي بالكاد تجاوزته العائلة... توقفت عيناه عند المقطع الذي يصف التهم التي وجهها ياسين إلى والده، و من بينها تهمة القتل... قرأ الفقرة و علامات الدهشة ترتسم على وجهه بقوة متزايدة... لم يكن قد تابع تفاصيل المحاكمة في تلك الفترة، فكل ما شغله هو ضياع العمل و تشرد عائلته التي كان عائلها الوحيد. لذلك فإنه لم يركز على دقائق الأمور و الأدلة، بقدر ما همه الحكم النهائي و مصير القصر و سكانه... تمهل و هو يعيد القراءة في تمعن. كان ياسين يستند في اتهامه على دليلين... الدليل الأول هو مذكرات حنان التي تصف فيها هيئة أماني ساعة وفاتها. فقد بدت هادئة و مرتاحة مقارنة بالوضع المؤلم الذي كانت عليه. و الدليل الثاني هي علبة حبوب مخدرة، فارغة، عثر عليها بعد وفاة حنان نفسها... و ذلك ما جعله يستنتج أن "القتيلتين" وقع تخديرهما بالحبوب ثم وقع قتلهما بخنجريهما بطريقة تشبه طريقة انتحار السيدة هاجر!! لكن أقوال ياسين المتداخلة و غياب أدلة قاطعة تورط السيد نبيل في الجريمتين جعلا المحكمة تسقط التهمة، و تكتفي بالنظر في التهم الباقية التي كانت تستند إلى أدلة حقيقية...

سقطت الجريدة من بين يدي العم صابر و أخذ يحدق في الفراغ في ذهول... إنه يذكر الآن جيدا، أن السيد نبيل كان قد طلب منه في مناسبتين يذكرهما جيدا أن يشتري له علبة حبوب مخدرة! كان يدعي أن أرقا يصيبه بين الفترة و الأخرى، فيحتاج إلى تلك الحبوب لتهدئة أعصابه. و رغم صعوبة الحصول عليها بدون وصفة طبية، إلا أنه كان يتدبر أمره في كل مرة. و السيد نبيل لم يكن يتوانى في دفع المبالغ اللازمة... لكن و لعجيب الصدف، فإن المناسبتين كانتا تسبقان انتحار كل من أماني و حنان بأيام قليلة!! لم يكن في تلك الآونة ليربط الأحداث ببعضها بأي شكل من الأشكال. لكن الآن، و هو يقرأ اتهامات ياسين، بدأت أمور كثيرة تتضح في رأسه...

لبث للحظات ساهما لا يكاد يأتي بحركة. لكنه في النهاية وقف و هو يمسح وجهه بكفه في توتر. لم يعد ينفع الآن أن يتوجه إلى المحكمة و يطلب الشهادة. و على أية حال، فإن شهادته لن تغير من الأمر شيئا... فالحكم الصادر بشأن السيد نبيل يكفي ليقضي بقية أيام حياته وراء القضبان...
عاد إلى عمله في شيء من الفتور... و مسحة من الحزن تغطي وجهه...



*** تمت بحمد الله ***

avatar
شموس
Admin

الجنس : انثى
الابراج : العقرب
عدد المساهمات عدد المساهمات : 17804
العمر العمر : 34
الموقع الموقع : egypt
المزاج المزاج : تمام :D
نبذة مختصرة نبذة مختصرة : الضمير صوت هادئ..يخبرك بأن هناك من يراك دائما

https://www.shmos.net https://www.facebook.com/ShmosNet https://twitter.com/ShmosNet

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة




 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
Choose your language